أهميته ومميزاته
كتاب «تاريخ بغداد» من الكتب المهمة في العلوم الإسلامية، فهو أوسع كتاب يحتوي على تاريخ علماء بغداد وأعلامها منذ بنائها وحتى منتصف القرن الخامس الهجري، وبغداد يومئذ سُرَّة الدنيا وعاصمة الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، وهو أهم الكتب التي صنفها الخطيب وأضخمها، حتى قال ابن خِلِّكان: «لو لم يكن له سوى «التاريخ» لكفاه؛ فإنه يدل على اطلاع عظيم» (^١).
وقد نال هذا «التاريخ» شهرة واسعة والخطيب ما زال حيًّا، وقد كان العلماء الكبار من معاصريه يتمنَّون أن يذكرهم الخطيب في «التاريخ»؛ لعلمهم بأهميته وعلو مكانته وعظيم قيمته، حتى إن أبا علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنَّاء الفقيه الحنبلي الحافظ النحوي المقرئ المتوفى سنة (٤٧١ هـ) كان يتمنَّى أن يذكره الخطيب في «التاريخ»، فقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه لما صنف الخطيب البغدادي «تاريخه» قال ابن البناء: ذكرني الخطيب بالصدق أو بالكذب؟ قالوا: ما ذكرك أصلًا! قال: ليته ذكرني ولو في الكذَّابين (^٢).
_________________
(١) «وفيات الأعيان» (١/ ٩٢)، وينظر: مقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» للدكتور بشار عواد (ص: ١٠٣).
(٢) «معجم الأدباء» (٢/ ٨٢٤)، و«إنباه الرواة على أنباه النحاة» (١/ ٣١١)، و«بغية الوعاة» (١/ ٤٩٦).
[ ٩٨ ]
وتتجلَّى أهمية «تاريخ بغداد» وما تميز به في النقاط التالية:
١ - يُعَدُّ أول كتاب وأوسع كتاب وصل إلينا في تاريخ علماء بغداد، فصار مصدرًا لمن أتى بعده من المصنفين في علوم التاريخ والحديث والتراجم والجرح والتعديل، فلا تكاد تقرأ كتابًا في هذه العلوم إلا وجدته ناهلًا من «تاريخ بغداد».
٢ - يُعدُّ واحدًا من أعظم الموسوعات في الجرح والتعديل، فقد نقل الخطيب فيه آلاف الروايات في نقد الرواة، حتى جعله الحافظ المِزِّي واحدًا من أربعة كتب اعتمد عليها في تأليف كتابه العظيم «تهذيب الكمال» (^١)، ولم يكن الخطيب ناقلًا لهذه الأقوال فحسب، بل كان يشرح كثيرًا من غامضها، ويرجِّح بين متعارضها، وينقد ما جانب الصواب منها (^٢).
٣ - أودع الخطيب كتابه هذا أحكامه النقدية الخاصة على من عاصره من الرواة، فتناقلها المحدثون من بعده معتمدين عليها.
٤ - حوى الكتاب كثيرًا من الأحاديث التي يسوقها الخطيب بإسناده، بلغ عددها قرابة خمسة آلاف حديث، يتكلم عليها أحيانًا ويبيِّن عللها، وهي في الغالب من غرائب أحاديث المترجم له، وبعض هذه الأحاديث قد تفرَّد بها الخطيب.
٥ - تُعدُّ المقدمة التي كتبها الخطيب عن خطط بغداد أوسع ما كُتب في هذا الموضوع، لذلك فقد حَظِيت باعتناء كثير من الباحثين والدارسين،
_________________
(١) «تهذيب الكمال» (١/ ١٥٢).
(٢) ينظر المطلب الآتي؛ ففيه عدة أمثلة على ذلك.
