فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَقْيِسَةِ " حكَى لَنَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ نَاصرُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعُمَرِيُّ ﵀ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ عَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي الطِّيبِ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ فِي جُمْلَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ: مَا يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ إِذَا خَلَفَهُ إِمَامُهُ يَلْزَمُهُ إِذَا كَانَ خَلْفَ إِمَامِهِ كَأَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَمَا يَكُونُ فَرْضُهُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ لَمْ يَسْقُطْ جَمِيعُهُ عَنِ الْمُقْتَدِي بِالْإِمَامِ كَأَعْمَالِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ مَا يَلْزَمُ الْمَسْبُوقَ مِنْ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي يَلْحَقُ فِيهَا إِمَامَهُ رَاكِعًا يَلْزَمُهُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا قِيَاسًا لِمَنْ أَدْرَكَ إِمَامَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِمَنْ أَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهَا وَلِأَنَّ إِصَابَةَ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَدَرْكَ مَوْقِعِهَا لَا تَسْقِطُ فَرِيضَةَ الْقِرَاءَةِ فِي مَوْضِعَهَا بِدَلِيلِ الْمَسْبُوقِ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ، وَلِأَنَّ فَرِيضَةَ الْقِرَاءَةِ لَا تَسْقُطُ عَنْ رُكْنِ الْجَمَاعَةِ وَعَنْ رُكْنِ الْجُمُعَةِ جُمْلَةً بِدَلِيلِ الْإِمَامِ، وَلِلْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْرُفٌ مِنْهَا: إِنْ قَالُوا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ أَدْرَكَ مَحِلَّهُ مَعَ الْإِمَامِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ فَرَضُهُ بِالِائْتِمَامِ كَالُّرُكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَلِأَنَّ كُلَّ
[ ٢١٩ ]
مَنْ لَزِمَتْهُ الْقِرَاءَةُ إِذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا جَازَ أَنْ يَلْزَمَهُ إِذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ لَزِمَتْهُ إِذَا صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ كَالْإِمَامِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَعَرَّتْ صَلَاتُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا قِيَاسًا عَلَى الْمُنْفَرِدِ إِذَا صَلَّى بِلَا قِرَاءَةٍ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمْكَانِ كَالتَّكْبِيرِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ذِكْرٌ مِنْ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ الْمَأْمُومُ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ﵀ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ لَهُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَنْتُمْ أَنْ لَا يَتَحمَّلَ الْإِمَامُ فَرْضًا عَنِ الْقَوْمِ، ثُمَّ قُلْتُمُ: الْقِرَاءَةُ فَرِيضَةٌ وَيَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ هَذَا الْفَرْضَ عَنِ الْقَوْمِ فِيمَا جَهَرَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ، وَلَا يَتَحمَّلُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنَ السُّنَنِ نَحْوَ الثَّنَاءِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحِيَّةِ، فَجَعَلْتُمُ الْفَرْضَ أَهْوَنَ مِنَ التَّطَوُّعِ، وَالْقِيَاسُ عِنْدَكَ أَنْ لَا يُقَاسَ الْفَرْضُ بِالتَّطَوُّعِ وَأَنْ لَا يُجْعَلَ الْفَرْضُ أَهْوَنَ مِنَ التَّطَوُّعِ وَأَنْ يُقَاسَ الْفَرْضُ أَوِ الْفَرَعُ بِالْفَرْضِ إِذَا كَانَ مِنْ نَحْوِهِ، فَلَوْ قِسَتَ الْقِرَاءَةَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ إِذْ كَانَ كُلُّهَا فَرْضًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي فَرْضٍ مِنْهَما كَانَ أَوْلَى عِنْدَ مَنْ يرَى الْقِيَاسَ أَنْ يَقِيسَ الْفَرْضَ أَوِ الْفَرَعَ بِالْفَرْضِ قَاَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: وَلَا يَدْخُلُ عَلَى قَوْلِهِ: إِذَا أَدْرَكَ إِمَامَهُ رَاكِعًا فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَصِيرُ بِإِدْرَاكِهِ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ حتَّى يُدْرِكَ الْقِيَامَ وَيَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يُجْزِئُهُ حتَّى يُدْرِكَ الْإِمَامَ قَائِمًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ رُكُوعًا لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ: لَا يَرْكَعْ أَحَدُكُمْ حتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، قَالَ: فَمَنْ فَاتَهُ فَرَضُ
[ ٢٢٠ ]
