بَابُ ذِكْرِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَخْتِمُ عَلَى قُلُوبِ مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ فَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يَسْمَعُونَهُ، وَلَا يُبْصِرُونَهُ، لِأَنَّهُ مَقَتَهُمْ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَعَلَى سَمْعِهِمْ، وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ، فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة
[ ٢ / ٧٠٣ ]
: ٤١]، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا، كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ، كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ
[ ٢ / ٧٠٤ ]
وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٥] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتُدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا، فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وَقَالَ تَعَالَى فِي حم الْجَاثِيَةِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية
[ ٢ / ٧٠٥ ]
: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] وَقَالَ ﷿ فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: جَمِيعُ مَا تَلَوْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ يَدُلُّ الْعُقَلَاءَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ﷿ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِ قَوْمٍ، وَطَبَعَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُرِدْهَا لِعِبَادَتِهِ، وَأَرَادَهَا لِمَعْصَيَتِهِ، فَأَعْمَاهَا عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ تُبْصِرْهُ، وَأَصَمَّهَا عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ تَسْمَعْهُ، وَأَخْزَاهَا وَلَمْ يُطَهِّرْهَا، يَفْعَلُ بِخَلْقِهِ مَا يُرِيدُ لَا يَجُوزُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ؟ فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ، فَقَدْ عَارَضَ اللَّهَ ﷿ فِي فِعْلِهِ، فَضَلَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، ثُمَّ اختصَ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ أَحَبَّ، فَشَرَحَ قُلُوبَهُمْ لِلْإِيمَانِ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀
[ ٢ / ٧٠٦ ]
: اعْقِلُوا يَا مُسْلِمَيْنِ مَا يُخَاطِبُكُمُ اللَّهُ ﷿ بِهِ يُعَلِّمُكُمْ أَنِّي مَالِكٌ لِلْعِبَادِ، أَخْتَصُّ مِنْهُمْ مَنْ أُرِيدُ، فَأُطَهِّرُ قَلْبَهُ، وَأَشْرَحُ صَدْرَهُ، وَأُزَيِّنُ لَهُ طَاعَتِي، وَأُكَرِّهُ إِلَيْهِ مَعْصِيَتِي، لَا لِيَدٍ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ إِلَيَّ، أَنَا الْغَنِيُّ عَنْ عِبَادِي، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَيَّ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] وَالْمِنَّةُ لِلَّهِ ﷿ عَلَى مَنْ هَدَاهُ لِلْإِيمَانِ، أَلَمْ تَسْمَعُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى قَوْلِ مَوْلَاكُمُ الْكَرِيمِ حِينَ امْتَنَّ قَوْمٌ بِإِسْلَامِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]
[ ٢ / ٧٠٧ ]