(فَإِن خُولِفَ) أَي الرَّاوِي - وَالْمرَاد رَاوِي الصَّحِيح وَالْحسن - بِالزِّيَادَةِ، أَو النَّقْص فِي السَّنَد، أَو الْمَتْن على مَا ذكره السخاوي.
(بأرجح) أَي بِسَبَب وجود راو أرجح حَالَة الْمُخَالفَة.
(مِنْهُ) أَي من الرَّاوِي الْمُخَالف الْمَرْجُوح، فَخرج الْمسَاوِي لما فِيهِ من التَّوَقُّف.
(لمزيد ضبط) مُتَعَلق ب: أرجح.
(أَو كَثْرَة عدد) وَإِن [كَانَ] كل مِنْهُم دونه فِي الْحِفْظ والإتقان، لِأَن الْعدَد الْكثير أولى بِالْحِفْظِ من الْوَاحِد. وتطرق الْخَطَأ للْوَاحِد أَكثر مِنْهُ للْجَمَاعَة.
[ ٣٣٠ ]
(أَو غير ذَلِك من وُجُوه الترجيحات) الَّتِي سَيَأْتِي ذكرهَا وَمن جُمْلَتهَا: فقه الرَّاوِي، وعلو سَنَده، وَكَونه فِي كتاب تَلقاهُ الْأمة بِالْقبُولِ [٦٨ - أ] للتلازم. (فالراجح) / ٥٠ - أ / أَي من الْمُحدثين المتخالفين، (يُقَال لَهُ:) أَي فِي عرف الْمُحدثين، (الْمَحْفُوظ) لِأَن الْغَالِب أَنه مَحْفُوظ عَن الْخَطَأ، (وَمُقَابِله) بِكَسْر الْبَاء أَي نقيضه، (وَهُوَ الْمَرْجُوح يُقَال لَهُ: الشاذ) لِأَنَّهُ انْفَرد عَن رِوَايَة بَقِيَّة الروَاة، وَبعد عَن أَسبَاب التَّرْجِيح.
(مِثَال ذَلِك:) أَي مِثَال الشذوذ فِي السَّنَد.
(مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة) بِضَم
[ ٣٣١ ]
الْعين، وَفتح التَّحْتِيَّة الأولى، وَهُوَ سُفْيَان، وَكَانَ إِمَامًا جَلِيلًا، وَدفن بالمعلى.
(عَن عَمْرو بن دِينَار عَن عَوْسَجَة) بِفَتْح مُهْملَة وَسُكُون وَاو، وَفتح مُهْملَة، وجيم، (عَن ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن رجلا توفّي) بِضَمَّتَيْنِ، وَتَشْديد الْفَاء الْمَكْسُورَة، وَفتح التَّحْتِيَّة أَي مَاتَ (على عهد رَسُول الله [ﷺ]،) أَي فِي زَمَانه، (وَلم يدع) أَي وَلم يتْرك (وَارِثا إِلَى مولى) أَي معتقا بِالْفَتْح (وَهُوَ) أَي الرجل (أعْتقهُ) أَي ذَلِك الْمولى، [وَترك] مَالا.
(الحَدِيث) يجوز إعرابه مثلثا. وَتَمَامه: فَقَالَ [ﷺ]: " هَل لَهُ أحد؟ " قَالُوا: لَا إِلَّا غُلَاما [كَانَ] اعتقه، فَجعل [ﷺ] مِيرَاثه لَهُ، كَذَا فِي فَرَائض الْمشكاة.
(وتابع ابْن عُيَيْنَة) بِالنّصب على أَنه مفعول مقدم (على وَصله) أَي وصل هَذَا الحَدِيث إِلَى ابْن عَبَّاس ﵄ (ابْن جريج) بالجيمين مُصَغرًا. وَرفع ابْن على أَنه فَاعل (وَغَيره) عطف عَلَيْهِ، (وَخَالفهُم) أَي أبن عُيَيْنَة، وَابْن جريج، وَغَيره (حَمَّاد بن زيد /، فَرَوَاهُ) أَي مُرْسلا.
[ ٣٣٢ ]
(عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن عَوْسَجَة، وَلم يذكر ابْن عَبَّاس ﵄. قَالَ أَبُو حَاتِم: الْمَحْفُوظ حَدِيث ابْن عُيَيْنَة) [يفهم مِنْهُ أَن الحَدِيث يُطلق على مَجْمُوع كَلَام الرَّاوِي الْمركب من الروَاة وَكَلَامه [ﷺ]] .
