نقد الخطيب للأحكام النقدية لسابقيه وعدم التقليد
قد تقرَّر في المبحثين السابقين تأثر الخطيب في أحكامه النقدية بالنقاد المتقدمين واستفادته منهم، إلا أن هذا لا يفيد أنه كان مقلِّدًا لهم عالةً عليهم، بل كان مجتهدًا في نقد الحديث، له أحكامه الخاصة به، وقد سبقت دراسة كثير من أحكامه على طول الدراسة، وكان إذا خالف اجتهادُه اجتهادَ من سبقه من النقاد صرَّح بمخالفته له، وبيَّن ذلك بالأدلة والبراهين، وسأورد بعض الأمثلة التي تبين ذلك:
- المثال الأول:
ذكر الخطيب في ترجمة محمد بن أحمد بن إبراهيم بن قريش الحَكيمي، أنه سأل شيخه أبا بكر البَرْقاني عنه، فقال: ثقة إلا أنه يروي مناكير.
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «وقد اعتبرتُ أنا حديثه فقلَّما رأيتُ فيه منكرًا» (^١).
فالبَرْقاني حكم على هذا الراوي بأنه ثقة إلا أن في أحاديثه مناكير، وتُعرف المناكير في حديث المحدِّث، إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها (^٢).
لكن الخطيب لم يرتضِ بحكم البَرْقاني، وذهب إلى أن المناكير قليلة في أحاديث الحَكيمي؛ حيث إنه اعتبر أحاديثه واختبرها، فوجدها موافقة
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٢/ ٨٧).
(٢) مقدمة «صحيح مسلم» (١/ ٧).
[ ٤٢٥ ]
لأحاديث الثقات الذين شاركوه فيها، لم تخالف أحاديث الثقات إلا في القليل النادر.
- المثال الثاني:
ذكر الخطيب في ترجمة أحمد بن محمد بن سوادة، أن الدارقطني قال فيه: «يُعتبر بحديثه ولا يُحتج به».
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «ما رأيتُ أحاديثَه إلا مستقيمة، فالله أعلم» (^١).
فالدارقطني قد حكم على هذا الراوي بأن أحاديثه يُعتبر بها في الشواهد والمتابعات، ولا يُحتج بها، فلم يرتضِ الخطيب بحكم الدارقطني، وذهب إلى أنه فحص أحاديث هذا الراوي فوجدها مستقيمة خالية من الأخطاء والمناكير.
- المثال الثالث:
ذكر الخطيب في ترجمة الحسين بن محمد بن بهرام المَرْوَرُّوذي (^٢)، أن عبد الرحمن بن أبي حاتم (^٣) سأل أباه عن حديث رواه الحسين المَرْوَرُّوذي، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلًا زوَّج ابنته وهي كارهة، ففرَّق النبي - ﷺ - بينهما (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٦/ ١٤٣).
(٢) ثقة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين أو بعدها بسنة أو سنتين. «تقريب التهذيب» (ص: ١٦٨ رقم ١٣٤٥).
(٣) «علل الحديث» (٤/ ٥٩).
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها (٢/ ٢٣٢ رقم ٢٠٩٦)، والنسائي في «السنن الكبرى»، كتاب النكاح، باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة (٥/ ١٧٦ رقم ٥٣٦٦)، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب من زوج ابنته وهي كارهة (١/ ٦٠٣ رقم ١٨٧٥) كلهم من طريق حسين المروروذي به.
[ ٤٢٦ ]
فقال أبو حاتم: هذا خطأ، إنما هو كما روى الثقات: عن أيوب، عن عكرمة، أن النبي - ﷺ - مرسلًا، منهم ابن عُلَيَّة وحماد بن زيد، وهو الصحيح (^١).
فقال ابن أبي حاتم: الوهم ممن هو؟ قال: من حسين ينبغي أن يكون؛ فإنه لم يروه عن جرير غيره. ثم قال أبو حاتم: رأيت حسينًا المَرْوَرُّوذي، ولم أسمع منه.
فلم يوافق الخطيب أبا حاتم الرازي على إلصاق الوهم بحسين المَرْوَرُّوذي، وتعقبه قائلًا: «قد رواه سليمان بن حرب (^٢)، عن جرير بن حازم أيضًا كما رواه حسين، فبرئت عهدته، وزالت تبعته». ثم رواه من طريق سليمان بن حرب (^٣).
ولم يوافق أيضًا على إعلال الحديث بالإرسال، فذهب يذكر من تابع جريرًا
_________________
(١) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب في البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها (٢/ ٢٣٢ رقم ٢٠٩٧) من طريق حماد بن زيد به مرسلًا. قال أبو داود: «لم يذكر ابن عباس، وكذلك رواه الناس مرسلًا، معروف». ولم أجد رواية ابن علية، والله أعلم.
(٢) ثقة إمام حافظ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وله ثمانون سنة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٥٠ رقم ٢٥٤٥).
(٣) وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥/ ٢٢٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ١٣٠ رقم ١٠٢١) كلاهما من طريق الخطيب به.
[ ٤٢٧ ]
على روايته عن أيوب موصولًا فقال: «ورواه أيوب بن سويد (^١) هكذا، عن الثوري، عن أيوب موصولًا (^٢). وكذلك رواه مُعمَّر بن سليمان (^٣)، عن زيد بن حبان (^٤)، عن أيوب (^٥)» (^٦).
* * *
_________________
(١) صدوق يخطئ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقيل: سنة اثنتين ومائتين. «تقريب التهذيب» (ص: ١١٨ رقم ٦١٥).
(٢) أخرجه الدارقطني في «السنن»، كتاب النكاح (٤/ ٣٤١ رقم ٣٥٦٩) من طريق أيوب بن سويد به.
(٣) هو مُعمَّر - بالتشديد - ابن سليمان النخعي الرقي، ثقة فاضل، أخطأ الأزدي في تليينه، وأخطأ من زعم أن البخاري أخرج له، مات سنة إحدى وتسعين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٥٤١ رقم ٦٨١٥).
(٤) هو زيد بن حبان الرقي كوفي الأصل مولى ربيعة، صدوق كثير الخطأ وتغير بأخرة، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. «تقريب التهذيب» (ص: ٢٢٢ رقم ٢١٢٥).
(٥) أخرجه ابن ماجه، كتاب النكاح، باب من زوج ابنته وهي كارهة (١/ ٦٠٣ رقم ١٨٧٥ م)، والنسائي في «السنن الكبرى» كتاب النكاح، باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة (٥/ ١٧٧ رقم ٥٣٦٨) من طريق معمر بن سليمان الرقي، عن زيد بن حبان به.
(٦) «تاريخ بغداد» (٨/ ٦٥١). وينظر لمزيد من الأمثلة في ذلك: «تاريخ بغداد» (٢/ ٤٣)، (٥/ ١٣٢ - ١٣٥)، (٧/ ١٢٤)، (٩/ ٥١٢)، (١٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
[ ٤٢٨ ]