ضابط الجهالة عند الخطيب البغدادي
عرَّف الخطيبُ المجهولَ عند أصحاب الحديث بقوله: «هو كل مَن لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومَن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد» (^١).
وهذه العبارة تحتمل معنيَيْن:
المعنى الأول: أنه لا بد حتى يُطلَق على الراوي أنه مجهول أن يتحقق فيه أمران؛ الأول: عدم شهرته بطلب العلم، والثاني: ألَّا يروي عنه إلا راوٍ واحد. فلا بد حتى ترتفع الجهالة عن الراوي أن يكون مشهورًا بطلب العلم، وأن يروي عنه أكثر من واحد في نفس الوقت.
المعنى الثاني: أنه لكي يكون الراوي مجهولًا، لا بد أن يكون غير مشهور بطلب العلم، فإذا لم يكن مشهورًا، فلا بد ألَّا يروي عنه إلا راوٍ واحد. أما إذا اشتهر بطلب العلم - ولو لم يروِ عنه إلا واحد - فليس بمجهول.
ولعل المعنى الثاني هو المراد، وبه فسَّر السخاوي عبارة الخطيب فقال: «الشهرة بالعلم والثقة والأمانة كافية في رفع الجهالة، بل نقله الخطيب في «الكفاية» عن أصحاب الحديث؛ فإنه قال: المجهول عند أصحاب الحديث هو من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد. يعني: حيث لم يشتهر» اهـ بتصرف يسير.
_________________
(١) «الكفاية في علم الرواية» (ص: ٨٨).
[ ١١٩ ]
ثم أيَّد ذلك بما نقله عن ابن عبد البر أنه قال: «الذي أقوله أن من عُرف بالثقة والأمانة والعدالة لا يضره إذا لم يروِ عنه إلا واحد».
وعن أبي مسعود الدمشقي الحافظ أنه قال: «إنه برواية الواحد لا ترتفع عن الراوي اسم الجهالة، إلا أن يكون معروفًا في قبيلته، أو يروي عنه آخر» (^١).
* وبعد أن عرَّف الخطيبُ المجهولَ عند أصحاب الحديث، مثَّل بعدد من الرواة لم يروِ عنهم إلا راوٍ واحد، مثل: عمرو ذي مُرٍّ (^٢)، وجَبَّار الطائي (^٣)، وعبد الله بن أَغَر الهَمْداني (^٤)، والهيثم بن حَنَش (^٥)، ومالك بن أَغَر (^٦)، وسعيد بن ذي حُدَّان (^٧)، وقيس بن كُرْكُم (^٨)، وخَمْر بن مالك (^٩)، وهؤلاء كلهم لم يروِ عنهم غير أبي إسحاق السَّبيعي.
_________________
(١) «فتح المغيث» (٢/ ٤٩).
(٢) هو عمرو ذو مر الهمداني الكوفي، مجهول. «تقريب التهذيب» (ص: ٤٢٨ رقم ٥١٤٢).
(٣) هو جبار بن القاسم الطائي، روى عن ابن عباس، روى عنه أبو إسحاق السبيعي. «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٢/ ٥٤٣)، و«لسان الميزان» لابن حجر (٢/ ٤١٦).
(٤) هو عبد الله بن الأغر، يروي عن ابن مسعود، روى عنه أبو إسحاق السبيعي. «التاريخ الكبير» للبخاري (٥/ ٤٢)، و«الثقات» لابن حبان (٥/ ١٣).
(٥) هو الهيثم بن حنش النخعي الكوفي، روى عن ابن عمر، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وسلمة بن كهيل. «الجرح والتعديل» (٩/ ٧٩).
(٦) لم أجد له ترجمة.
(٧) هو سعيد بن ذي حُدَّان الكوفي، مجهول. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٣٥ رقم ٢٣٠٠).
(٨) هو قيس بن كركم، روى عن ابن عباس، روى عنه أبو إسحاق السبيعي. «الجرح والتعديل» (٧/ ١٠٣)، و«الثقات» (٥/ ٣١٢).