(انْتهى) أَي كَلَامه كَمَا فِي نُسْخَة، وَالضَّمِير رَاجع إِلَى أبي حَاتِم.
(فحماد بن زيد من أهل الْعَدَالَة والضبط، وَمَعَ ذَلِك رجح أَبُو حَاتِم رِوَايَة من) مَوْصُولَة صلتها (هُوَ) أفرد [٦٨ - ب] . بِاعْتِبَار لفظ من. وَفِي نُسْخَة: من هم رِعَايَة لِمَعْنى من، وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره:
(أَكثر عددا مِنْهُ) أَي من حَمَّاد. وَقَالَ التلميذ: الأولى فِي الْمِثَال أَن يكون: بمتن خَالف فِيهِ الثِّقَة غَيره، لِأَن هَذِه الْأَنْوَاع من الشذوذ وَنَحْوهَا إِنَّمَا هِيَ وَاقعَة بِالذَّاتِ على الْمَتْن لما فِيهِ، أَو فِي طَرِيقه مَا يقتضيها. انْتهى.
وَيُمكن دَفعه بِأَن تعدد الْمِثَال [غير] لَازم [وَبِأَنَّهُ من بَاب الِاكْتِفَاء]،
[ ٣٣٣ ]
وَبِأَنَّهُ إِذا كَانَت الْمُخَالفَة فِي السَّنَد، فَهَذَا حكمه، فَكيف إِذا كَانَ فِي الْمَتْن؟ وَبِأَن الْمُخَالفَة فِي الْمَتْن نادرة، وَبِأَن يُدْرِكهَا كل أحد، وبأنها فهمت من بحث زِيَادَة الثِّقَة.
ثمَّ مِثَاله فِي الْمَتْن: زِيَادَة " يَوْم عَرَفَة " فِي حَدِيث: " أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب " فَإِن الحَدِيث من جَمِيع طرقه / ٥٠ - ب / بِدُونِهَا. وَإِنَّمَا جَاءَ بهَا مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح، عَن أَبِيه، عَن عقبَة بن عَامر كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ: الْأَحَادِيث إِذا كثرت كَانَت أثبت من الْوَاحِد الشاذ، وَقد يهم الْحَافِظ أَحْيَانًا، على أَنه قد صحّح حَدِيث مُوسَى ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَقَالَ: إِنَّه على شَرط مُسلم.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حسن صَحِيح. قلت: لَعَلَّهُم غفلوا عَن شذوذ الْمَتْن ونظروا إِلَى الْإِسْنَاد فَقَط فحكموا عَلَيْهِ بِمَا حكمُوا. وَمثل ذَا يَقع كثيرا من أهل الْعَرَبيَّة أَنهم يأْتونَ بِوَجْه صَحِيح من الْإِعْرَاب لكنه إِذا لوحظ الْمَعْنى تبين أَنه على خلاف الصَّوَاب.
[ ٣٣٤ ]
وَقَالَ السخاوي: وَكَأن ذَلِك لِأَنَّهَا زِيَادَة ثِقَة غير مُنَافِيَة لِإِمْكَان حملهَا على حاضري عَرَفَة. انْتهى. وَيرد إِن الصَّوْم لَهُم مَكْرُوه، ولغيرهم مسنون وَلَا يخفى بعد تَوْجِيهه من وُجُوه:
الأول: إِطْلَاق يَوْم عَرَفَة. وَالثَّانِي: [أَن] الْكَرَاهَة مُخْتَصَّة بِمن عجز عَن الذّكر وَالدُّعَاء: وبمن لم يكن عَلَيْهِ صَوْم الْقرَان والتمتع.
وَالثَّالِث: [٦٩ - أ] أَن الْكَرَاهِيَة فِي يَوْم عَرَفَة تنزيهية بالِاتِّفَاقِ، وَالصَّوْم فِي أَيَّام التَّشْرِيق حرَام [بِالْإِجْمَاع] فَلَا مناسة لذكره مَعهَا.
(وَعرف) أَي علم علما جزئيا، وَلذَا لَا يُقَال: الله عَارِف.
