ذِكْرُ أَدَبِ النُّفُوسِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى تَأْدِيبِ النَّفْسِ؟، قِيلَ لَهُ: الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ، وَقَوْلُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْهُ؟ قِيلَ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، قُلْتُ: فَمَنْ سَمِعَ هَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ عِلْمَ هَذَا، وَلَا يَغْفُلُ عَنْهُ. فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْ مَا يَقِي بِهِ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَأَهْلَهُ مِنَ النَّارِ، قِيلَ: نَعَمْ
[ ٢٥٩ ]
٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﵎: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ: يَكُونُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ، فَيَعْمَلُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، يُصَلِّي فَيُصَلُّونَ، وَيَصُومُ فَيَصُومُونَ، وَيَتَصَدَّقُ فَيَتَصَدَّقُونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]
[ ٢٥٩ ]
٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَثنا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] يَقُولُ: اعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿، وَاتَّقُوا مَعَاصِيَ اللَّهِ ﷿، وَمُرُوا أَهْلِيكُمْ بِالذِّكْرِ، يُنْجِيكُمْ مِنَ النَّارِ "
[ ٢٦٠ ]
٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَثَنًا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثنا حَمُّ بْنُ نُوحٍ، ثنا أَبُو مُعَاذٍ، ثنا أَبُو مُصْلِحٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، يَقُولُ: اعْمَلُوا بِطَاعَتِي، وَتَعَلَّمُوا، وَعَلِّمُوا أَهْلِيكُمْ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ
[ ٢٦٠ ]
١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَثَنًا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مِهْرَانَ، ثنا عَامِرُ بْنُ الْفُرَاتِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ: أَدِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، وَأَهْلِيكُمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ ⦗٢٦١⦘ وَجَلَّ
[ ٢٦٠ ]
١١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَثَنًا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، يَعْنِي: الْأَدَبُ الصَّالِحُ
[ ٢٦١ ]
١٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَثَنًا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، ثنا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ بَعْضِ، أَصْحَابِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزّ َ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ: «عَلِّمُوهُمْ، أَدِّبُوهُمْ» ⦗٢٦٢⦘ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَا تَرَوْنَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مَوْلَاكُمُ الْكَرِيمِ، يَحُثُّكُمْ عَلَى تَأْدِيبِ نُفُوسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ؟، فَاعْقِلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَنِ اللَّهِ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] قَالَ: «عَلِّمُوهُمْ، أَدِّبُوهُمْ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَا تَرَوْنَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مَوْلَاكُمُ الْكَرِيمِ، يَحُثُّكُمْ عَلَى تَأْدِيبِ نُفُوسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ؟، فَاعْقِلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَنِ اللَّهِ ﷿، وَأَلْزِمُوا أَنْفُسَكُمْ عِلْمَ ذَلِكَ. ثُمَّ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّهُ يَلْزَمُكُمْ عِلْمُ حَالَيْنِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا: عِلْمُ مَعْرِفَةِ النَّفْسِ، وَقُبْحِ مَا تَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، مِمَّا تَهْوَاهُ وَتَلُذُّهُ، مُضْمِرَةً لِذَلِكَ، وَقَائِلَةً وَفَاعِلَةً، فَوَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَزْجُرُوهَا عَنْهُ، حَتَّى لَا تُبَلِّغُوهَا ذَلِكَ. وَالْحَالُ الثَّانِي: عِلْمُ كَيْفَ السِّيَاسَةُ لَهَا؟