قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ﵁: وَأَمَّا أفعال النبي ﷺ فإني تأملت تفصيل أنواعها وتدبرت تقسيم أحوالها لئلا يتعذر على الفقهاء حفظها ولا يصعب على الحفاظ وعيها فرأيتها تدور على خمسين نوعا:
النوع الأول: الفعل الذي فرض عليه ﷺ مدة ثم جعل له ذلك نفلا.
النوع الثاني: الأفعال التي فرضت عليه وعلى أمته ﷺ.
النوع الثالث: الأفعال التي فعلها ﷺ يستحب للأئمة الاقتداء به فيها.
النوع الرابع: أفعال فعلها ﷺ يُسْتَحَبُّ لِأُمَّتِهِ الِاقْتِدَاءُ به فيها.
النوع الخامس: أفعال فعلها ﷺ فعاتبه جل وعلا عليها.
النوع السادس: فعل فعله ﷺ لم تقم الدلالة على أنه خص باستعماله دون أمته مباح لهم استعمال مثل ذلك الفعل لعدم وجود تخصيصه فيه.
النوع السابع: فعل فعله ﷺ مرة واحدة للتعليم ثم لم يعد فيه إلى أن قبض ﷺ.
النوع الثامن: أفعال النبي ﷺ التي أراد بها تعليم أمته.
النوع التاسع: أفعاله ﷺ التي فعلها لأسباب موجودة وعلل معلومة.
[ ١ / ١٤٥ ]
النوع العاشر: أفعال فعلها ﷺ تؤدي إلى إباحة استعمال مثلها.
النوع الحادي عشر: الأفعال التي اختلفت الصحابة في كيفيتها وتباينوا عنه في تفصيلها.
النوع الثاني عشر: الأدعية التي كان يدعو بها ﷺ بها يستحب لأمته الاقتداء به فيها.
النوع الثالث عشر: أفعال فعلها ﷺ قصد بها مخالفة المشركين وأهل الكتاب.
النوع الرابع عشر: الفعل الذي فعله ﷺ ولا يعلم لذلك الفعل إلا علتان اثنتان كان مراده إحداهما دون الأخرى.
النوع الخامس عشر: نفي الصحابة بعض أفعال النبي ﷺ التي أثبتها بعضهم.
النوع السادس عشر: فعل فعله ﷺ لحدوث سبب فلما زال السبب ترك ذلك الفعل.
النوع السابع عشر: أفعال فعلها ﷺ والوحي ينزل فلما انقطع الوحي بطل جواز استعمال مثلها.
النوع الثامن عشر: أفعله ﷺ التي تفسر عن أوامره المجملة.
النوع التاسع عشر: فعل فعله ﷺ مدة ثم حرم بالنسخ عليه وعلى أمته ذلك الفعل.
النوع العشرون: فعله ﷺ الشيء الذي ينسخ الأمر الذي أمر به مع إباحته ترك ذلك الشيء المأمور به.
النوع الحادي والعشرون: فعله ﷺ الشيء الذي نهى عنه مع إباحته ذلك الفعل المنهي عنه في خبر آخر.
[ ١ / ١٤٦ ]
النوع الثاني والعشرون: فعله ﷺ الشيء نهى عنه مع تركه الإنكار على مرتكبه.
النوع الثالث والعشرون: الأفعال التي خص بها١صلى الله عليه وسلم دون أمته.
النوع الرابع والعشرون: تركه ﷺ الفعل الذي نسخه استعماله ذلك الفعل نفسه لعلة معلومة.
النوع الخامس والعشرون: الأفعال التي تخالف الأوامر التي أمر بها في الظاهر.
النوع السادس والعشرون: الأفعال التي تخالف النواهي٢في الظاهر دون أن يكون في الحقيقة بينهما٣خلاف.
النوع السابع والعشرون: الأفعال التي فعلها ﷺ أراد بها الاستنان به فيها.
النوع الثامن والعشرون: تركه ﷺ الأفعال التي أراد بها تأديب أمته.
النوع التاسع والعشرون: تركه ﷺ الأفعال مخافة أن تفرض على أمته أو يشق عليهم إتيانها.
النوع الثلاثون: تركه ﷺ الأفعال التي أراد بها التعليم.
النوع الحادي والثلاثون: تركه ﷺ الأفعال التي يضادها استعماله مثلها.
النوع الثاني والثلاثون: تركه ﷺ الأفعال التي تدل على الزجر عن ضدها.
_________________
(١) ١ في الأصل "فيها". والمثبت من نسخة دار الكتب. ٢ في نسخة دار الكتب "المناهي". ٣ في نسخة دار الكتب "بينها".
[ ١ / ١٤٧ ]
النوع الثالث والثلاثون: الأفعال المعجزة التي كان يفعلها ﷺ أو فعلت بعده التي هي من دلائل النبوة.
النوع الرابع والثلاثون: الأفعال التي فيها تضاد وتهاتر في الظاهر وهي مِنَ اخْتِلَافِ الْمُبَاحِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بينهما تضاد أو تهاتر.
النوع الخامس والثلاثون: الفعل الذي فعله ﷺ لعلة معلومة فارتفعت العلة المعلومة وبقي١ذلك الفعل فرضا على أمته إلى يوم القيامة.
النوع السادس والثلاثون: قضاياه ﷺ التي قضى بها في أشياء رفعت إليه من أمور المسلمين.
النوع السابع والثلاثون: كتبته ﷺ الكتب إلى المواضع بما فيها من الأحكام والأوامر وهي ضرب من الأفعال.
النوع الثامن والثلاثون: فعل فعله ﷺ بأمته يجب على الأئمة الاقتداء به فيه إذا كانت العلة التي هي مِنْ أَجْلِهَا فَعَلَ ﷺ موجودة.