(من هَذَا التَّقْرِير) أَي الْمَفْهُوم فِي ضمن التَّحْرِير. وَأَرَادَ بِهِ تَقْرِير الْمَتْن حَيْثُ فرع قَوْله: فَإِن خُولِفَ على قَوْله: وَزِيَادَة راويهما أَي الْحسن وَالصَّحِيح، فَعلم أَن فَاعله إِنَّمَا هُوَ رَاوِي الْحسن وَالصَّحِيح، وَهُوَ مَقْبُول لَا من تَقْرِير الشَّرْح لِأَن الحكم بِكَوْن راو فِي مِثَال مَخْصُوص ثِقَة ومقبولا لَا يدل على وجوب كَونه مَقْبُولًا فِي جَمِيع الصُّور، وَكَذَا الحكم بِكَوْن راو شاذا فِي حَدِيث لَا يلْزم مِنْهُ كَونه غير مَقْبُول فِي جَمِيع الْأَحْوَال؛ / وَلذَا قَالَ فِيمَا سبق: فحماد بن زيد من أهل الْعَدَالَة والضبط الخ.
[ ٣٣٥ ]
وَالْحَاصِل: أَنه تحقق مِمَّا ذكرنَا:
(أَن الشاذ: مَا رَوَاهُ المقبول مُخَالفا) أَي فِي نفس الْمَتْن، أَو فِي سَنَده بِالزِّيَادَةِ أَو النَّقْص.
(لمن هُوَ أولى مِنْهُ) أَي فِي الضَّبْط حَقِيقَة، أَو حكما كَمَا فِي التَّعَدُّد، وَفِي كَلَام الشَّرْح إِشَارَة إِلَى ذَلِك حَيْثُ قَالَ: بأرجح مِنْهُ، إِذْ يفهم مِنْهُ أَن الْمُخَالف يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ رُجْحَان مَا من الْجِهَات الْمَذْكُورَة. وَالْمرَاد بالمقيول أَعم من أَن يكون ثِقَة أَو صَدُوقًا. والشاذ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور هُنَا اخص مِمَّا ذكر فِي تَعْرِيف الصَّحِيح. قيل: هَذَا منَاف لما سبق من حصر المقبول فِي أَرْبَعَة أَقسَام: الصَّحِيح، وَالْحسن بقسميهما [مَعَ نفي الشذوذ بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ فِي تَعْرِيفهَا، وَأجِيب بِأَنَّهُ حصر فِيمَا سبق الْمَرْوِيّ المقبول] فِيهَا، وَهَهُنَا جعل رَاوِي الشاذ أَي الزَّائِد على الْحسن أَو الصَّحِيح بسب الْمُخَالفَة لمن هُوَ أوثق مَقْبُولًا، وَلَا يلْزم من مقبولية الرَّاوِي مقبولية الْمَرْوِيّ، فَلَا تنَافِي.
(وَهَذَا) أَي الَّذِي / ٥١ - أ / قَررنَا، (وَهُوَ الْمُعْتَمد فِي تَعْرِيف الشاذ بِحَسب الِاصْطِلَاح) أَي المطابق للمعنى اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ المتفرد. وَبِه [٦٩ - ب] عرف الشَّافِعِي، وَأهل الْحجاز.
وَقَالَ الخليلي - وَعَلِيهِ حفاظ الحَدِيث -: الشاذ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد
[ ٣٣٦ ]
يشذ بِهِ شيخ ثِقَة أَو غَيره، فَمَا كَانَ عَن غير ثِقَة مَتْرُوك وَلَا يقبل، وَمَا كَانَ عَن ثِقَة يُوقف وَلَا يحْتَج بِهِ. فَلم يعْتَبر الْمُخَالفَة وَلَا اقْتصر على الثِّقَة.
وَقَالَ الْحَاكِم: الشاذ: هُوَ الحَدِيث الَّذِي يتفرد بِهِ ثِقَة من الثِّقَات وَلَيْسَ لَهُ أصل بمتابع لذَلِك الثِّقَة، فَلم يعْتَبر الْمُخَالفَة وَلَكِن قَيده بالثقة.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَأما مَا حكم الشَّافِعِي عَلَيْهِ بالشذوذ فَلَا إِشْكَال فِيهِ وَأما مَا ذكرَاهُ أَي الخليلي وَالْحَاكِم فمشكل بِمَا يتفرد بِهِ الْعدْل الْحَافِظ الضَّابِط كَحَدِيث: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " وَحَدِيث " النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وهبته ".