تأثر الخطيب بالنقاد المتقدمين في أحكامه النقدية على الأحاديث
كان الخطيب - ﵀ - واسع المعرفة كثير الاطلاع، قد قرأ على مشايخه كتبًا كثيرة، وسمع عليهم مسموعات عديدة، وكانت كتب علل الحديث ونقد رجاله، والتي عليها اعتماد الخطيب في نقد الحديث، من ضمن هذه الكتب والمسموعات التي قرأها ودرسها واستفاد منها وتأثر بما فيها (^١).
وهذه بعض الأمثلة التي تبين مدى تأثر الخطيب بمتقدمي النقاد في أحكامه النقدية على الأحاديث:
- المثال الأول:
روى الخطيب في ترجمة محمد بن صَبيح المعروف بابن السماك، من طريق أحمد بن جعفر القَطِيعي (^٢)، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي (^٣) قال: حدثنا محمد بن السماك، عن يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غَرَر» (^٤).
_________________
(١) ينظر: «موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد» (ص: ٢٥٥ - ٤٧٤).
(٢) هو في «جزء الألف دينار» للقطيعي (ص: ٣٦٢ رقم ٢٣١).
(٣) هو في «مسند أحمد» (٦/ ١٩٧ رقم ٣٦٧٦).
(٤) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ٢٠٩ رقم ١٠٤٩١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي عن بيع السمك في الماء (٥/ ٥٥٥ رقم ١٠٨٥٩)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ١٠٥ رقم ٩٧٨) كلهم من طريق عبد الله بن أحمد به.
[ ٤١٥ ]
ثم ذكر أن الإمام أحمد قال: «وحدثنا به هُشيم عن يزيد فلم يرفعه» (^١).
فنبَّه الإمام أحمد إلى أن هشيم بن بشير الثقة الثبت (^٢) قد خالف محمد بن السماك (^٣) فرواه عن يزيد به موقوفًا، وفي هذا إشارة إلى تصحيح الرواية الموقوفة، وهذا ما فهمه الخطيب فقال بعد ذلك مباشرة: «وكذلك رواه زائدة بن (^٤) قدامة (^٥)، عن يزيد بن أبي زياد موقوفًا على ابن مسعود، وهو الصحيح» (^٦).
- المثال الثاني:
ذكر الخطيب في ترجمة أحمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد الصوفي (^٧)، أنه روى عن سويد بن سعيد (^٨)، عن مالك، عن الزهري،
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٤٩).
(٢) سبقت ترجمته (ص: ٢٩١). ولم أجد روايته هذه فيما لديَّ من مراجع.
(٣) قال ابن نمير: صدوق. وقال مرة: حديثه ليس بشيء. وقال الدارقطني: لا بأس به. «لسان الميزان» (٧/ ٢٠٥ رقم ٦٩٢٤).
(٤) تصحفت في المطبوع من «تاريخ بغداد» إلى: «عن».
(٥) سبقت ترجمته (ص: ٣٠٤). وروايته أخرجها الطبراني في «المعجم الكبير» (٩/ ٣٢١ رقم ٩٦٠٧).
(٦) «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٤٩).
(٧) قال الخطيب: «كان ثقة». «تاريخ بغداد» (٥/ ١٣٢).
(٨) هو سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني أبو محمد، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه؛ فأفحش فيه ابن معين القول، مات سنة أربعين ومائتين، وله مائة سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٦٠ رقم ٢٦٩٠).
[ ٤١٦ ]
عن أنس بن مالك، عن أبي بكر: أن النبي - ﷺ - أهدى جملًا لأبي جهل (^١).
ثم ذكر أن الدارقطني (^٢) والبَرْقاني وغيرهما من الحفاظ ذهبوا إلى أن الصوفي قد وهم في هذا الحديث، وأن الصواب: عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن النبي - ﷺ - أهدى جملًا لأبي جهل، مرسلًا (^٣).
ولكن الخطيب لم يوافقهم على إلصاق الوهم بالصوفي؛ لأنه قد توبع عليه، وذهب إلى أن الحمل فيه على سويد، واستدل بأن الحفاظ قديمًا قد أنكروه على سويد، ثم روى عن أبي داود السجستاني أنه قال: سمعتُ يحيى بن معين، وقال له الفضل بن سهل الأعرج: يا أبا زكريا، سويد الحدثاني، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، عن أبي بكر الصديق: أن النبي - ﷺ - أهدى جملًا لأبي جهل. فقال يحيى: لو أن عندي فرسًا خرجت أغزوه (^٤).
- المثال الثالث:
قال الخطيب في ترجمة عبد الله بن حفص الوكيل: «أخبرنا أبو سعد
_________________
(١) أخرجه الإسماعيلي في «معجم الشيوخ» (١/ ٣١٢)، ومن طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» جماع أبواب الهدي، باب جواز الذكر والأنثى في الهدايا (٥/ ٣٧٧ رقم ١٠١٦٣) عن الصوفي به.
(٢) «علل الدارقطني» (١/ ٢٢٦).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» كتاب الحج، باب ما يجوز في الهدي (١/ ٣٧٧).
(٤) «تاريخ بغداد» (٥/ ١٣٢ - ١٣٥).
[ ٤١٧ ]
الماليني قراءة قال: أخبرنا عبد الله بن عدي الحافظ (^١) قال: حدثنا عبد الله بن حفص الوكيل قال: حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا هشيم بن بشير، عن سيار، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا أفتقد أحدًا من أصحابي غير معاوية بن أبي سفيان، لا أراه ثمانين عامًا أو سبعين عامًا، فإذا كان بعد ثمانين عامًا أو سبعين عامًا، يُقبل إليَّ على ناقة من المسك الأذفر (^٢)، حشوها من رحمة الله، قوائمها من الزبرجد، فأقول: معاوية؟ فيقول: لبيك يا محمد. فأقول: أين كنت من ثمانين عامًا؟ فيقول: في روضة تحت عرش ربي - ﷿ - يناجيني وأناجيه، ويُحَيِّيني وأُحَيِّيه، ويقول: هذا عوض مما كنتَ تُشتم في دار الدنيا».
ثم قال: «هذا حديث باطل إسنادًا ومتنًا، ونراه مما وضعه الوكيل، وأن إسنادَه رجالُه كلهم ثقات سواه» (^٣).
ظاهر من إسناد الخطيب أنه استفاد رواية هذا الحديث من كتاب «الكامل في الضعفاء» للحافظ ابن عدي، حيث يرويه عن شيخه الماليني عن ابن عدي، وقد استفاد نقد الحديث منه أيضًا، حيث قال ابن عدي في ترجمة الوكيل: «عبد الله بن حفص الوكيل، شيخ ضرير، كتبت عنه بسُرَّ من رأى، كان يسرق الحديث، وأملى عليَّ من حفظه أحاديث موضوعة، ولا أشك أنه
هو الذي وضعها».
_________________
(١) «الكامل في ضعفاء الرجال» (٥/ ٤٣٣).
(٢) مسك أذفر: ذَكِي الرِّيح. «تاج العروس» (ذ ف ر).
(٣) «تاريخ بغداد» (١١/ ١١٥).
[ ٤١٨ ]
ثم أورد له الحديث المذكور بإسناده، ثم قال: «وهذا حديث موضوع، وضعه عبد الله بن حفص هذا» (^١).
* وكان من أكثر الحفاظ الذين استفاد منهم الخطيب وتأثر بهم في أحكامه النقدية هو إمام العلل في عصره الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني - ﵀ -، لا سيما في كتابه «علل الحديث»، والدارقطني هو شيخ شيخ الخطيب، فالخطيب يروي كتب الدارقطني عن شيخه البَرقاني عن الدارقطني مباشرة، وكان البَرْقاني من أخص تلاميذ الدارقطني وأجلِّهم، وكان يورِّق له فترة من حياته، وكتابه «العلل» قد أملاه على البَرْقاني من حفظه غير مرتَّب، ثم رتَّبه البَرْقاني على المسانيد بعد استئذان الدارقطني، وقرأه عليه من كتابه الذي كتبه البَرْقاني بخطه، ونسخه الناس من نسخة البَرْقاني (^٢).
فالبَرْقاني إذن أعلم الناس بكتاب «علل الدارقطني»، ونسخته منه أوثق النسخ، وعن البَرْقاني أخذ الخطيب هذا الكتاب بغير واسطة، ودرسه واستوعب ما فيه، فتأثر به تأثرًا شديدًا، وقد ظهرت ملامح هذا التأثر على أحكام الخطيب النقدية.
وتوجد أمثلة عديدة تبين أوجه تأثُّر الخطيب بالدارقطني، قد سبقت
دراسة بعضها في مباحث الرسالة (^٣).
_________________
(١) وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٥/ ٩٧)، (٥/ ١٢٥ وما بعدها)، (١٣/ ٣٣٥ وما بعدها).
(٢) ينظر: «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٩١).
(٣) ينظر: (ص: ٢٩١، ٣١٥، ٣٣١، ٣٣٢، ٣٧٢).
[ ٤١٩ ]