(٩) هو خَمْر، ويقال: خُمير بن مالك، يروي عن ابن مسعود، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وعبد الله بن عيسى. «الجرح والتعديل» (٣/ ٣٩١)، و«الثقات» (٤/ ٢١٤).
[ ١٢٠ ]
ومثل: سمعان بن مُشَنِّج (^١)، والهَزْهاز بن ميزن (^٢)، لا يُعرف عنهما راوٍ إلا الشعبي.
ومثل: بكر بن قِرْواش (^٣)، وحلام بن جزل (^٤)، لم يروِ عنهما إلا أبو الطفيل عامر بن واثلة. إلى آخر ما ذكر (^٥).
وقد تعقَّبه ابن الصلاح بأنه قد روى عن الهزهاز الثوريُّ أيضًا (^٦).
قلت: وروى عنه أيضًا الجرَّاح بن مَليح، ومحمد بن موسى أبو مالك العِتْري، كما في «التاريخ الكبير» للبخاري، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (^٧).
وتعقَّبه أيضًا العراقي بأن بعض مَن ذكر قد روى عنهم أكثر من واحد، مثل خَمْر بن مالك روى عنه أيضًا عبد الله بن قيس (^٨)، وذكره ابن حبان في
_________________
(١) هو سمعان بن مُشَنِّج، وقيل: مشمرج، كوفي، صدوق. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٥٦ رقم ٢٦٣٢).
(٢) هو هزهاز بن ميزن الرؤاسي الكوفي، روى عن إبراهيم، وعن رجل عن علي، روى عنه الثوري والشعبي وأبو وكيع. «التاريخ الكبير» (٨/ ٢٥٠)، و«الثقات» (٥/ ٥١٥).
(٣) هو بكر بن قرواش الكوفي، روى عن سعد بن أبي وقاص، روى عنه أبو الطفيل. «الجرح والتعديل» (٢/ ٣٩١).
(٤) هو حلام بن جزل الكوفي، يقال: هو ابن أخي أبي ذر، روى عن أبي ذر، روى عنه أبو الطفيل. «الجرح والتعديل» (٣/ ٣٠٨).
(٥) «الكفاية في علم الرواية» (ص: ٨٨).
(٦) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٢٩٦).
(٧) «التاريخ الكبير» (١/ ٢٣٧) (٨/ ٢٥٠)، و«الجرح والتعديل» (٩/ ١٢٢).
(٨) كذا في «التقييد والإيضاح»، و«شرح التبصرة والتذكرة» (١/ ٣٥٢) كلاهما للعراقي، والذي في «التاريخ الكبير» للبخاري (٣/ ٢٢٢)، و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٣/ ٣٩١)، و«الثقات» لابن حبان (٤/ ٢١٤): «عبد الله بن عيسى».
[ ١٢١ ]
«الثقات» (^١) إلا أنه قال: «خُمير» مصغرًا، وقد ذكر الخلاف فيه في التصغير والتكبير ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (^٢).
ومنهم الهيثم بن حَنَش روى عنه أيضًا سلمة بن كُهيل فيما ذكره أبو حاتم الرازي (^٣).
ومنهم بكر بن قِرْواش روى عنه أيضًا قتادة، كما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (^٤) وابن حبان في «الثقات» (^٥)، وسمَّى ابن أبي حاتم أباه قريشًا (^٦). انتهى كلام الحافظ العراقي (^٧).
أقول: أما خُمير بن مالك، فقد ذهب البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» إلى أنهما رجلان أحدهما شامي، روى عنه عبد الله بن عيسى، والآخر روى عنه أبو إسحاق (^٨).
وعلى ما ذهب إليه هذان الإمامان يَسلم قول الخطيب من الاعتراض الذي وجَّهه إليه العراقي رحمة الله عليهم أجمعين.
إلا أن الخطيب ذكر في «المتفق والمفترق» أن خمير بن مالك اثنان:
_________________
(١) «الثقات» لابن حبان (٤/ ٢١٤).
(٢) «الجرح والتعديل» (٣/ ٣٩١).