النوع التاسع والثلاثون: أفعال فعلها ﷺ لم تذكر كيفيتها في نفس الخطاب لا يجوز استعمال مثلها إلا بتلك الكيفية التي هي مضمرة في نفس الخطاب.
النوع الأربعون: أفعال فعلها ﷺ أراد بها المعاقبة على أفعال مضت متقدمة.
النوع الحادي والأربعون: فعل فعله ﷺ من أجل علة موجودة خفي على أكثر الناس كيفية تلك العلة.
النوع الثاني والأربعون: الأشياء التي سئل عنها صلى الله عليه مسلم فأجاب عنها بالأفعال.
_________________
(١) ١ في نسخة دار الكتب "ثم بقي".
[ ١ / ١٤٨ ]
النوع الثالث والأربعون: الأفعال التي رويت عنه مجملة تفسير تلك الجمل في أحبار أخر.
النوع الرابع والأربعون: الأفعال التي رويت عنه مختصرة ذكر تقصيها في أخبار أخر.
النوع الخامس والأربعون: أفعاله ﷺ في إظهاره الإسلام وتبليغ الرسالة.
النوع السادس والأربعون: هِجْرَتِهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وكيفية أحواله فيها.
النوع السابع والأربعون: أخلاق رسول الله ﷺ شمائله في أيامه ولياليه.
النوع الثامن والأربعون: علة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي قبض فيها وكيفية أحواله في تلك العلة.
النوع التاسع والأربعون: وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتكفينه ودفنه.
النوع الخمسون: وصف رسول الله ﷺ وسنه.
قال أبو حاتم ﵁: فجميع أنواع السنن أربع مائة نوع على حسب ما ذكرناها ولو أردنا أن نزيد على هذه الأنواع التي نوعناها للسنن أنواعا كثيرة لفعلنا وإنما اقتصرنا على هذه الأنواع دون ما وراءها وإن تهيأ ذلك لو تكلفنا لأن قصدنا في تنويع السنن الكشف عن شيئين.
أحدهما: خبر تنازع الأئمة فيه وفي تأويله والآخر عموم خطاب صعب على أكثر الناس الوقوف على معناه وأشكل عليهم بغية القصد منه فقصدناه إلى تقسيم السنن وأنواعها لنكشف عن هذه الأخبار التي وصفناها على حسب ما يسهل الله جل وعلا ويوفق القول فيه فيما بعد إن شاء الله.
وإنما بدأنا بتراجم أنواع السنن في أول الكتاب قصد التسهيل منا على
[ ١ / ١٤٩ ]
من رام الوقوف على تكل حديث من كل نوع منها ولئلا يصعب حفظ كل فصل من كل قسم عند البغية ولأن قصدنا في نظم السنن حذو تأليف القرآن لأن القرآن ألف أجزاء فجعلنا السنن أقساما بإزاء أجزاء القرآن١.
ولما كانت الأجزاء من القرآن كل جزء منها يشتمل على سور جعلنا كل قسم من أقسام السنن يشتمل على أنواع فأنواع السنن بإزاء سور القرآن.
ولما كان كل سورة من القرآن تشتمل على آي جعلنا كل نوع من أنواع السنن يشتمل على أحاديث والأحاديث من السنن بإزاء الآي من القرآن.
فإذا وقف المرء على تفصيل ما ذكرنا وقصد الحفظ لها سهل عليه ما يريد من ذلك كما يصعب عليه الوقوف على كل حديث منها إذا لم يقصد قصد الحفظ له ألا ترى أن المرء إذا كان عنده مصحف وهو غير حافظ لكتاب
_________________
(١) ١ قال العلامة أحمد شاكر: يريد ابن حبان بأجزاء القرآن، تحزيبه القديم الثابت في السنة فيما روى أحمد في المسند "١٦٢٣٥"، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة في حديث قال أوس في آخره «فسألنا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نُحَزِّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى تختم". وبعد تخريج هذا الحديث قال العلامة أحمد شاكر: وهذا التحزيب لا يعد في سورة الفاتحة في أوله. بل أوله سورة البقرة بداهة حتى يستقيم العد إلى البدء بسورة "ق" في الحزب السابع، إلى أن قال: أما التجزئة الحديثة المشهورة الآن بين الناس، المثبتة في المصاحف إلى ثلاثين جزءًا فإنها غير مرادة لابن حبان يقيناَ؛ لأنه يقول هنا بالقول الصريح الواضح: "ولما كانت الأجزاء في القرآن، كل جزء منها يشتمل على سور". ومن البديهي، أن الأجزاء الثلاثين، ليس كل منها يشتمل على سور، بل إن بعض السور الطوال يشتمل على أجزاء. بل إن الأجزاء التي فيها ثلاث سور كاملة فأكثرهي الأجزاء العشرة الأخيرة أي: الثلث الثالث من القرآن فقط.
[ ١ / ١٥٠ ]
الله جل وعلا فإذا أحب أن يعلم آية من القرآن في أي موضع هي صعب عليه ذلك فإذا حفظه صارت الآي كلها نصب عينيه.
وإذا كان عنده هذا الكتاب وهو لا يحفظه ولا يتدبر تقاسيمه وأنواعه وأحب إخراج حديث منه صعب عليه ذلك فإذا رام حفظه أحاط علمه بالكل حتى لا ينخرم منه حديث أصلا وهذا هو الحيلة التي احتلنا ليحفظ الناس السنن ولئلا يعرجوا على الكتبة والجمع١إلا عند الحاجة دون الحفظ له أو العلم به.
_________________
(١) ١ في نسخة دار الكتب "والوضع".
[ ١ / ١٥١ ]