أيضا (^١)، وأما شعبة فكان ينكر أن يكون قتادة سمع هذا من أنس (^٢).
وبمناسبة الحديث عن تحقيق الكتب فمن المهم جدا بالنسبة للباحث أن يتنبه لتصرفات المحققين لكتب المرويات التي يقومون بتحقيقها، فلا يقلدهم فيما يتصرفون فيه بالزيادة والنقص، أو التغيير، فإن كثيرا منهم يفعل ذلك دون دراسة وتمحيص، فإذا وجد في المصادر شيئا يخالف نسخه المخطوطة للكتاب الذي يحققه تصرف في الإسناد وفق ما في هذه المصادر، غير مفرق بين ما هو من خطأ النساخ ويحسن تغييره أو الإشارة إليه، وبين ما هو هكذا في أصل الرواية عند المؤلف، وهذا موضع دقيق جدا، أحد أعمدة قواعد التحقيق للكتب، وربما غير المحقق بناء على اجتهاده ونظره في الطرق، وإن لم ترشده المصادر إليه.
ومثله ما إذا اختلفت نسخ الكتاب، واختار المحقق ما جاء في بعضها، وجعل ما في غيرها خطأ، أو مرجوحا، فالباحث غير ملزم برأي المحقق، بل ليس له أن يتابعه إلا بعد نظر وفحص.
أخرج عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن محارب بن دثار، عن سليمان
_________________
(١) «مسند أحمد» ٣: ٢٥٨، و«مسند الطيالسي» حديث (٢١٣١).
(٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٢٢. وانظر مثالا آخر في «صحيح ابن حبان» حديث (٢٢٦٤) طبعة الحوت، وحديث (٢٢٦٧) طبعة الأرنؤوط، و«إتحاف المهرة» ٢: ١٧٥.
[ ١ / ١٠٥ ]
بن بريدة، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ لكل صلاة، حتى كان يوم الفتح، فصلى الظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد» (^١).
وزاد محقق الكتاب بين معكوفتين (عن أبيه) بعد سليمان بن بريدة، وعلل ذلك بأنه وجده في المصادر هكذا من حديث بريدة، وفي بعضها عزوه لعبدالرزاق، وأطال في ذلك.
وما صنعه المحقق خطأ فاحش لا يقلد فيه، ويخرج الإسناد من «المصنف» كما هو مرسلا، فهذا الحديث اختلف فيه على الثوري، فرواه جماعة منهم عبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، وعبدالرزاق -كما هو في هذه الرواية- مرسلا، ورواه وكيع، ومعتمر بن سليمان، ومعاوية بن هشام، عن الثوري موصولا بذكر بريدة بن الحصيب، والمشهور في الوصل رواية وكيع، ورجح النقاد رواية الإرسال، لجلالة عبدالرحمن، وأبي نعيم، وتقدمهما في الثوري (^٢).
وقد رواه سفيان أيضا عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، ولم يختلف عن سفيان في ذلك، اتفق عليه أصحابه، ومنهم عبدالرزاق (^٣).
_________________
(١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٥٧).
(٢) «سنن الترمذي» حديث (٦١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥١٠)، و«تفسير الطبري» ٦: ١١٤، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٨.
(٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٧)، و«سنن أبي داود» حديث (١٧٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٦١)، و«سنن النسائي» حديث (١٣٣)، و«مسند أحمد» ٥: ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٨، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٥٨)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٤١، و«سنن البيهقي» ١: ١٦٢، ١٧٢.
[ ١ / ١٠٦ ]
وأخرج أبو يعلى عن محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن روح، عن عبدالله بن سمعان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «سألت رسول الله - ﷺ - عن الرجل يطأ بنعليه في الأذى …» الحديث (^١).
حذف محقق الكتاب جملة (عن أبيه)، وقال في الحاشية: «في الأصلين: عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة، وما علمنا للقعقاع رواية عن أبيه، وليس في الرواة عن عائشة من اسمه حكيم، وكأن الناسخ نسخ القعقاع، ونظر إلى سعيد المقبري، فظن أنه يروي عن أبيه، عن أبي هريرة هذا الحديث، فأثبته خطأ، والله أعلم».