(٣) «الجرح والتعديل» (٩/ ٧٩). وينظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (٨/ ٢١٣).
(٤) «التاريخ الكبير» (٢/ ٩٤).
(٥) «الثقات» (٤/ ٧٥).
(٦) «الجرح والتعديل» (٢/ ٣٩١)، وفيه: «قرواش» أيضًا، والله أعلم.
(٧) «التقييد والإيضاح» (ص: ١٤٧).
(٨) «التاريخ الكبير» (٣/ ٢٢٢، ٢٢٧)، و«الجرح والتعديل» (٣/ ٣٩١).
[ ١٢٢ ]
أحدهما: يُعَد في الكوفيين، حدَّث عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وروى عنه أبو إسحاق السَّبيعي وغيره، وبعضهم يقول فيه: خمر بن مالك، وخُمير بتصغير خمر.
والآخر: خمير بن مالك أبو مالك الخميري الكلاعي، عداده في المصريين، يروي عن عبد الله بن عمر، روى عنه عبد الكريم بن الحارث، وراشد المعافري، وعبد الله بن عياش القتباني - ﵀ - (^١). والله أعلم.
وأما بكر بن قِرْواش، فالذي يترجح لديَّ أنه لم يروِ عنه إلا أبو الطفيل، كما قال الخطيب.
وأما ما ذكره العراقي من رواية قتادة عنه اعتمادًا على ما ذكره البخاري وابن حبان؛ فإن نص كلام البخاري هو: «بكر بن قرواش، سمع منه أبو الطفيل، قال لي علي -يعني: ابن المديني-: لم أسمع بذكره إلا في هذا، وحديث قتادة، قال علي -يعني: ابن أبي طالب-: ما تقول فيها يا بكر بن قرواش؟ قال أبو عبد الله: وفيه نظر».
وحديث قتادة رواه عبد الرزاق عن عثمان بن مطر وابن عيينة، عن سعيد، عن قتادة: أن مكاتبًا أسره العدو، ثم اشتراه رجل، فسأل بكر بن قِرْواش عنه عليًّا، فقال علي - ﵁ -: «قل فيها يا بكر بن قِرْواش». قال: الله أعلم، فقال علي: «أنا عبد الله وابن عم رسول الله - ﷺ -، إن افتكَّه سيده فهو على بقية كتابته، وإن أبى سيده أن يفكه فهو للذي اشتراه» (^٢).
_________________
(١) «المتفق والمفترق» (٢/ ٨٦٢).
(٢) «مصنف عبد الرزاق» كتاب الجهاد، باب المتاع يصيبه العدو ثم يجده صاحبه (٩٣٦٢).
[ ١٢٣ ]
فقتادة لم يروِ في هذا الحديث عن بكر بن قرواش، إنما حكى قصة حدثت لبكر مع علي بن أبي طالب، وقتادة لم يدرك هذه القصة، بل وُلد قتادة بعد موت علي بن أبي طالب بعشرين سنة (^١)، وليس هناك دليل على أن بكر بن قرواش عاش بعد هذه القصة سنين طويلة حتى حكاها لقتادة، فالراجح أن قتادة سمعها من بعض شيوخه، والله أعلم.
وأما قول ابن حبان في «الثقات»: «بكر بن قِرْواش يروي عن أبي الطفيل، روى عنه قتادة» (^٢).
فقد ذكر الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» أن الذي في كتاب ابن حبان خطأ، والصواب أن أبا الطفيل هو الذي يروي عن ابن قِرْواش، وأنه تفرد بالرواية عنه، فقد ذكر ابن المديني أنه لا راوي له سوى أبي الطفيل. وقال ابن عدي: «ما أقل ما له من الروايات» (^٣).
* وبعد سياق الخطيب هذه الأمثلة لمَن لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد، وضع حدًّا لأقل ما ترتفع به الجهالة عن الراوي فقال: «وأقل ما ترتفع به الجهالة (^٤) أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم» (^٥).
وقيَّدهما في «الفقيه والمتفقه» بالعدالة فقال: «من روى عنه رجلان عدلان خرج بذلك عن حد الجهالة على شرط أصحاب الحديث» (^٦).
