ذِكْرُ النَّوْعِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ هَذَا النَّوْعُ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ فِي الْمُتُونِ، وَهَذَا عِلْمٌ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْغَرِيبَ فِي الْإِسْلَامِ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، لَهُ فِيهِ كِتَابٌ هُوَ عِنْدَنَا بِلَا سَمَاعٍ، ثُمَّ صَنَّفَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ كِتَابَهُ الْكَبِيرَ الَّذِي
[ ٨٨ ]
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْكَارِزِيُّ قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا أَبُو عُبَيْدٍ فَحَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسَ بْنِ سَلَمَةَ الْعَنَزِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ هِلَالَ بْنَ الْعَلَاءِ الرَّقِّيَّ يَقُولُ: " مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَرْبَعَةٍ: بِالشَّافِعِيِّ بِفِقْهِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِأَبِي عُبَيْدٍ فَسَّرَ غَرَائِبَ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، نَفَى الْكَذِبَ عَنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَبَتَ فِي الْمِحْنَةِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَوْلَاهُمْ لَذَهَبَ الْإِسْلَامُ "
[ ٨٨ ]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَدْ صَنَّفَ الْغَرِيبَ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُتَيْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَفِي أَهْلِ عَصْرِنَا مَنْ صَنَّفَهُ، وَأَنَا ذَاكِرٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي كِتَابِهِ؛ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى شَوَاهِدِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
[ ٨٩ ]
سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ: «أَعْطِهِ الْحُذِيَّا» قَالَ: الْبِشَارَةُ يُقَالُ لَهَا الْحُذِيَّا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَذَوْتُهُ بِالْحُذِيَّا، وَإِنَّمَا يَعْنِي الْبِشَارَةَ بِالْخَيْرِ "
[ ٨٩ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: ثنا عَامِرُ بْنُ عُبَيْدَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو الْمَلِيحِ الْهُذَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَصَابَنَا بُغَيْشٌ مِنْ مَطَرٍ، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ، وَنَحْنُ فِي سَفَرٍ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ فَلْيَفْعَلْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلْتُ الْأُدَبَاءَ عَنْ مَعْنَى الْبُغَيْشِ، فَقَالُوا: الْمَطَرُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: بَغْشَةٌ، وَبُغَيْشٌ
[ ٨٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ بْنِ بَهْرَامَ الْهَاشِمِيُّ بِالْكُوفَةِ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ بِيَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَيَرْفَعُهُ عَلَى بَاطِنِ قَدَمَيْهِ، فَيَقُولُ: «حَزُقَّةٌ حَزُقَّةٌ تَرَقَّ عَيْنَ بَقَّةَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأُحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ» ⦗٩٠⦘ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَأَلْتُ الْأُدَبَاءَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالُوا لِي: إِنَّ الْحَزُقَّةَ: الْمُقَارِبُ الْخُطَى وَالْقَصِيرُ الَّذِي يُقَرِّبُ خُطَاهُ، وَعَيْنُ بَقَّةَ أَشَارَ إِلَى الْبَقَّةَ الَّتِي تَطِيرُ وَلَا شَيْءَ أَصْغَرَ مِنْ عَيْنِهَا لِصِغَرِهَا، وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ الْأُدَبَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ بِالْبَقَّةِ فَاطِمَةَ، فَقَالَ لِلْحُسَيْنِ: يَا قُرَّةَ عَيْنِ بَقَّةَ تَرَقَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، سَأَلْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ، عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الْمُعْتَكِفُ مُعَكِّفُ الذُّنُوبِ»، فَقَالَ: الْمُعْتَكِفُ فِي مَعْنَى الْمُحْتَبِسِ، وَالْمَعْكُوفُ: الْمَحْبُوسُ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥]، أَيْ مَحْبُوسًا، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَثَلُ الْمُعْتَكِفِ كَمَثَلِ الْمُلَازِمِ لِغَرِيمِهِ، فَالْمُعْتَكِفُ لِذُنُوبِهِ مُلَازِمٌ بَابَ سَيِّدِهِ، فَيَقُولُ: لَا أَبْرَحُ مِنْ بَابِكَ حَتَّى تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَلَا يَبْرَحُ مِنْ بَابِهِ سَاعَةً وَاحِدَةً "، وَلِذَلِكَ نُهِيَ الْمُعْتَكِفُ عَنْ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ مُلَازَمَةَ الدُّعَاءِ، وَيَشْتَغِلُ بِلَهْوِ النِّسَاءِ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَالْمُبَاشَرَةُ هَاهُنَا الْجِمَاعُ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] يَعْنِي جَامِعُوهُنَّ فِي لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَأُبِيحَ لِلصَّائِمِ غَيْرِ لِلْمُعْتَكِفِ الْجِمَاعُ، وَحُظِرَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ فِي الِاعْتِكَافِ، وَإِنَّمَا تَطَيَّرُوا بِذِكْرِ الِاحْتِبَاسِ فَتَفَاءَلُوا بِذِكْرِ الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ مِثْلُ الْمَهْرِ لِلْحَرَائِرِ، وَالثَّمَنُ لِلْمَمَالِيكِ، وَالْإِمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ لِلْمَيِّتِ، وَالْوَكِيلُ لِلْحَيِّ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ٨٩ ]
سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الدَّامِغَانِيُّ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا صَدَقَةُ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ»، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ هَكَذَا، ثُمَّ قَالَ: الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْخَيْرِ شَرِيكَانِ، وَلَا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ بَعْدُ " قَالَ أَبُوزَكَرِيَّا: فَالْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سِيَّانَ كَمَا أَنَّ الدَّاعِيَ وَالْمُؤَمِّنَ فِي الدُّعَاءِ شَرِيكَانِ ⦗٩١⦘ قَالَ اللَّهُ ﷿ فِي شَأْنِ الدُّعَاءِ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَهَارُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]
[ ٩٠ ]
كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: " ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، قَالَ: دَعَا مُوسَى، وَأَمَّنَ هَارُونُ "
[ ٩١ ]
سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدَ صَاحِبَ ثَعْلَبٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي ثَعْلَبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَصْرٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: الْعَرَبُ تَقُولُ: لَقِسَتْ نَفْسِي أَيْ غَثَتْ، قَالَ ثَعْلَبٌ وَمِنْهُ النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ ﷺ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي»
[ ٩١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، قَالَ: أنا ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: " الْعَرَبُ تَقُولُ: لَقِسَتْ نَفْسِي أَيْ ضَاقَتْ " قَالَ: ثَعْلَبٌ: فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: هُوَ أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَضِيقُ مِنَ الْأَمْرِ، وَلَا يَكُونُ بِهَا غَثَيَانُ؛ لِأَنَّ الْغَثَيَانَ ضَرْبٌ مِنَ الْوَجَعِ "
[ ٩١ ]
قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ عَثَّامٍ لِمَ سُمُّوا نُقَبَاءَ؟ قَالَ: «النَّقِيبُ الضَّمِينُ ضَمِنُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِسْلَامَ قَوْمِهِمْ، فَسَمُّوا بِذَلِكَ نُقَبَاءَ»
[ ٩١ ]
حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ بُنْدَارٍ الزَّنْجَانِيُّ، عَنْ بَعْضِ، مَشَايِخِهِ، عَنْ أَبِي الْعَيْنَاءِ قَالَ: ثنا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: " طُوبَى لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مِزَخَّهْ يَزُخُّهَا ثُمَّ يَنَامَ الْفَخَّهْ
[ ٩١ ]