ثم دارت الأيام، وجاء العصر الذي نحن فيه، وتغيرت الأحوال كثيرًا، إذ صار كثير من الباحثين لا يعرف كيفية الوصول إلى الحديث ومصادره الأصلية لانصراف الناس عن العلوم الشرعية، وَلِقِلَّةِ العُلَمَاءِ الخَبِيرِينَ بهذا الشأن، وقلة معرفتهم بكيفية ترتيب هذه المصادر وتبويبها، وأدى ذلك لصرف الأوقات الطويلة والجهود المُضْنِيَةِ، لِوُعُورَةِ هذا المسلك، مِمَّا أهاب بكثير من الغيورين على حديث رَسُولِ اللهِ - ﷺ - للنهوض في مواجهة هذا الهجران القبيح، والابتعاد عن السُنَّةِ، وَقَاوَمُوا هذا التيار الهادم للركن الثاني من أركان الدين، بوضع الكتب المساعدة على الاستفادة من كتب الأئمة، ونشطت في سبيل ذلك حركة فهرسة واسعة النطاق شملت معظم مصادر السُنَّةِ الأصلية، وكان من رُوَّادِ هذه الحملة في القرن الرابع عشر الشيخ مصطفى بن علي بن محمد بن مصطفى البيومي المصري، الذي وضع فهارس لأهم كُتُبِ السُنَّةِ بطرق ومناهج متعددة، والشيخ محمد الشريف بن مصطفى التوقادي، والشيخ عبد الرحيم عنبر الطهطاوي المصري، والشيخ أحمد بن عبد الرحمن البَنَّا الساعاتي (١٣٧١ هـ) والشيخ أحمد بن محمد بن الصِدِّيقْ الغُمَارِي
[ ٢٥ ]
المغربي، وَالعَلاَّمَةُ الشيخ أحمد محمد شاكر، والأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي الذي يُعْتَبَرُ بحق رائد الفهرسة الحديثية المعاصرة وغيرهم كثير مِمَّنْ سيأتي ذكرهم فِي فَصْلِ «أَشْهَرِ فَهَارِسِ الحَدِيثِ».
كما قامت بعض الجهات الرسمية والمجامع العلمية بجهود كثيرة مشكورة في سبيل فهرسة كُتُبَ التُّرَاثِ منها: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، ووزارة الأوقاف الكويتية، ومركز دراسات السيرة والسُنة النبوية بدولة قطر، وقسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ودار البصائر في دمشق التي تصدر سلسلة باسم " سلسلة الفهارس "، ودار المعرفة في بيروت، التي أصدرت مجموعة من فهارس كتب السُنَّةِ، وسنذكر جهود كل هؤلاء في «فصل أشهر كتب فهارس الحديث» من هذه الدراسة إن شاء اللهُ.
[ ٢٦ ]