وبجانب ما أفادته الأحاديث السابقة من إذنه ﷺ العام في كتابة الصحابة الحديث عنه، فقد جاءت أحاديث أخرى بإذنه بالكتابة لأسباب ودواع خاصة: فمن ذلك: أنه في عام الفتح لما قتل رجل من خزاعة رجلًا من بني ليث، ركب ﷺ راحلته ليخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين" الحديث في حرمة مكة وحُكْم مَنْ يقتل فيها، فقام أبو شاه -رجل من أهل اليمن- قال اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه" قال الوليد ابن مسلم- راوي الحديث عن الأوزاعي - قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ (١) وفي رواية للبخاري أيضا إن الرجل قال: اكتب لي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه" (٢) .
وتحديد زمن الحديث بأنه عام الفتح صريح في صحة تأخر الإذن بالكتابة؛ لأن الفتح كان في أواخر حياته ﷺ كما هو معلوم.
ولفظ الحديث كما ترى بصيغة الأمر بالكتابة، وتنفيذ الصحابة لذلك،
_________________
(١) البخاري مع الفتح حديث (١١٢، ٢٤٣٤) .
(٢) البخاري مع الفتح الحديث ذكر في مواضع منها (٦٨٨٠) ومسلم (١٣٥٥)، وأحمد في المسند (٢/٢٣٨ ح ٧٢٤٢) .
[ ٢٦ ]
فعلًا، يفيد الحمل على الوجوب فتكون دلالته على الإذن من باب أولى.
وقد علق عبد الله بن أحمد -﵁- على رواية الحديث في المسند بقوله: " ليس يُروى في كتابة الحديث شيء أصح من هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أمرهم فقال: "اكتبوا لأبي شاه" ما سمع النبي ﷺ، خطبته" (١) .
ويلاحظ أن هذا الإذن بمناسبته المذكورة، ولسائل معين، ومع ذلك قرر عبد الله بن أحمد أنه أصح ما يروى في كتابة الحديث مطلقا دون تقييد.
وهناك ما ذُكر أن سبب الإذن في كتابته كان خشية النسيان أو عدم فهم المعنى المراد حال السماع، فقد أخرج الإمام أحمد وغيره من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - يعني عبد الله بن عمرو بن العاص
- ﵄- قال: قلتُ يا رسول الله، إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟
قال: بلى فاكتبوها (٢) .
وفي لفظ "أن عبد الله بن عمرو قال: إني أسمع منك أشياء أحب أن أعيها، فأستعين بيدي مع قلبي؟ قال: نعم (٣) وفي لفظ أن عبد الله بن عمرو قال: إني أسمع منك أشياء أخاف أن أنساها، فتأذن لي أن أكتبها؟ قال:
_________________
(١) المسند للإمام أحمد (٢/ ٢٣٨) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢١٥/ ح٧٠١٨) وبنحوه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وطريق من تابعه ينظر المسند (٢/ ٢٦٢ح ٦٥١٠، ١٩٢ح ٦٨٢٠و ٢٠٧ح ٦٩٣٠ و٢١٥، ح٧٠١٨ و٧٠٢٠) والمستدرك للحاكم (١/ ١٠٤، ١٠٥) وتقييد العلم للخطيب (٧٤- ٨٢) .
(٣) تقييد العلم للخطيب (٨١) .
[ ٢٧ ]
اكتبها (١) وفي رواية زيادة أن ذلك كان أول ما كتب عبد الله بن عمرو (٢)،وما في بعض طرقه من ضعف ينجبر بطرقه الأخرى، فيرتقي إلى الصحيح لغيره، وبه يندفع تضعيف الشيخ رشيد رضا ﵀ للحديث من طريق عمرو بن شعيب وحدها دون البحث أو النظر فيما يعضدها (٣) .
وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة -﵁- قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إني أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول الله ﷺ: "استعن بيمينك" وأومأ بيده للخط.
وقد ضعف الترمذي الحديث بإسناده الذي أخرجه به، ولكن أشار إلى أن ضعفه ينجبر بما يشهد له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- فقال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو (٤) وهو حديث صحيح كما تقدم.
_________________
(١) المصدر نفسه (٧٦)، (٨١- ٨٢) .
(٢) ينظر تقييد العلم للخطيب (٨١) .
(٣) ينظر المنار (١٠/ ٧٦٥- ٧٦٦) وحاشية (١٥٢) (ص٧٥) من تقييد العلم للخطيب بتحقيق يوسف العش.
(٤) جامع الترمذي (كتاب العلم/حديث ٢٦٦٦) .
[ ٢٨ ]