_________________
(١) ينظر: «تهذيب الكمال» (٢٣/ ٥١٦).
(٢) «الثقات» (٤/ ٧٥).
(٣) «الكامل» (٢/ ١٩٥)، و«لسان الميزان» (٢/ ٣٥٢).
(٤) فسرها السخاوي في «فتح المغيث» (٢/ ٤٧) بالجهالة العينية.
(٥) «الكفاية» (ص: ٨٨)، وينظر: «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٨٤).
(٦) «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٨٤).
[ ١٢٤ ]
فيشترط الخطيب حتى ترتفع الجهالة عن الراوي أن يروي عنه اثنان فأكثر من العدول المشهورين بالعلم، وهذا هو الصواب، بخلاف من أطلق وذهب إلى عدم اعتبار العدالة والشهرة بالعلم، ومنهم الإمام محمد بن يحيى الذُّهلي حيث قال: «إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة» (^١).
وتبعه الإمام الدارقطني فقال: «وأهل العلم بالحديث لا يحتجُّون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلًا مشهورًا، أو رجلًا قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا، فأما من لم يروِ عنه إلا رجل واحد انفرد بخبر وجب التوقُّف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره، والله أعلم» (^٢).
وقد ردَّ الإمام ابن رجب الحنبلي على هذا الحد الذي وضعه الذُّهلي وتبعه عليه المتأخرون، فقال: «قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟
قال: إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم،
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٨٨)، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: «وهب بن الأجدع قد ارتفع عنه اسم الجهالة، وقد روى عنه الشعبي أيضًا، وهلال بن يساف». ينظر: «صحيح ابن خزيمة»، كتاب الصلاة، باب ذكر الخبر المفسر لبعض اللفظة المجملة التي ذكرتها والدليل على أن النبي - ﷺ - إنما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس إذا كانت الشمس غير مرتفعة، فدانت للغروب (٢/ ٢٦٥).
(٢) «سنن الدارقطني»، كتاب الحدود والديات (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧ حديث رقم ٣٣٦٥).
[ ١٢٥ ]
فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سِماك بن حرب، وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين. انتهى.
وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق محمد بن يحيى الذُّهلي الذي تبعه عليه المتأخرون، أنه لا يخرج الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه …».
ثم ذكر أمثلة كثيرة لعدم اعتداد النقاد بتعدُّد الرواة عن الرجل، واعتدادهم بشهرتهم وحفظهم وثقتهم، وشهرة حديث الراوي بين العلماء، ثم قال: «وظاهر هذا أنه لا عبرة بتعدُّد الرواة، وإنما العبرة بالشهرة، ورواية الحفاظ الثقات» اهـ (^١).
وهذا ما قرره الخطيب؛ حيث اشترط في الراوي أن يكون مشهورًا بطلب العلم حتى ترتفع عنه الجهالة، واشترط في الرجلين اللذين يرفعان الجهالة أن يكونا عدلين مشهورين بالعلم.
إلا أن الخطيب لا يرى أن العدالة تثبت بمجرد رواية رجلين عدلين عنه؛ حيث قال بعد ذلك: «إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه» (^٢).
ويصير بذلك مجهول حالٍ أو مستورًا (^٣) في اصطلاح المتأخرين (^٤).
_________________
(١) «شرح علل الترمذي» (١/ ٣٧٧ - ٣٧٩).
(٢) «الكفاية» (ص: ٨٨).
(٣) المستور: من عُرفت عدالته الظاهرة دون الباطنة. والمراد بالباطنة ما في نفس الأمر، وهي التي ترجع إلى أقوال المزكِّين، وبالظاهرة ما يُعلم من ظاهر الحال. ينظر: «فتح المغيث» (٢/ ٥٦)، و«شرح شرح نخبة الفكر» للقاري (ص: ٥١٨).
(٤) ينظر: «نزهة النظر» (ص: ١٠٢)، و«فتح المغيث» (٢/ ٥٦).
[ ١٢٦ ]