فالباحث حين يخرج هذا الإسناد من «مسند أبي يعلى» يذكره بإثبات هذه الجملة، ورأي المحقق لا يصح أن يتابعه فيه، فهي موجودة في الإسناد في مصادر أخرى، فأخرجه ابن عدي، عن أبي يعلى به (^٢)، وأخرجه العقيلي، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنهال به (^٣)، والإسناد كله من مجازفات عبدالله بن زياد بن سمعان، فهو متروك الحديث، متهم بالكذب، فلا يستقيم ما ذكره المحقق من مبررات حذف الجملة.
وروى الدارقطني من طريق محمد بن عبدالملك بن زنجويه، حدثنا عبدالله
_________________
(١) «مسند أبي يعلى» حديث (٤٨٦٩).
(٢) «الكامل» ٤: ١٤٤٥.
(٣) «الضعفاء الكبير» ٢: ٢٥٦.
[ ١ / ١٠٧ ]
بن الزبير، حدثنا سفيان، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله بن مسعود، قال: «ناولت النبي - ﷺ - حجرين وروثة …» الحديث (^١).
هكذا في النسخة، إلا أنه سقط منها لفظة (حدثنا) بين عبدالملك، وعبدالله بن الزبير، غير أن محقق الكتاب زاد عليها حين أضافها، فجاء عنده الإسناد هكذا: … محمد بن عبدالملك بن زنجويه [حدثنا محمد بن] عبدالله بن الزبير، حدثنا سفيان …
ولم يصب المحقق في هذه الزيادة، إذ صار الراوي في الإسناد كما أثبته المحقق محمد بن عبدالله بن الزبير أبا أحمد الزبيري، وسفيان على هذا هو الثوري، يروي عن إسرائيل بن يونس، وهو أصغر منه، والصواب أنه عبدالله بن الزبير الحميدي، صاحب «المسند» المعروف، وسفيان هو ابن عيينة، وقد ذكر الدارقطني روايته على هذه الصفة قبل ذلك، فذكر أن الحميدي رواه عن ابن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، وساقه بإسناده بعد ذلك، وأما أبو أحمد الزبيري فذكر الدارقطني أنه يرويه عن إسرائيل مباشرة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه (^٢)، وهكذا أدى اجتهاد المحقق إلى اختلاط الأسانيد، فلا يقلده الباحث في ذلك.
وروى ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، وحميد،
_________________
(١) «علل الدارقطني» ٥: ٣٤.
(٢) «علل الدارقطني» ٥: ٢٥، ٢٦.
[ ١ / ١٠٨ ]
عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها …» الحديث.
هكذا في إحدى نسخ الكتاب، وفي الإسناد عطف، فأبو خالد يرويه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، ويرويه، عن حميد، عن أنس، لكن المحقق أثبت الإسناد من نسخة أخرى هكذا: عن شعبة، عن قتادة، عن حميد، عن أنس، فجعله من رواية قتادة، عن حميد، وذكر في الحاشية أنه جاء في نسخة بالواو، أي عن أبي خالد، عن شعبة، عن قتادة، وحميد، عن أنس، وأن ما فيها خطأ.
كذا صنع محقق الكتاب، وما خطأه هو الصواب، كما تقدمت الإشارة إليه في الخامس من هذه التنبيهات.
وروى ابن خزيمة من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن وساج، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده بخمس وعشرين» (^١).
هكذا في نسخته الخطية، لكن محققه غير الإسناد فجعله هكذا: عن شعبة، عن قتادة، وعقبة بن وساج، عن أبي الأحوص، والصواب ما في النسخة الخطية، هكذا هو في «إتحاف المهرة»، عن ابن خزيمة (^٢)، وهو أيضا كذلك في المصادر الأخرى (^٣).
_________________
(١) «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٤٧٠).
(٢) «إتحاف المهرة» ١٠: ٤١٦.
(٣) «مسند أحمد» ١: ٤٣٧، و«التاريخ الكبير» ٦: ٤٣٢، و«مسند البزار» حديث (٤٥٥)، و«مسند الشاشي» حديث (٧٠٤)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٢٢، و«المعجم الكبير» حديث (١٠١٠٠)، غير أنه سقط من «مسند أحمد» ذكر قتادة، وقد نبه عليه محققوه، حديث رقم (٤١٥٨) طبعة مؤسسة الرسالة. وانظر مثالا آخر في «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٣)، و«إتحاف المهرة» ٢: ٦٤٤.
[ ١ / ١٠٩ ]
وروى الخطيب من طريق عبدالرحمن بن مهدي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عمرو بن شعيب، قال: «كان النبي - ﷺ - يكره أن توطأ عقباه، ولكن عن يمين وشمال».
