تطلق السنة في اللغة بعدة إطلاقات، فتطلق ويراد بها الوجه لصقالته وملاسته، وقيل: دائرته، وقيل: الصورة، وقيل: الجبهة والجبينان، وكله من الصقالة والأسالة، ووجه مسنون: مخروط أسيل كأنه قد سُنَّ عنه اللحمُ، وسُنة الوجه دوائره، وسنة الوجه صورته، قال ذو الرمة:
تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ مَلْسَاءُ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلاَ نَدَبُ
ومثله للأعشى:
كَرِيمًا شَمَائِلُهُ مِنْ بَنِي معَاويَةَ الأَكْرَمِيْنَ السُّنَنْ
والسنة: الصورة وما أقبل عليك من الوجه، وقيل: سنة الخد صفحته (١) . أ. هـ.
وقال الأزهري: السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السُّنة، معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة، والسُّنة: الطبيعة، وبه يفسر بعضهم قول الأعشى السابق:
كَرِيمًا شَمَائِلُهُ مِنْ بَنِي معَاويَةَ الأَكْرَمِيْنَ السُّنَنْ (٢)
وقد سبق بيان أنَّ بعضهم فسر السنن في هذا البيت بالوجوه، أمَّا
_________________
(١) لسان العرب ج١٣ ص٢٢٤ ط بيروت.
(٢) تاج العروس ج١٣ ص٣٤٤ ط بيروت.
[ ٣ ]
رأي الآخرين فمعناها الطبيعة. وقال الراغب (١): "سنة النبي ﷺ طريقته التي كان يتحراها، وسُنة الله ﷿ قد تقال لطريقة حِكْمته وطريقة طاعته". والسنة: السيرةُ حسنةً كانت أو قبيحةً، قال خالد بن عتبة الهذلي:
فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أَنتَ سِرْتَهَا فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيْرُهَا
وفي الكتاب العزيز: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥] . قال الزجاج: "سنة الأولين أنهم عاينوا العذاب"، وسننتها سَنًَّا واستننتها: سِرْتُها، وسننت لكم سنة فاتبعوها، وفي الحديث: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة.." (٢)، يريد مَنْ عَمِلَها ليُقتدى به فيها، وكل من بدأ أمرًا عمل به قومٌ بعده قيل هو الذي سَنَّهُ.
وقد تكرر ذكر السنة وما تصرف منها والأصل فيها الطريقة
_________________
(١) المفردات ٤٢٩.
(٢) وروى الإمام مسلم عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) صحيح مسلم ج٢ ص٧٠٥، وأخرجه الترمذي بلفظ: (من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئًا ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئًا) الترمذي ج٤ ص١٤٩، وقال: حديث حسن وأخرجه الإمام أحمد بنحوه في مسنده ج١ ص١٩٣ (الفتح الرباني) وأخرجه الدارمي ج١ ص١٠٧.
[ ٤ ]
والسيرة. وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبيُّ ﷺ ونهى عنه وندب إليه قولًا وفعلًا، ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة؛ أي: القرآن والحديث (١) . أ.؟.
وقد وردت في القرآن الكريم في مواضع متعددة بمعنى العادة المستمرة والطريقة المتبعة فقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران:١٣٧] . وقال ﷿: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء:٧٧] . وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح:٢٣] .
_________________
(١) لسان العرب ج١٣ ص٢٢٥ ط بيروت.
[ ٥ ]