إِنَّ المُتَتَبِّعَ لِتَصَانِيفِ هؤلاء الأئمة يراهم يُخَرِّجُونَ الأحاديث بأسانيدهم المتصلة، ثم يذكرون عقب الحديث من أخرجه من الأئمة المتقدمين، كالإمام البخاري، أو مسلم، أو الترمذي، أو أبي داود .. وكثيرًا ما تلتقي أسانيدهم بأسانيد هؤلاء الأئمة، ونادرًا ما يَرْوُونَ من غير طريقهم، ولعل في مُصَنَّفَاتِ الإمام البغوي (٥١٦ هـ) خير نموذج لِمُصَنَّفَاتِ هذا القرن.
لقد كان ميزان صحة الأحاديث وقبولها بالنسبة لعلماء هذا القرن هو تخريج أحد الأئمة السابقين له، فما قيمة هذه المصنفات إذن؟ يمكننا حصرها بما يلي:
١ - جمع شتات الأقوال النقدية حول الحديث المروي عند الأئمة المتقدمين من تعديل وتجريح وتعليل للرواة، ووصل وإرسال وانقطاع السند وفي هذا فائدة عظيمة بَيَّنَتْ قيمة كثير من الأحاديث التي خَرَّجَهَا الأئمة السابقون وأحكامها من الصحة والحسن والضعف، كما في تصانيف البيهقي (٤٥٨ هـ) وابن عبد البر (٤٦٣ هـ).
٢ - الاستدراك على الأئمة برواية ما فاتهم في كتبهم وكان على شرطهم، كما فعل الحاكم النيسابوري (٤٠٤ هـ) في " المستدرك على الصحيحين " وفي هذا تكملة لإرساء كثير من الروايات الصحيحة التي حرص الأئمة عليها فيما قبل.
٣ - جمع عدد كبير من الروايات التي فات جمعها عند الأئمة المتقدمين، وفي هذا
[ ١٩ ]
إكمال لدور التدوين والجمع الذي بدأ مع نهاية الأول الهجري، وانتهى تقريبًا مع نهاية القرن الخامس.
ولقد لاقت مُصَنَّفَاتُ أئمة القرن الخامس وأقوالهم النقدية قبولًا عند علماء الأُمَّةِ فيما بعد، وأقبل المحدثون عليها كما أقبلوا على تصانيف الأئمة المتقدمين، ولكن بدرجة من الثقة أقل بسبب طول الإسناد وبعده عن مصدر النبوة واحتمال السهو والخطأ في الحفظ، وَتَرَدَّدَتْ أسماء أعلام هذا القرن في مُصَنَّفَاتِ المُتَأَخِّرِينَ كما أقبل المُحَقِّقُونَ على تحقيقها وإخراجها لعالم المطبوعات، فغدا معظمها متداولًا متناولًا والحمد لله.