قال محمد بن سيرين (٣٣ هـ -١١٠ هـ): "كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد، ليأخذوا حديث أهل السنة ويدعوا حديث أهل البدع، فإن القوم كانوا أصحاب حفظ وإتقان، ورُبَّ رجل -وإن كان صالحًا- لا يقيم الشهادة ولا يحفظها".
وهو يُحدّث عن الماضي، وفيه ردٌّ على كل من يدعي أن ابتداء الإسناد كان في القرن الثاني، والمراد بالفتنة هي: ما وقع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان في النصف الأول من القرن الأول، لأنها فرّقت الأمة إلى فرقتين أهل السنة وأهل البدعة، فكان من الواجب بعد ذلك، النظرُ في كل راوٍ من حيث القبول
[ ١ / ٣٤ ]
والرد، والمحدثون لم يألوا جهدا في ذلك.
قال البيهقي ﵀: "ومن أمعن النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة وما يُقبل من الأخبار، وما يُردّ، عَلِمَ أنهم لم يألوا جهدًا في ذلك حتى كان الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب ردّ خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، ولا تمنعه في ذلك شجنة رحمٍ، ولا صلة مالٍ" (^١).
وقد قيل ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون الذين تركت حديثهم خصماءك عند اللَّه؟ فقال: "لأن يكون هولاء خصمائي عند اللَّه أحبّ إليّ من أن يكون خصمي رسول اللَّه -ﷺ- يقول: لم حدّثت عني حديثا ترى أنه كذب؟ ".
لأن الكذابين ما كانوا يبالون بوضع الإسناد للكلام الحسن، يقول محمد بن سعيد الشامي المصلوب: "إني لأسمع الكلمة الحسنة، فلا أرى بأسا أن أُنشيء لها إسنادًا".
قال النسائي: "الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي بخراسان، ومحمد ابن سعيد بالشام".
وكان المحدثون بالمرصاد للكذابين، فكشفوا أمرهم، وكان شعبة ﵀ شديدًا على الكذابين، كان يذهب إليهم ويقول لهم: لا تحدّث وإلا استعنت عليك بالسلطان.
ويقال: إن أوَّلَ من كذبَ في حديثِ رسولِ اللَّه -ﷺ- هو عبدُ اللَّه بنُ سبأ اليهوديُّ كما قال الشعبيُّ، وله أتباع يقال لهم: السبائية، معتقدون ألوهية علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم عليٌّ بالنار في ضلالتهم (^٢).
قال عكرمة كما في صحيح البخاري (٦٩٢٢): أُتِيَ عليٌّ بزنَادِقة فأَحْرَقَهُمْ، فبلغَ ذلك ابنَ عبّاس فقال: لو كنتُ أنا لم أُحَرّقْهم لِنهْي رسول اللَّه -ﷺ-، ولقتلتُهم لقولِ رسولِ اللَّه -ﷺ-: "من بدَّلَ دينَهم فَاقْتُلُوهُ".
_________________
(١) مقدمة دلائل النبوة (١/ ٤٧).
(٢) لسان الميزان (٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
[ ١ / ٣٥ ]
وهؤلاء الزنادقةُ مِنْ أتباعِ عبدِ اللَّه بنِ سبأ، وأخبارُ عبدِ اللَّه بنِ سبأ شهيرةٌ في التواريخِ، وهو من غلاةِ الزنادقةِ، وليستْ له روايةٌ في كتبِ الحديثِ. وللَّه الحمد.