(فإنْ خَفَي الْمَعْنى) أَي معنى الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة، وذِكْر هَذَا الْكَلَام استطرادي بِأَدْنَى مُنَاسبَة. والخفاءُ: تَارَة بِاعْتِبَار لفظ الحَدِيث مفرَدًا، وَتارَة بِاعْتِبَارِهِ مركبا وَسَيَأْتِي بَيَان الثَّانِي وبيانُ الأول قَوْله:
(بِأَن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بقِلّة) أَرَادَ بِهِ غَرِيب الحَدِيث، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي الْمَتْن من لفظ غامض بعيدٍ عَن الْفَهم لِقِلّة اسْتِعْمَال هـ، (احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح الْغَرِيب)، وَهُوَ فنٌ مُهِمّ يَقبح جهلُه للمحدثين خُصُوصا، وللعلماء عُمُوما، وَيجب أَن يُتَثَّبتَ فِيهِ ويُتَحَرَّى. سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن حرف من غَرِيب الحَدِيث، قَالَ: سلوا أَصْحَاب الْغَرِيب، فَإِنِّي أكره أَن أتكلَّم فِي قَول رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بِالظَّنِّ. وَنَظِيره مَا رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم [١٢١ - أ] التَّيمِيّ: أَن أَبَا بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سُئل عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَة وَأَبا﴾ فَقَالَ: " أيّ سماءٍ
[ ٥٠٢ ]
تُظِلُّني وأيّ أَرض تُقِلُّني إِذا قلت فِي كتاب الله تَعَالَى مَا لَا أعلم ".
(ككتاب أبي عُبيد) بِالتَّصْغِيرِ، (الْقَاسِم بن سلاَّم) بِفَتْح مُهْملَة، وَتَشْديد لَام، توفّي سنة أَربع وَعشْرين ومئتين. (وَهُوَ) أَي كِتَابه مَعَ أَنه تَعب / فِيهِ جدا، فَإِنَّهُ أَقَامَ فِيهِ أَرْبَعِينَ سنة، بِحَيْثُ استقصى وأجاد بِالنِّسْبَةِ لمن قَبْله. (غير مرتَّب) لَكِن وَقع من أهل الْعلم بموقع جليل، وَصَارَ قدوةً فِي هَذَا الشَّأْن. وَلم يزل النَّاس يَنْتَفِعُونَ بكتابه. وَعمل أَبُو سعيد الضريرُ كتابا فِي التعقب عَلَيْهِ.
(وَقد رتبه الشَّيْخ موفق الدِّين بن قُدَامَة) بِضَم قَاف، وَتَخْفِيف دَال مُهْملَة، (على الْحُرُوف) أَي على تَرْتِيب الْحُرُوف كَمَا فِي الصِّحاح وَغَيره، (وأجمعُ مِنْهُ) أَي من كتاب ابْن سَلاّم، وَهُوَ أنسب، أَو من كتاب ابْن قدامَة، وَهُوَ أقرب، (كتاب أبي عُبيد الهَرَويّ) أَي الحنبليّ، (وَقد اعتنى بِهِ) أَي بِكِتَاب الهَرَويّ، (الحافظُ أَبُو مُوسَى المَدِيني) بِفَتْح فَكسر، (فَنقبَ) بتَشْديد الْقَاف، أَي فتش (عَلَيْهِ) مُتَعَلق ب: مُعْتَرضًا، على سَبِيل التَّضْمِين لِأَن التنقيب يتَعَدَّى بفي. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد﴾ وأصل التنقيب: التفتيش عَن الشَّيْء، والبحث عَنهُ.
[ ٥٠٣ ]
(واستدرك) أَي زَاد عَلَيْهِ بأَشْيَاء.
(وللزمخشري كتاب اسْمه " الْفَائِق "، حسن التَّرْتِيب) قَالَ محش: فِيهِ مَا فِيهِ، لَكِن يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّنْبِيه.
(ثمَّ جمع الْجَمِيع ابْن الْأَثِير فِي " النِّهَايَة "، وَكتابه أسهل الْكتب تناولا) أَي أخذا واستنباطا فِي الْمَعْنى الْمَقْصُود لما يذكر / ٨٦ - أ / فِيهِ لفظ الحَدِيث غَالِبا، (مَعَ إعواز قَلِيل فِيهِ) مصدر أعوزه، أَي أحوجه يَعْنِي: مَعَ فقدان اسْتِيفَاء فِي مَوَاضِع قَليلَة، وَقد لخصه شيخ مَشَايِخنَا الْجلَال السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَزَاد أَشْيَاء، وَسَماهُ " الدّرّ النثير فِي تَلْخِيص نِهَايَة ابْن الْأَثِير ". وَهُوَ كتاب لَا يَسْتَغْنِي عَنهُ الطَّالِب.
(وَإِن كَانَ اللَّفْظ مُسْتَعْملا بِكَثْرَة [١٢١ - ب] لَكِن فِي مَدْلُوله) أَي مَعْنَاهُ الْمَقْصُود فِي الدّلَالَة على الْمَطْلُوب، وَهُوَ الْمُسْتَفَاد من مَدْلُوله التركيبي، (دقة) أَي خَفَاء، (احْتِيجَ إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح مَعَاني الْأَخْبَار) بِفَتْح الْهمزَة، (وَبَيَان الْمُشكل) عطف على " شرح الريب " متْنا، وعَلى " شرح " شرحا، وَقَوله: (مِنْهَا) أَي من الْأَخْبَار أَو مَعَانِيهَا.
(وَقد أَكثر الْأَئِمَّة من التصانيف فِي ذَلِك كالطحاوي) من الْحَنَفِيَّة،
[ ٥٠٤ ]
(والخطابي، وَابْن عبد الْبر) من الْمَالِكِيَّة، (وَغَيرهم) وَقد سبق أَن الإِمَام الشَّافِعِي قد سبقهمْ، وَذكر جملَة مِنْهَا فِي جُزْء فِي كِتَابه " الْأُم ".