[ ٩٩ ]
فترجمها سالمون إلى الفرنسية وعلَّق عليها، كما ترجمها يعقوب لِسْنَر إلى
الإنجليزية مع تعليقات ضافية ودراسات ملحقة بها، واستفاد منها كثير من الباحثين في دراستهم عن بغداد، مثل دراسات الدكتور صالح أحمد العلي عن بغداد، لا سيما دراسته النفيسة «بغداد مدينة السلام» (^١).
٦ - حوى الكتاب مادة لا بأس بها من التاريخ السياسي والإداري، لا سيما فيما عاصره الخطيب من الأحداث والوقائع.
٧ - تضمَّن الكتاب معلومات مهمة تتصل بالنواحي الاجتماعية والفكرية، من ذِكر الشرائح الاجتماعية، والأسعار، ومستوى المعيشة.
٨ - صوَّر الكتاب جوانب مهمة من تاريخ الحركة الفكرية، لا سيما طبقة رجال الدين من الفقهاء والمحدثين والصوفية ونحوهم، ونظرة المجتمع إليهم، وتأثيرهم فيه، ونوعية اهتماماتهم.
٩ - بيَّن الكتاب منزلة بغداد العلمية بين المدن الإسلامية، وطبيعة الصلات القائمة بينها وبين المدن الأخرى، وصلات العلماء بعضهم ببعض، وسهولة الانتقال في العالم الإسلامي على الرغم من اختلاف الحكَّام بين إقليم وآخر.
١٠ - حفظ لنا الكتاب كثيرًا من النصوص المنقولة من مصادر أغلبها مفقود، أما المصادر التي وصلت إلينا فإنَّ نُقول الخطيب تُعَدُّ من أوثق النصوص التي تخدم تحقيق هذه الكتب، وتؤكد صحة معلوماتها؛ نظرًا لاعتماده على النسخ الأصلية التي غالبًا ما كانت بخط مؤلفيها، أو
_________________
(١) ينظر: «موارد الخطيب في تاريخ بغداد» (ص: ٨٨)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» (ص: ١٠٤).
[ ١٠٠ ]
بخطوط من يوثق بنقلهم ممن روى تلك الكتب، سواء أكانوا من
تلامذة المؤلفين، أم ممن جاء بعدهم، وقد بيَّنت الدراسة القيَّمة التي قام بها الدكتور أكرم العمري لموارد «تاريخ بغداد» ضخامة الموارد التي استقى منها الخطيب مادته.
١١ - حفظ لنا الكتاب أسماء كثير من الكتب التي صنفها المترجَم لهم، وقد بلغت ٤٤٦ مصنفًا، أُلِّفت جميعها خلال القرون الثالث والرابع والخامس، في علوم القرآن والتفسير والحديث والفقه وأصوله والعقائد والفِرق والزهد والتصوف والمنطق والكلام والتاريخ وغيرها، وعند مقارنة هذه الكتب بما أورده ابن النديم في «الفهرست» تبين أن الخطيب ذكر ٢٩٨ كتابًا لم يذكرهم ابن النديم، مما يدل على الإضافة التي قدَّمها الخطيب من خلال ذكره لمصنفات المترجَم لهم.
١٢ - ومما يبيِّن أهمية «تاريخ بغداد» أنه قد اقتبس منه كثير ممن جاء بعده من أهل العلم المصنفين، أمثال: ابن ماكولا، وابن أبي يعلى، والسمعاني، وابن عساكر، وابن الجوزي، وياقوت الحموي، وابن نقطة، وابن خِلِّكان، والمِزِّي، والذهبي، وتاج الدين السبكي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم.
ولا شك أن اعتماد هؤلاء العلماء الأعلام في الأعصر المختلفة على هذا الكتاب وكثرة اقتباسهم منه دليل على ثقتهم به، واعترافهم بأهميته، وإذعانهم بإمامة مؤلِّفه (^١).
_________________
(١) ينظر: «موارد الخطيب في تاريخ بغداد» (ص: ٨٧ - ٩٣)، ومقدمة تحقيق «تاريخ بغداد» (ص: ١٠٣ - ١١٢).
[ ١٠١ ]