تعتبر هذه المصنفات المصادر الأصلية التي جمعت أحاديث رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فقد تم خلال هذه الحقبة من الزمن تدوين الحديث، بعد أن كان يُرْوَى عن الشيخ في القرن الأول ومطلع القرن الثاني، وقد استمرت عملية الجمع والتدوين حتى نهاية القرن الخامس، إذ انتقل منهج علم الحديث بعد هذا التاريخ للدراسات النقدية تصحيحًا وتضعيفًا، وتجريحًا وتعديلًا، وشرحًا، وانتخابًا وتناولت دراسات العلماء فيما بعد مؤلفات القرون الخمسة الأولى الأصلية واعتمدت عليها، واستمدت منها.
[ ١٦ ]
ونظرًا لهذه المكانة الرفيعة التي احتلتها هذه المؤلفات، كان من الضروري معرفة قيمة كل واحد منها إذ لا يكفي في الاعتماد على أحد هذه المصنفات كونه قد وُضِعَ في هذه القرون، وقد تفاوتت فيها، لأن العلماء من تَحَرَّى جمع الصحيح في كتابه، ومنهم من ضَمَّنَ في كتابه الصحيح والحسن والضعيف دون مراعاة منه للصحيح فقط، وَمِمَّنْ تَحَرَّى جمع الصحيح سوى البخاري ومسلم، ابن خُزيمة (٣١١ هـ)، وأبو عوانة (٣١٦ هـ)، وابن حبان (٣٤٥ هـ)، وقد وُفِّقُوا إلى حد كبير في ذلك.
وَجُمِعَتْ كذلك في هذه القرون مُصَنَّفَاتٌ كثر فيها الضعيف من شَاذٍّ ومنكر ومضطرب، مع استتار حال رجالها، وعدم تداول ما شَذَّتْ به أو انفردت، كـ " مسند ابن أبي شيبة " (٢٣٥ هـ)، والطيالسي (٢٠٤ هـ)، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (٢٤٩ هـ)، وعبد الرزاق (٢١١ هـ) وَكُتُبُ البيهقي (٤٥٨ هـ) والطبراني (٣٦٠ هـ)، والطحاوي (٣٢١ هـ). وهذه الطبقة لا يستطيع الاعتماد عليها والاستمداد منها إلا جهابذة المحدثين.
كما جُمِعَتْ في هذه القرون أيضًا مُصَنَّفَاتٌ هزيلة، جُمِعَتْ من أفواه القُصَّاصِ وَالمُؤَرِّخِينَ غير العدول كما في تصانيف ابن مَرْدَوَيْهْ (٤١٠ هـ)، وابن شاهين (٣٨٥ هـ) وأبي الشيخ (٣٦٩ هـ)، وهذه الطبقة الأخيرة لا يُعَوِّلُ عليها أحد، وتحتاج لجهود كبيرة لتمييز صحيحها من سَقِيمِهَا.