نقد الأحاديث بالعلل الخفية
وفيه تمهيد، وثلاثة فصول:
- تمهيد: تعريف العلة وأنواعها.
- الفصل الأول: النقد بالتفرد والمخالفة مع وجود القرائن.
- الفصل الثاني: النقد بالاضطراب والقلب والتصحيف.
- الفصل الثالث: نقد المتون.
[ ٢٤٣ ]
تمهيد
تعريف العلة وأنواعها
أولًا: العلة لغةً:
ذكر ابن فارس أن لمادة «علّ» أصولًا ثلاثة صحيحة: الأول: تكرر أو تكرير. والثاني: عائق يعوق. والثالث: ضعف في الشيء (^١).
ويمكن أن نلتمس علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، فعلى المعنى الأول: التكرار؛ فإن العلة تُكتشف عن طريق تكرار النظر في الحديث مرة بعد أخرى.
وعلى المعنى الثاني: العائق؛ فإن العلة عائق يمنع من قبول الحديث.
وعلى المعنى الثالث: الضعف؛ فإن العلة تُضعف الحديث الذي ظاهره الصحة، وتنزل به من درجة الصحيح إلى درجة الضعيف (^٢).
ثانيًا: العلة اصطلاحًا:
لم أجد تعريفًا للعلة عند الخطيب، ولكن عرَّفها أهل الحديث بأنها: عبارة عن سبب خفي قادح في صحة الحديث (^٣).
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ١٢ - علّ). وينظر: «مختار الصحاح» (ع ل ل)، و«المصباح المنير» (ع ل ل).
(٢) ينظر: «منهج الإمام أحمد في التعليل» للدكتور أبي بكر كافي (ص: ١٤٤).
(٣) «مقدمة ابن الصلاح» النوع الثامن عشر (ص: ٢٥٩)، و«فتح المغيث» (١/ ٢٧٥).
[ ٢٤٥ ]
والحديث المعلَّل: هو الحديث الذي اطُّلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها (^١).
وتجيء العلة غالبًا في الإسناد، وقليلًا في المتن (^٢).
- وقد ذكر الإمام ابن الصلاح أمورًا تُدرك العلة بها، فقال: «ويستعان على إدراكها بتفرُّد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبِّه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك؛ بحيث يغلب على ظنِّه فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وُجد ذلك فيه» (^٣).
أنواع علل الحديث:
يُعِلُّ أهل الحديث -كما في كتبهم- الحديثَ بكل قدح خفي أو ظاهر (^٤).
- أما العلل الخفية: فكل حديث وقع فيه خطأ في إسناده أو متنه فهو حديث مُعَلٌّ، ويسمَّى باسمٍ خاصٍّ حسب نوع هذا الخطأ.
فإذا أخطأ الراوي فرفع الموقوف، أو وصل المرسل، فيسمى هذا الخطأ حينئذ «الزيادة».
_________________
(١) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٢٥٩).
(٢) «فتح المغيث» (١/ ٢٧٨).
(٣) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٢٥٩).
(٤) ينظر: «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٢٦٢).
[ ٢٤٦ ]
وإذا أبدل راويًا مكان راوٍ، أو كلمة بكلمة أو نحوه، فيسمى هذا الخطأ
«القلب»، ويسمى الحديث «المقلوب».
وإذا ألحق شيئًا من كلام الرواة في حديث مرفوع ولم يفصل بينهما، فيسمى هذا الخطأ «الإدراج»، ويسمى الحديث «المدرج» … وهكذا إلى آخر صور العلل الخفية (^١).
وقد لخَّص الحافظ ابن حجر العسقلاني في «نخبة الفكر» أنواع المخالفة فقال: «ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق: فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع: فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير: فالمقلوب، أو بزيادة راوٍ: فالمزيد في متصل الأسانيد. أو بإبداله ولا مرجِّح: فالمضطرب، أو بتغيير مع بقاء السياق: فالمصحَّف والمحرَّف» (^٢).
- أما العلل الظاهرة: فنجد في كتب علل الحديث الكثيرَ من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من الأمور الوجودية التي يأباها كون العلة خفية (^٣).
* * *
_________________
(١) ينظر: «شرح لغة المحدث» (ص: ٣٧٢ - ٣٧٤).
(٢) «نخبة الفكر» مع شرحها (ص: ٩٣).
(٣) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٢٦٢)، و«فتح المغيث» (١/ ٢٨٦).
[ ٢٤٧ ]
الفصل الأول