في ذكر أوَّل مَن دوَّن الحديث والسُّنن
والمدارس جمع مدرسة، وهي محل دراسة العلوم.
وقوله: (بالأربُع)؛ أي: مع الأربع بضمِّ الموحَّدة، جمع رَبْع -بفتح الرَّاء وسكون الموحَّدة-: الدَّار حيث كانت، وجمعه أَرْبُع ورِبَاع ورُبُوع، والدُّرس بضمِّ الدَّال والرَّاء؛ أي: الدِّراسة الذَّاهبة من قولهم: دَرَسَ الرَّسمُ، كذهب وزنًا ومعنىً كنايةً عن التَّأسُّف على مَن فاتك منهم.
قوله: (فِيْ حَضْرَةِ القُدُسِ) بضمَّتين من إضافة الموصوف لصفته؛ أي: في الحضرة المقدَّسة؛ أي: المُطهَّرة من النَّقائص، وهي حضرة ذي الجلال والإكرام.
قوله: (تِلْكَ السَّعَادَة)؛ أي: هذه الخصال المذكورة من العكوف على بابهما … إلى آخره، هي السَّعادة؛ أي: أسباب السَّعادة، أو: هي مبالغة على حدِّ: زيدٌ عدلٌ.
وقوله: (إِنْ تُلْمَم) بضمِّ الفوقيَّة مِن ألمَّ بالمكان نزل به؛ أي: متى جئت إلى تلك السَّاحة (فحطَّ رحلك) يُكنَى به عن الإقامة، والمراد قد أوتيت سؤلك وصادفت حاجتك وسعادتك الحقيقية فالزمها، فإذا ألزمتها فـ (قد عوفيت من تَعْسٍ) بالفوقيَّة والعين المهملة محرَّكًا؛ أي: خيبة.
قوله: (الزَّمْعِي) بفتح الزَّاي وسكون الميم وبالعين المهملة، نسبة لجده وهب بن زمعة القرشيِّ، كما في «اللُّباب».
قوله: (نَسْخًا)؛ أي: كتابة، وقد ورد: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَل الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ»، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فهو ممَّا يَحسن إيراده في ذلك المعنى، قال الحافظ السُّيوطيُّ: ولا يلتَفَتُ إلى ذكر ابن الجوزي له في «الموضوعات» فإنَّ له طُرقًا تُخرجه عن الوضع وتقتضي أنَّ له أصلًا في الجملة، فأخرجه الطَّبرانيُّ من حديث أبي هريرة وأبو الشَّيخ والدَّيلميُّ من طريق أخرى عنه، وابن عديٍّ من حديث أبي بكر الصِّدِّيق، الأصبهانيُّ في «ترغيبه» من حديث ابن عبَّاس، وأبو نُعيم من حديث عائشة ﵂، وقد روي من طريق صحيح (^١) عن أنس يرفعه: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ أَصْحَابُ الْحَدِيْثِ وَبِأَيْدِيْهِم الْمَحَابِرُ فَيُرْسِلُ الله إِلَيْهِمْ جِبْرِيْلَ فَيَسْأَلُهُمْ مَنْ أَنْتُم؟ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُوْلُوْنَ: أَصْحَابَ الْحَدِيْثِ. فَيَقُوْلُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ طَالَمَا كنْتُم تُصَلُّوْنَ عَلَى نَبِيِّي فِي دَارِ الدُّنْيَا».
تنبيه: ينبغي أن يَجمعَ عند ذكره ﷺ بين الصَّلاة عليه ببنانه ولسانه ولو لم تكن مكتوبة في الأصل كما سبق فيكتبها ويتلفَّظ بها مطلقًا، قال ابن عبَّاس العنبريُّ وابن المدينيُّ: ما تركنا الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في كلِّ حديث سمعناه وربَّما عَجَّلنا فَنُبَيِّضُ الكتاب في كل حديث حتَّى نرجعَ إليه.
قوله: (لِيَُهَن أهلَ الْحَدِيْثَ …) إلى آخره، يهن بضم الياء، وأهل الحديث بالنَّصب مفعول مقدَّم، و(هذه البُشْرَى) بالرَّفع فاعل مؤخَّر، و(كَثَّرَهُم الله) جملة دعائية؛ أي: لتكن هذه البشرى مهنئة لهم؛ والمراد: ليكونوا مهنئين بها.
(الفصل الثاني)
قوله: (مَنْ دَوَّنَ الأَحَادِيْثَ) بفتح الدَّال والواو المشدَّدة؛ أي: ذكرها في الدَّواوين، أو: جعلها دواوين جمع ديوان؛ وهو الكتاب، وأصله: ما تعلَّق بحقوق السَّلطنة في الأعمال والأموال ومَن يقوم بها من الجيوش والعمَّال كما في الباب الثَّاني عشر من «الأحكام السُّلطانيَّة» للماورديِّ، ثمَّ أُطلق على الدفتر ثم قيل لكل كتابٍ، وقد يخص بشعرِ شاعرٍ معين مجازًا، وشاع حتى صار حقيقة فيه، فمعانيه خمسة كما في «الشِّفاء»: الكَتَبَة، ومحلهم، والدَّفتر، وكلُّ كتاب، ومجموع الشِّعر.
وهل هو عربيٌّ أو معرَّب من الفارسيِّ؟ خلافٌ مشهور.
والأحاديث جمع حَدِيث، وهو لغة ضدُّ القديم، واصطلاحًا: ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا؛ -أي: عدم إنكار لما فُعِل بحضرته ﵊ أو في غيبته وبَلَغه- أو هَمًّا؛ -أي: عزمًا كقوله ﷺ: «وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ» - أو وَصْفًا خَلقيًّا -بفتح الخاء ككونه ﵊ ليس بالطَّويل ولا بالقصير- أو خُلُقيًّا -بضمَّتين؛ أي: متعلِّقًا بخُلُقه وطبعه الشَّريف ككونه أحسن النَّاس خُلقًا وكونه كان لا يُواجه أحدًا بمكروه وغير ذلك-.
قوله: (وَالسُّنَن) جمع سُنَّة وهي لغةً: الطَّريق، وأمَّا اصطلاحًا فقيل: إنَّها مرادفة للحديث بمعناه الاصطلاحيِّ، وقيل: الحديث
_________________
(١) تعليق موسوعة البخاري: قال الخطيب: (تاريخ بغداد ٤/ ٦٤٨): هذا الحديث موضوع، والحمل فيه على الرقي. والرقي هو محمد بن يوسف بن يعقوب أبو بكر الرقي قال عنه الذهبي (ميزان الاعتدال ٤/ ٧٢): وضع على الطبراني حديثًا باطلًا في حشر العلماء بالمحابر.
[ ٨ ]