الْقِرَاءَةِ وَالْقِيَامِ فَعَلَيْهِ إِتْمَامُهُ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَّفَّ الْبُخَارِيُّ ﵀ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ فِي إِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ﵀ يَقُولُ: سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الضُّبَعِيَّ ﵀ يُفْتِي فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ﵀ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ مَا رَوَيْنَا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَرَوَيْنَا فِيهِ مِنَ الْمُرْسَلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يَدْخُلُ سُقُوطُ الْقِرَاءَةِ عَنِ الْمَأْمُومِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ عَلَى مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ وَرَدَ بِهَا الشَّرْعُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ ﵀، وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعٌ لَكَانَ هَذَا الْمُدْرِكُ لِلرُّكُوعِ مُسْتَثْنًى مِنَ الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ فِيهِ، وَلَأَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَالْقَدَرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ مِنَ الْقِيَامِ لِلتَّكْبِيرِ لَيْسَ هُوَ بِالْقِيَامِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ الْإِمَامُ لَا يَتَحمَّلُ عَنْهُ الْقِيَامَ عِنْدَ إِدْرَاكِهِ وَكَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ وَلَا يَتَحمَّلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِذَا أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعُ فَلَمْ يُدْرِكْ مَحِلَّ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْقِرَاءَةُ، وَإِذَا أَدْرَكَهُ فِي الْقِيَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ مَحِلَّ الْقِرَاءَةِ فَلَزِمْتُهُ الْقِرَاءَةُ وَقَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَقَاءَ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَلِّينَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ كَلَامُ مَنْ لَا يَعْقِلُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ صَارَ مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَعَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَمَنَ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَأَحْرَمَ وَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ وَقَعَدَ مَعَهُ ثُمَّ حِينَ سَلَّمَ قَامَ لِقَضَاءِ صَلَاتِهِ فَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ بَاقٍ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ وَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ﷺ، ثُمَّ الْجَمَاعَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ سَنَةً أَوْ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَالْقِرَاءَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِمَا هُوَ دُونَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَأْمُومَ يُشَارِكُ الْإِمَامَ فِي سَائِرِ أَذْكَارِ
[ ٢٢١ ]
الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا وَالْجَمَاعَةُ لَا تُؤْثَرُ فِيهَا كَذَلِكَ يُشَارِكُهُ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَالْجَمَاعَةُ لَا تُؤْثَرُ فِي أَصْلِهَا عِنْدَ إِدْرَاكَ مَحِلِّهَا، وَقَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ حَالَةَ الْجَمَاعَةِ وَالِانْفِرَادِ إِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ بِسُقُوطِ الْقِرَاءَةِ عَنِ الْمَأْمُومِ فَقَطْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ بِنِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ ثُمَّ بِائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالْإِمَامِ وَمُرَاعَاةِ تَرْتِيبِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَسَائِرِ أَذْكَارِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا، ثُمَّ بِتَرْكِ الْمَأْمُومِ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ وَقِرَاءَةَ السُّورَةِ وَالْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ إِذَا أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَسُجُودِ السَّهْوِ وَحِفْظِ عَدَدِ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ إِذَا أَثَّرَ اقْتِدَاءً بِالْإِمَامِ فِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ وَلَا يُؤَثِّرَانِ فِي أَصْلَهَا، وَلِأَنَّ عِنْدَهُمْ سَنَةَ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ الْإِسْرُارُ بِهَا فَالْجَمَاعَةِ لَمْ تُؤَثِّرْ وَإِنَّمَا أَثَّرَتْ عِنْدَنَا فِي صِفَتِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّي جَهْرُهُ بِهَا إِلَى مُنَازَعَةِ الْإِمَامِ وَمُخَالَجَتِهَ، وَلَيْسَ كالْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَاحِدٌ وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي الْمَأْمُومِينَ كَثْرَةٌ فَجَهْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ يُؤَدِّي إِلَى مُنَازَعَةِ الْإِمَامِ وَمنَازَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ سَنَةٌ وَهَيْئَةٌ وَلَيْسَ بِفَرِيضَةٍ فَجَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا الْإِمَامُ عَنْهُ دُونَ الْفَرِيضَةِ كَمَا يَتَحمَّلُ عَنْهُ سُجُودَ السَّهْوِ الَّذِي هُوَ سَنَةٌ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ، فَإِنْ قَاسُوا عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ قُلْنَا: سُجُودُ السَّهْوِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَمُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فَرْضٌ وَالْقِرَاءَةُ وَاجِبَةٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا عِنْدَ الْإِمْكَانِ كَمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَكَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ يَلْزَمُهُ سُجُودُ سَهْوِ نَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَتَحمَّلَ عَنْهُ سُجُودَ سَهْوِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قِرَاءَةٌ لَا يَلْزَمُهُ حتَّى يَتَحَمَّلَ عَنْهُ قِرَاءَةٌ يَلْزَمُهُ وَإِنْ قَاسُوا عَلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ، قُلْنَا: الْمَأْمُومُ يَقْرَأُ السُّورَةَ خَلْفَ إِمَامِهِ فِي أَحَدِ الْجَوَابَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَقْرَأُ فَلِأَنَّ الْإِمَامةَ تُؤَثِّرُ فِي سُنَّةِ الِانْفِرَادِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي فَرِيضَةِ الِانْفِرَادِ كَمَا تُؤَثِّرُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِي سُجُودِ الْأَصْلِ وَإِمَامَةُ الْأُمِّيِّ لِلْقَارِئِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهَا فَلِنَقْصِهِ لَا لِعَدَمِ تَحَمُّلِهِ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ، فَهُوَ كَنَقْصِ الْأُنُوثَةِ، وَكَمَا قَالُوا فِي اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْمُومِي، وَاللَّابِسِ بِالْعَارِي، وَإِنْ كَانَا لَا يَتَحَمَّلَانِ عَنِ الْمَأْمُومِ قِيَامًا وَلَا لِبَاسًا، وَلَأَنَّ الْقَارِئَ إِذَا اقْتَدَى بِالْأُمِّيِّ فَإِنَّ صَلَاةَ الْأُمِّيِّ أَيْضًا عِنْدَهُمْ وَإِنْ كَانَ
[ ٢٢٢ ]
لَا يُتَصَوَّرُ تَحَمُّلُ الْمَأْمُومِ عَنِ الْإِمَامِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنْ قَالُوا: الْقِرَاءَةُ ذِكْرٌ مُمْتَدٌّ جُعِلَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، قِيلَ: الْقِرَاءَةُ عِنْدَكُمْ لَيْسَتْ بِذِكْرٍ مُمْتَدٍّ لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مِنْهَا آيَةٌ وَكَذَلِكَ الْخُطْبَةُ غَيْرُ مُمْتَدَّةٍ عِنْدَكُمْ لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مِنْهَا تَسْبِيحٌ أَوْ تَحْمِيدٌ فَالْوَصْفُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا وَإِنْ تَرَكُوهُ بَطُلَتِ الْعِلَّةُ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، ثُمَّ الْخُطْبَةُ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَالْقِرَاءَةُ تَجِبُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ فَوَجَبَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَلَأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يُشَارِكُ الْإِمَامَ فِي أَفْعَالِ الْخُطْبَةِ فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي أَذْكَارِهَا، وَالصَّلَاةُ يُشَارِكُ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي أَفْعَالِهَا مِنَ الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي أَذْكَارِهَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَإِنْ قَالُوا: الْوَفْدُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى السُّلْطَانِ تَكَلَّمَ أَحَدُهُمْ، قِيلَ: بَاطِلٌ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ وَسَائِرِ أَذْكَارِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ وَالْآدَمِيُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَالِاحْتِيَاطُ لِأَمْرِ الصَّلَاةِ مَعَ مَنْ يُوجِبُ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَهَا أَوْجَبَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا إِعَادَةَ الصَّلَاةِ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا لَا يُوجِبُ عَلَى مَنْ قَرَأَ إِعَادَتِهَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِرَاءَةِ الْوُجُوبُ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِها عَلَى الْمَأْمُومِ بَنَى عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ قَالَ بِسُقُوطِهَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ لِلنِّيَابَةِ وَالتَّحَمُّلِ فَمَنْ قَالَ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا أَنَّهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ خَالَفَ بِهِ أَصْلَ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْآخَرُ يَقْبَلُهَا كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ فَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ أَشْبَهُ لِأَنَّهَا إِلَيْهِمَا أَقْرَبُ وَلِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْمَالِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا لِلنِّيَابَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ لِدُخُولِ الْمَالِ فِيهِ، ثُمَّ الْعِبَادَةُ الَّتِي لِلنِّيَابَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ يَفْعَلُهَا الْغِيَرُ فَتَكُونُ الْعِبَادَةُ عَنِ الْمَفْعَولِ عَنْهُ لَا عَنِ الْفَاعِلِ وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ الْقِرَاءَةَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْقَارِئ وَالْمَأْمُومِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُصُولِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
[ ٢٢٣ ]