ذكر الحاكم في مقدمة كتاب "المستدرك" أنه في استدراكه على الشيخين لا ينظر إلى كون الحديث يشتمل على ما قد يُعِلَّه به غيره، وهو مما ثار حوله الجدل بين العلماء، حيث قال: وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها،
_________________
(١) "السنن الكبرى" ٤/ ١٠٥.
(٢) وللمزيد في هذه المسألة انظر تعليق حسام الدين القدسي في "شروط الأئمة الخمسة" ص ٣١.
[ ١ / ١١٧ ]
أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتجُّ محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما، وقد خَرَّج جماعةٌ من علماء عصرهما ومن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها وهي معلولةٌ، وقد جهدتُ في الذَّب عنهما في "المدخل إلى الصحيح" بما رَضِيَه أهلُ الصَّنْعة، وأنا أستعينُ الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام: أنَّ الزيادة في الأسانيد والمتون من الثّقات مقبولة.
هكذا قال الحاكم في مقدمة كتاب "المستدرك"!! ولا يُسلَّم له أولًا ما ادعاه من كون الشيخين قد صححا ما له عِلّةٌ، بحجة أن علماء عصرهما ومن بعدهما قد بينوا علل بعض تلك الأحاديث التي صححاها، فكأن الحاكم جعل قول من نازع الشيخين في ذلك مُسلَّمًا، مع أن أكثر ذلك مما رُجح فيه قولهما، كما بين ذلك جماعة من العلماء، منهم ابن حجر في مقدمة شرحه على البخاري، والإمام النووي في شرحه على مقدمة "صحيح" مسلم.
ثم إنه في كتابه "المدخل إلى الصحيح" كان ذبه عن الشيخين قاصرًا على ذكر الرواة الذين عِيبَ على الشيخين إخراجُ حديثهم، فردَّ بأنهما إنما أخرجا لهم في المتابعات والشواهد ومقرونين بآخرين وفي التعاليق، لا في الأصول، ولم يذكر فيه ذبَّه عن الأحاديث التي أعلها بعض علماء عصرهما ومن بعدهما بأي من أوجه الإعلال مما ليس للجرح فيها مدخلٌ، وقد ذهب الحاكم نفسه إلى أن الحديث إنما يُعلَّ من أوجه ليس للجَرْح فيها مدخلٌ، فما باله غيّر رأيه هنا في مقدمة "المستدرك" ليجعل الجَرحَ في الرواة من أوجه العلل؟! وكأنه تغيَّر اجتهاده في ذلك الأمر، ليدخل جَرحَ الرواة في أبواب العلل.
ثم ترخَّص الحاكم أكثر بأن جعل كل ما قد يُعَلُّ به الحديث من غير جرح الرواة مما فيه تعارض بزيادة ونقصان؛ من وقفِ مرفوع أو إرسال موصول أو تفرُّدٍ
[ ١ / ١١٨ ]
بزيادةٍ، أن الحُكمَ فيه للزائد ما دام ثقةً، ولذلك ختم كلامه في مقدمته تلك بقوله: شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام: أنَّ الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة (^١).
ولهذا -مثلًا- بعد أن أسند حديث أبي أيوب عن رسول الله ﷺ: "الوتر حق"، قال: لستُ أشكُ أن الشيخين تركا هذا الحديث لتوقيف بعض أصحاب الزهري إياه، هذا مما لا يُعلّل مثل هذا الحديث، والله أعلم (^٢).
قال ابن حجر: وجزم ابن حبان والحاكم وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقًا في سائر الأحوال، سواء اتحد المجلس أو تعدّد، سواء أكثر الساكتون أو تساووا، وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيي الدين النووي في مصنفاته، وفيه نظر كثير؛ لأنه يَرِدُ عليهم الحديثُ الذي يَتَّحِد مَخرَجُه، فيرويه جماعة من الحفّاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادةٍ تخالف ما رووه، إما في المتن وإما في الإسناد، فكيف تُقبَل زيادته، وقد خالفه من لا يَعْفُل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يُجمع حديثه ويُعتنى بمروياته، كالزهري وأضرابه، بحيث يُقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها، ولما تَطابَقُوا على تركها (^٣).
وقال صدّيق حسن خان: جُلُّ ما تفرد به "المستدرك" كالموكى عليه المخفي مكانه في زمن مشايخ الشيخين، وإن اشتهر أمره من بعد أو ما اختلف المحدثون في رجاله فالشيخان كأساتذتهما، كانا يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك حتى يتضح الحال، والحاكم يعتمد في الأكثر [على قواعد] مخرَّجة من صنائعهم، كقوله: زيادة الثقات مقبولة، وإذا اختلف الناس في
_________________
(١) انظر مثال ذلك عند الحاكم في الأحاديث: (١٥٨ - ١٦٠) و(١٦١ - ١٦٢) و(٥٠٠٦).
(٢) "المستدرك" (١١٤٧).
(٣) "النكت على ابن الصلاح" ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨.
[ ١ / ١١٩ ]
الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك فالذي حفظ الزيادةَ حُجّةٌ على مَن لم يحفظ، والحق أنه كثيرًا ما يدخل الخلل في الحفاظ مِن قِبَل رفع الموقوف ووصل المنقطع، لا سيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع وتنويههم به، فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله الحاكم، والله أعلم (^١).