فعلق عليه المحقق بقوله: «الظاهر أنه سقط باقي الإسناد: عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو» (^١).
كذا قال، وكأنه قال ذلك لما رآه عند الحاكم من طريق شيبان، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن شعيب بن محمد، عن عبدالله بن عمرو، ومن طريق أمية بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو (^٢).
وما استظهره المحقق ليس بظاهر، فهذه رواية، وما عند الحاكم روايتان أخريان، فبينهما اختلاف أيضا.
وأخرج ابن خزيمة من طريق روح، عن المسعودي، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن بريدة بن الحصيب، قال: «دخل قوم على
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي» ١: ٣٩٧.
(٢) «المستدرك» ٤: ٢٧٩ - ٢٨٠.
[ ١ / ١١٠ ]
رسول الله - ﷺ -، فجعلوا يسألونه، ويقولون: أعطنا …» الحديث (^١).
هكذا في جميع نسخ الكتاب الخطية، غير أن محقق الكتاب حذف اسم بريدة بن الحصيب، بحجة أنه خطأ، وأثبت مكانه عمران بن حصين، لكونه وجده في بعض مصادر التخريج عن عمران.
وتصرف المحقق غير مناسب أبدا، وذكر بريدة في الإسناد صواب، فهكذا يرويه المسعودي، عن أبي صخرة جامع بن شداد، في بعض الطرق عن المسعودي، على اختلاف عليه في ذكر الواسطة بين جامع بن شداد، وعبدالله بن بريدة.
وأما جعله عن عمران بن حصين فهي رواية الثوري، والأعمش، وكذا المسعودي في بعض الطرق إليه، وكان المسعودي يضطرب فيه، لكونه اختلط، وسيأتي بيان ذلك في الفصل الثاني من الباب الثالث.
وروى ابن حبان، عن أبي يعلى، عن عبيدالله بن عمر القواريري، عن يحيى القطان، عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن عمر بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: «أن عمار بن ياسر صلى ركعتين فخففهما، فقال له عبدالرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، أراك قد خففتهما …» الحديث.
هكذا أخرجه، وعلق عليه بقوله: «هذا إسناد يوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك، لأن عمر بن أبي بكر سمع هذا الخبر عن جده عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن عمار بن ياسر، على ما ذكره
_________________
(١) «التوحيد» حديث (٥٩٣).
[ ١ / ١١١ ]
عبيدالله بن عمر، لأن عمر بن أبي بكر لم يسمعه من عمار، على ظاهره» (^١).
يريد ابن حبان أن ظاهر الإسناد هو رواية عمر بن عبدالرحمن بن أبي بكر للقصة بنفسه، لقوله هو: «أن عمار بن ياسر …»، وهو لم يدرك عمارا، فهو منقطع، ولكن حقيقة الإسناد أن عمر سمعه من جده صاحب القصة مع عمار، فهو متصل.
هكذا يقول ابن حبان، يعلق على هذا الإسناد كما رواه هو، سواء أصاب في هذا الإسناد، والتعليق عليه، أو أخطأ، وقد اضطر ابن حبان إلى هذا التعليق لكونه سقط عليه من الإسناد جملة (عن أبيه)، بعد عمر، فعمر يرويه عن أبيه أبي بكر بن عبدالرحمن، هكذا هو في «مسند أبي يعلى»، بهذا الإسناد (^٢)، وهكذا رواه جماعة عن يحيى القطان (^٣).
وقد اجتهد محقق «صحيح ابن حبان»، فأضاف جملة (عن أبيه) في الإسناد، ونبه عليه، غير أن الباحث حين التخريج لا يقلده في هذا، بل ينقل الإسناد من ابن حبان كما رواه هو، وليس كما في المصادر الأخرى، فهو خطأ رواية إذن، وليس خطأ نساخ، وبإضافة هذه الجملة لا يستقيم تعليق ابن حبان.
وجاء في إحدى طبعات «مصنف ابن أبي شيبة» هذا الإسناد: حدثنا
_________________
(١) «صحيح ابن حبان» حديث (١٨٨٩).
(٢) «مسند أبي يعلى» حديث (١٦١٥).
(٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦١١)، و«مسند أحمد» ٤: ٣١٩، و«مسند البزار» حديث (١٤٢٠).
[ ١ / ١١٢ ]