وتعمق آخرون في النظر وزعموا أنهم يريدون تصحيح التوحيد بنفي التشبيه عن الخالق فأبطلوا الصفات مثل الحلم والقدرة والجلال والعفو وأشباه ذلك.
فقالوا هو الحليم ولا نقول بحلم، وهو القادر ولا نقول بقدرة، وهو العالم ولا نقول بعلم، كأنهم لم يسمعوا إجماع الناس على أن يقولوا (أسألك عفوك) وأن يقولوا (بعفو بحلم ويعاقب بقدرة) والقدير هو ذو القدرة والعافي هو ذو العفو، والجليل هو ذو الجلال والعليم هو ذو العلم فإن زعموا أن هذا
[ ٣٦ ]
مجاز، قيل لهم ما تقولون في قول القائل: غفر الله لك وعفا عنك وحلم الله عنك أمجاز هو أم حقيقة؟ فإن قالوا مجاز فالله لا يغفر لأحد ولا يعفو عن أحد ولا يحلم عن أحد على الحقيقة. ولن يركبوا هذه. وإن قالوا هو حقيقة فقد وجب في المصدر ما وجب في الصدر لأنا نقول غفر الله مغفرة وعفا عفوًا وحلم حلمًا فمن المحال أن يكون واحد حقيقة والآخر مجازًا وقال الله: ﴿إن كيدي متين﴾ وأجمع الناس على أن الحول والقوة لله، والحول الحيلة.
وقالوا في (سميع بصير) هما سواء ليس في سميع من المعنى إلا ما في بصير ولا فيهما إلا معنى عليم وقد سمع الله قول اليهود: ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ حين قالوه وعلمه قبل أن يقولوه فهل يجوز لأحد أن يقول إن الله سمعه قبل أن يقولوه وكذلك قول المجادلة في زوجها قد سمع الله جدالها وسمع محاورتها للنبي ﷺ حين جادلته وحاورته وعلمه قبل أن تجادل وتحاور به فهل لأحد أن يقول إن الله قد سمعه قبل أن يكون وإذا لم يجز ذلك فقد علم أن في سميع معنى غير معنى عليم والله يقول: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ .
[ ٣٧ ]