، وَكَيْفَ تُرَاضُ؟، وَكَيْفَ تُؤَدَّبُ؟، فَهَذَانِ الْحَالَانِ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ أَنْ يَطْلُبَ عِلْمَهُ حَتَّى يَعْرِفَ نَفْسَهُ، وَيَعْرِفَ كَيْفَ يُؤَدِّبُهَا. قُلْتُ: فَأَمَّا مَعْرِفَةُ النَّفْسِ، وَقَبِيحُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرِي لَهُ، وَأَنَا أَزِيدُكَ فِي فَضْحَتِهَا: هِيَ جَامِعَةٌ لِكُلِّ بَلَاءٍ. وَخَزَانَةُ إِبْلِيسَ، وَإِلَيْهَا يَأْوِي، وَيَطْمَئِنُّ. ⦗٢٦٣⦘ تُظْهِرُ لَكَ الزُّهْدَ وَهِيَ رَاغِبَةٌ. وَتُظْهِرُ لَكَ الْخَوْفُ، وَهِيَ آمِنَةٌ. تَفْرَحُ بِحُسْنِ ثَنَاءٍ مِنْ جَهْلِهَا بِبَاطِلٍ، فَتَحْمَدُهُ، وَتُدِينُهُ. وَيَثْقُلُ عَلَيْهَا الصِّدْقُ مَنْ ذَمَّهَا بِحَقٍّ، نُصْحًا مِنْهُ لَهَا، فَتُبْغِضُهُ وَتُقْصِيهِ. وَأَنَا أُمَثِّلُ لَكِ مِثَالًا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَمْرُهَا إِنَّ شَاءَ اللَّهُ: اعْلَمْ أَنَّ النَّفْسَ مِثْلُهَا كَمَثَلِ الْمُهْرِ الْحَسَنِ مِنَ الْخَيْلِ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ أَعْجَبَهُ حُسْنُهُ وَبَهَاؤُهُ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ بِهِ: لَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا حَتَّى يُرَاضَ رِيَاضَةً حَسَنَةً، وَيُؤَدَّبَ أَدَبًا حَسَنًا، فَحِينَئِذٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيَصْلُحُ لِلطَّلَبِ وَالْهَرَبِ، وَيَحْمِدُ رَاكِبُهُ عَوَاقِبَ تَأْدِيبِهِ وَرِيَاضَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يُؤَدَّبْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِحُسْنِهِ وَلَا بِبَهَائِهِ، وَلَا يَحْمَدُ رَاكِبُهُ عَوَاقِبَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ. فَإِنْ قِيْلَ صَاحِبُ هَذَا الْمُهْرِ قَوْلَ أَهْلِ النَّصِيحَةِ وَالْبَصِيرَةِ بِهِ، عَلِمَ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ فَدَفَعَهُ إِلَى رَائِضٍ فَرَاضَهُ. ثُمَّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الرَّائِضُ إِلَّا عَالِمًا بِالرِّيَاضَةِ، مَعَهُ صَبْرٌ عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ عِلْمِ الرِّيَاضَةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بِالرِّيَاضَةِ وَنَصَحَهُ انْتَفَعَ بِهِ صَاحِبُهُ، فَإِنْ كَانَ الرَّائِضُ لَا مَعْرِفَةَ مَعَهُ بِالرِّيَاضَةِ، وَلَا عِلْمَ بَأَدَبِ الْخَيْلِ، أَفْسَدَ هَذَا الْمُهْرَ وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَحْمَدْ رَاكِبُهُ عَوَاقِبَهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّائِضُ مَعَهُ مَعْرِفَةُ الرِّيَاضَةِ وَالْأَدَبِ لِلْخَيْلِ إِلَّا أَنَّهُ مَعَ مَعْرِفَتِهِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مَشَقَّةِ الرِّيَاضَةِ، وَأَحَبَّ التَّرْفِيهَ لِنَفْسِهِ، وَتَوَانَى عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، مِنَ النَّصِيحَةِ فِي الرِّيَاضَةِ، أَفْسَدَ هَذَا الْمُهْرَ، وَأَسَاءَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَصْلُحْ لِلطَّلَبِ، وَلَا لِلْهَرَبِ، وَكَانَ لَهُ مَنْظَرٌ بِلَا مَخْبَرٌ، فَإِنْ كَانَ مَالِكُهُ هُوَ الرَّائِضُ لَهُ، نَدِمَ عَلَى تَوَانِيهِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، حِينَ نَظَرَ إِلَى ⦗٢٦٤⦘ غَيْرِهِ فِي وَقْتِ الطَّلَبِ، قَدْ طَلَبَ فَأَدْرَكَ، وَفِي وَقْتِ الْهَرَبِ قَدْ هَرَبَ فَسَلِمَ، وَطَلَبَ فَهُوَ لَمْ يُدْرِكْ، وَهَرَبَ فَلَمْ يُسْلِمْ، كُلُّ ذَلِكَ بِتَوَانِيهِ، وَقِلَّةِ صَبْرِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يَلُومُهَا وَيُبِّخُهَا، فَيَقُولُ: لِمَ فَرَّطْتِ؟ لِمَ قَصَّرْتِ؟، لَقَدْ عَادَ عَلَيَّ مِنْ قِلَّةِ صَبْرَى كُلُّ مَا أَكْرَهُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. اعْقِلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عِلْمَ هَذَا الْمَثَلِ، وَتَفَقَّهُوا بِهِ، تُفْلِحُوا وَتَنْجَحُوا، وَقَدْ قُلْتُ فِي هَذَا الْمَثَلِ أَبْيَاتًا تُشْبِهُ هَذَا الْمَثَلَ:
[البحر المتقارب]
أَرَى النَّفْسَ تَهْوَى مَا تُرِيدُ وَفِي مُتَابَعَتِي لَهَا عَطَبٌ شَدِيدْ
تَقُولُ وَقَدْ أَلَحَّتْ فِي هَوَاهَا مُرَادِي كُلُّ مَا أَهْوَى أُرِيدْ
فَأَمْنَحُهَا نُصْحِي لِكَيْ تَنْزَجِرَ فَتَأْبَى وَرَبِّي عَلَى ذِي شَهِيدْ
فَإِنْ أَنَا تَابَعْتُهَا نَدِمْتُ وَخِفْتُ الْعُقُوبَةَ يَوْمَ الْوَعِيدْ
فَإِنْ كُنْتَ لِلنَّفْسِ يَا ذَا مُحِبًّا فَقَيَّدْ، وَلَوْ بِقَيْدِ الْحَدِيدْ
وَرُضْهَا رِيَاضَةَ مُهْرٍ يُرَاضُ بِالسَّوْطِ، وَالسَّوْطُ سَوْطُ حَدِيدْ
يَمْنَعُهُ الرَّائِضُ مَا يَشْتَهِي يُرِيدُ بِالْمَنِعِ صَلَاحًا وَفَهْمًا يُرِيدْ
يَحْمَدُهُ الرَّاكِبُ يَوْمَ اللُّقَى وَالْخَيْلُ فِي الْحَرْبِ وَجَهْدٌ جَهِيدْ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ رُوِيَ فِي مَعْنَى مَا قُلْتُ مِنْ هَذِهِ الْأَمْثَالِ، وَآثَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُ، فَأَنَا ذَاكِرُهَا؛ لِيَعْتَبِرَهَا مَنْ تَدَبَّرَهَا
[ ٢٦١ ]
١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ الصَّنْدَلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْوَرْدِ، يَقُولُ: قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: «النَّفْسُ كَنُفُوسِ الدَّوَابِّ، وَالْإِيمَانُ قَائِدٌ، وَالْعَمَلُ سَائِقٌ، وَالنَّفْسُ ⦗٢٦٥⦘ حَرُونٌ، فَإِنْ فَتَرَ قَائِدُهَا حَرَنَتْ عَلَى سَائِقِهَا، وَإِنْ فَتَرَ سَائِقُهَا ضَلَّتْ عَلَى الطَّرِيقِ»
[ ٢٦٤ ]
١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْعَطَّارُ، ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا أَبُو مُقَاتِلٍ يَعْنِي حَفْصَ بْنَ سَلْمٍ، ثنا عَوْنُ بْنُ أَبِي شَدَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: " يَا بُنَيَّ لَا تَنْتَفِعْ بِالْإِيمَانِ إِلَّا بِالْعَقْلِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ قَائِدٌ، وَالْعَمَلَ سَائِقٌ، وَالنَّفْسَ حَرُونٌ، فَإِنْ فَتَرَ سَائِقُهَا ضَلَّتْ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ تَسْتَقِمْ لِصَاحِبِهَا، وَإِنْ فَتَرَ قَائِدُهَا حَرَنَتْ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ سَائِقُهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ اسْتَقَامَتْ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَلَا يَسْتَقِيمُ الدِّينُ إِلَّا بِالتَّطَوُّعِ وَالْكُرْهِ، إِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ كُلَّمَا كَرِهَ مِنَ الدِّينِ شَيْئًا تَرَكَهُ، أَوْشَكَ أَنْ لَا يَبْقَيَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِ اللَّهِ ﷿، فَلَا تَقْنَعْ لِنَفْسِكَ بِقَلِيلٍ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا تَقْنَعْ لَهَا بِضَعِيفٍ مِنَ الْعَمَلِ، وَلَا تُرَخِّصْ لَهَا فِي قَلِيلٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﷿، وَلَا تَعِدْهَا بِشَيْءٍ مِنَ اسْتِحْلَالِ الْحَرَامِ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا أُطْمِعَتْ طَمِعَتْ، وَإِذَا أَيِسْتَهَا أَيِسَتْ، وَإِذَا أَقْنَعْتَهَا قَنِعَتْ، إِذَا أَرْخَيْتَ لَهَا طَغَتْ، وَإِذَا زَجَرَتْهَا انْزَجَرَتْ، وَإِذَا عَزَمْتَ عَلَيْهَا أَطَاعَتْ، وَإِذَا فَوَّضْتَ إِلَيْهَا أَسَاءَتْ، وَإِذَا حَمَلْتَهَا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ صَلَحَتْ، وَإِذَا تَرَكْتَ الْأَمْرَ ⦗٢٦٦⦘ إِلَيْهَا فَسَدَتْ، فَاحْذَرْ نَفْسَكَ وَاتَّهِمْهَا عَلَى دِينِكَ، وَأَنْزِلْهَا