بَابُ ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَسُوءِ مَذَاهِبِهِمْ، وَإِبَاحَةِ قِتَالِهِمْ وَثَوَابِ مَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْخَوَارِجَ قَوْمُ سُوءٍ عُصَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَإِنْ صَلَّوْا وَصَامُوا، وَاجْتَهَدُوا فِي الْعِبَادَةِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَهُمْ، نَعَمْ ، وَيُظْهِرُونَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى مَا يَهْوُونَ، وَيُمَوِّهُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَحَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ، وَحَذَّرَنَاهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ، وَحَذَّرَنَاهُمُ الصَّحَابَةُ ﵃ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَالْخَوَارِجُ هُمُ الشُّرَاةُ الْأَنْجَاسُ الْأَرْجَاسُ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ
[ ١ / ٣٢٥ ]
سَائِرِ الْخَوَارِجِ يَتَوَارَثُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَيَخْرُجُونَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَيَسْتَحِلُّونَ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَوَّلُ قَرْنٍ طَلَعَ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هُوَ رَجُلٌ طَعَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، فَمَا أَرَاكَ تَعْدِلُ، فَقَالَ ﷺ: «وَيْلَكَ، فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟» فَأَرَادَ عُمَرُ ﵁ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قَتْلِهِ وَأَخْبَرَ: «أَنَّ هَذَا وَأَصْحَابًا لَهُ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنَ
[ ١ / ٣٢٦ ]
الدِّينِ» وَأَمَرَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ بِقِتَالِهِمْ، وَبَيَّنَ فَضْلَ مَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى، وَاجْتَمَعُوا وَأَظْهَرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَقَتَلُوا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، وَقَدِ اجْتَهَدَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي أَنْ لَا يُقْتَلَ عُثْمَانُ، فَمَا أَطَاقُوا عَلَى ذَلِكَ ﵃ ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَلَمْ يَرْضَوْا لِحُكْمِهِ، وَأَظْهَرُوا قَوْلَهُمْ وَقَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: كَلِمَةُ حَقٍّ أَرَادُوا بِهَا الْبَاطِلَ، فَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ ﵁ فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَتْلِهِمْ، وَأَخْبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِفَضْلِ مَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ، وَقَاتَلَ مَعَهُ الصَّحَابَةُ فَصَارَ سَيْفُ عَلِيٍّ ﵁ فِي الْخَوَارِجِ سَيْفَ حَقٍّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ
[ ١ / ٣٢٧ ]