يعتبر هذا القرن نهاية المرحلة الذهبية لتدوين الحديث، ففيه توقف جمع المصادر الأصلية التي امتازت بالأسانيد المتصلة إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ولم تعد الرواية بالإسناد معتبرة بعد ذلك، ورفض العلماء الأخذ بحديث لَمْ يَرِدْ عند أحد من الأئمة السابقين، وفي ذلك يقول الإمام البيهقي (٤٥٨ هـ) على ما ينقله عنه ابن الصلاح في " مقدمته " (١): «فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ لاَ يُوجَدُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَمَنْ جَاءَ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَالذِي يَرْوِيهِ لاَ يَنْفَرِدُ بِرِوَايَتِهِ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِحَدِيثِهِ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَالْقَصْدُ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَالسَّمَاعِ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْحَدِيثُ مُسَلْسَلًا بِـ (حَدَّثَنَا) وَ(أَخْبَرَنَا)، وَتَبْقَى هَذِهِ الْكَرَامَةُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الأُمَّةُ شَرَفًا لِنَبِيِّنَا المُصْطَفَى ﷺ».
_________________
(١) ابن الصلاح، " مقدمة علوم الحديث ": ص ١٠٨.
[ ١٧ ]
ابتدأ هذا المفهوم بالظهور منذ مطلع القرن الخامس الهجري واستمر بعد ذلك ولا يزال إلى أيامنا هذه، ومع ذلك، فقد استمر التصنيف بالإسناد، مع فقدان الثقة به تدريجيًا حتى انتقل منهج المحدثين إلى الإشارة لوجود هذا الحديث عند الأئمة السابقين، كما في تصانيف الدارقطني (٣٨٥ هـ)، والبيهقي (٤٥٨ هـ)، والبغوي (٥١٦ هـ).