مَنْزِلَةَ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ فِيهَا، وَلَا بُدَّ مِنْهَا، فَإِنَّ لَا حَاجَةَ لَكَ فِي بَاطِلِهَا، وَلَا بُدَّ لَكَ مِنْ تُهْمَتِهَا، وَلَا تَغْفَلْهَا عَنِ الزَّجْرِ فَتَفْسَدْ عَلَيْكَ، وَلَا تَأْمَنْهَا فَتَغْلِبْكَ، فَإِنَّهُ مَنْ قَوَّمَ نَفْسَهُ حَتَّى تَسْتَقِيمَ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهَا، وَمَنْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَأَنْفُسُ النَّاسِ أَحْرَى أَنْ تَغْلِبَهُ، وَكَيْفَ لَا يَضْعُفُ عَنْ أَنْفَسِ النَّاسِ وَقَدْ ضَعُفَ عَنْ نَفْسِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمَنُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّفْسِ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى نَفْسِهِ؟ وَكَيْفَ يُهْتَدَى بِمَنْ قَدْ أَضَلَّ نَفْسَهُ؟ وَكَيْفَ يُرْجَا مَنْ قَدْ حُرِمَ حَظَّ نَفْسِهِ؟ يَا بُنَيَّ ثَقِّفْهُمْ بِالْحِكْمَةِ وَاسْتَعِنْ بِمَا فِيهَا، فَإِنْ وَافَقَكَ الْهَوَى أَوْ خَالَفَكَ، فَاصْبِرْ نَفْسَكَ لِلْحَقِّ، وَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحِكَمِ، فَإِنَّ الْحَكِيمَ يُذِلُّ نَفْسَهُ بِالْمَكَارِهِ حَتَّى تَعْتَرِفَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّ الْأَحْمَقَ يُخَيِّرُ نَفْسَهُ فِي الْأَخْلَاقِ، فَمَا أَحَبَّتْ مِنْهَا أَحَبَّ، وَمَا كَرِهَتْ مِنْهَا كَرِهَ ⦗٢٦٧⦘ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اعْقِلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ مَا تَسْمَعُونَ، اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَكُونَ طَبِيبًا لِنَفْسِهِ، لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ طَبِيبًا لِنَفْسِ غَيْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُؤَدِّبَ نَفْسَهُ، لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يُؤَدِّبَ نَفْسَ غَيْرِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا لِلَّهِ ﷿ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ، وَنَهَاهُ عَنْهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ نَفْسَهُ بِعِلْمِ ذَلِكَ، كَيْفَ يَصْلُحُ أَنْ يُؤَدِّبَ زَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ، قَدْ أَخَذَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِ تَعْلِيمَهُمْ مَا جَهِلُوهُ. مَا أَسْوَأَ حَالَ مَنْ تَوَانَى عَنْ تَأْدِيبِ نَفْسِهِ وَرِيَاضَتِهَا بِالْعِلْمِ وَمَا أَحْسَنَ حَالَ مَنْ عَنِّي بِتَأْدِيبِ نَفْسِهِ، وَعَلِمَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ ﷿ بِهِ وَمَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَصَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ نَفْسِهِ، وَاسْتَعَانَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا
[ ٢٦٥ ]
١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، ثنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ، ثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثنا حَجَّاجُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْقَسْمَلِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يَقُولُ: " يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ لَا، تَأْتِيَ الْخَيْرَ إِلَّا عَلَى نَشَاطٍ، فَإِنَّ نَفْسَكَ إِلَى السَّآمَةِ وَالْفُتُورِ وَالْكَلَلِ أَقْرَبُ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ هُوَ الْعَجَّاجُ، وَالْمُؤْمِنُ هُوَ الْمُتَوَقِّي، وَالْمُؤْمِنُ هُوَ الْمُتَشَدِّدُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ الْجَائِرُونَ إِلَى اللَّهِ ﷿ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاللَّهِ مَا زَالَ الْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا رَبَّنَا، فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ حَتَّى اسْتَجَابَ لَهُمْ "
[ ٢٦٧ ]