قال ابن حجر في النكت: (١/ ٢٣٨: ٢٤٧): في مبحث " اشتراط العدد لقبول الحديث لم يصرح به أحد من المحدثين ": [١ - قوله - أي العراقي -: " وكأن البيهقي رآه في كلام أبي محمد الجويني فنبه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث ".
يعني اشتراط العدد في الحديث المقبول بأن يرويه عدلان عن عدلين حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - انتهى.
وهذا إن كان الشيخ أراد بأنه لا يعرف التصريح به من أحد أهل الحديث فصحيح، وإلا فذلك موجود في كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في المدخل. وقد نقله عنه الحازمي لما ذكر أن الحديث الصحيح ينقسم أقسامًا وأعلامًا شرط البخاري ومسلم، وهي الدرجة الأولى من الصحيح، وهو أن يرويه عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - صحابي زائل عنه اسم الجهالة. بأن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين، حافظ متقن، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته. (وله رواة ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة) (١).
وقال في كتاب علوم الحديث له «وصفة الحديث الصحيح أن يرويه» ثم ساق نحو ذلك لكن لم يتعرض لعدد معين فيمن بعد التابعين.
_________________
(١) - قال د. ربيع: وما بين القوسين لم يذكر فيما نقله عنه الحازمي، وقد راجعت المدخل ص٧ فلم أجده فيه وهو موجود في معرفة علوم الحديث فظنه الحافظ في المدخل وليس كذلك.
[ ١١٤ ]
وقد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أن ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة فنقض عليه بغرائب الصحيحين.
والظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه، إلا أن قوله في آخر الكلام. ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة.
إن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه فيقوى اعتراض الحازمي وإن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة والحاكم قائل بصحتها. وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال (والإجازة عند المحدثين لها حكم الاتصال) والله أعلم.
ولا شك أن الاعتراض عليه في علوم الحديث أشد من الاعتراض عليه بما في المدخل، لأنه جعل في المدخل هذا شرطًا لأحاديث الصحيحين.
وفي العلوم جعله شرطًا للصحيح في الجملة. وقد جزم أبو حفص الميانجي بزيادة على ما فهمه الحازمي من كلام الحاكم.
" زعم الميانجي أن الشيخين يشترطان العدد في صحة الحديث في كتابيهما: " فقال في (كتاب ما لا يسع المحدث جهله) إن شرط الشيخين في صحيحهما - أن لا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - اثنان فصاعدًا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة". فهذا الذي قاله الميانجي مستغن بحكايته عن الرد عليه فإنهما لم يشترطا ذلك ولا واحد منهما.
وكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلا صحابي واحد، وكم فيهما من حديث لم يروه إلا تابعي واحد. وقد صرح مسلم في صحيحه ببعض ذلك. وإنما حكيت كلام الميانجي هنا، لأتعقبه لئلا يغتر به.
" اشتراط ابن علية وغيره العدد في صحة الحديث: "
وأما اشتراط العدد في الحديث الصحيح، فقد قال به قديمًا إبراهيم بن إسماعيل بن علية وغيره.
[ ١١٥ ]
وعقد الشافعي في «الرسالة» بابًا محكمًا لوجوب العمل بخبر الواحد، وخبر الواحد عندهم هو: ما لم يبلغ درجة المشهور سواء رواه شخص واحد أو أكثر. ورأيت في بعض تصانيف الجاحظ أحد المعتزلة أن الخبر لا يصح عندهم إلا إن رواه أربعة. وعن أبي علي الجبائي أحد المعتزلة - أيضًا - فيما حكاه أبو الحسين البصري في المعتمد «أن الخبر لا يقبل إذا رواه العدل الواحد إلا إذا انضم إليه خبر عدل آخر. أو عضده موافقة ظاهر الكتاب، أو ظاهر خبر آخر. أو يكون منتشرًا بين الصحابة، أو عمل به بعضهم».
وأطلق الأستاذ أبو منصور التميمي عنه أنه اشترط الاثنين عن الاثنين والحق عنه التفصيل الذي حكيناه.
واحتج على ذلك:
١ - بقصة ذي اليدين وكون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - توقف في خبره حتى تابعه أبو بكر وعمر ﵄ وغيرهما.
٢ - وقصة أبي بكر ﵁ حين توقف في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ في ميراث الجدة حتى تابعه محمد بن مسلمة.
٣ - وقصة عمر ﵁ في توقفه في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ في الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد الخدري ﵁ وغير ذلك.
٤ - وقول على بن أبي طالب ﵁ «كنت إذا حدثني رجل استحلفته فإن حلف لي صدقته».
والجواب: عن ذلك كله واضح.
أما قصة ذي اليدين: فإن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إنما توقف فيه للريبة الظاهرة، لأنه أخبر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عن فعل نفسه وكان ثم جماعة من أكابر الصحابة ﵃ ولم يذكره أحد منهم سواء، فكان موجب التوقف قويًا. وقد قبل خبر غيره على انفراده عند انتفاء الريبة في جملة من الوقائع.
وأما قصة المغيرة ﵁ فإن أبا بكر الصديق - رضي الله
[ ١١٦ ]
عنه - إنما توقف فيه، لأنه أمر مشهور فأراد أن يثبت فيه، وقد قبل أبو بكر ﵁ حديث عائشة ﵂ وحدها في القدر الذي كفن فهي رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى غير ذلك من الأخبار.
وأما عمر ﵁ فإن أبا موسى ﵁ أخبره بذلك الحديث عقب إنكاره عليه رجوعه، فأراد عمر ﵁ الاستثبات في خبره لهذه القرينة.
وقد قبل عمر ﵁ حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ وحده في أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر.
وحديثه وحده ﵁ في النهي عن الفرار من الطاعون وعن دخول البلد التي وقع بها.
وحديث الضحاك بن سفيان في توريث امرأة أشيم من دية زوجها. وعدة أخبار من أخبار الآحاد في عدة من الوقائع.
وأما صنيع علي ﵁ في الاستحلاف فقد أنكر البخاري صحته وعلى تقدير ثبوته، فهو مذهب تفرد به والحامل له على ذلك المبالغة في الاحتياط، والله أعلم.].