هذا هو الاسم الذي يُعرف به الكتاب، وكذلك سماه تلميذه أبو حازم العبدوي لما سرد مؤلفات الحاكم (^١)، وكذلك سماه البيهقي في عددٍ من أسانيده مما يرويه عن أبي عبد الله الحاكم، فيقول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في كتاب "المستدرك" (^٢).
يعد كتاب "المستدرك" كما قدمنا ديوانًا مهمًا من دواوين السنة النبوية المطهرة التي لا يمكن لأهل الحديث الاستغناء عنها بحال من الأحوال، لما يشتمل عليه من نفائس الروايات التي لا تكاد تجدها في غيره، وفيها من الفوائد ما لا يخفى على كل ذي بصيرة بهذا الفن، ذلك أن الأئمة الذين تقدموه ممن صنف في الصحيح لم يَستوعبوا الروايات الصحيحة، كما صرحوا بذلك هم أنفسهم.
فقد قال البخاري: ما أدخلتُ في هذا الكتاب إلا ما صح، وتركتُ من الصحاح كي لا يطول الكتاب (^٣).
ولما اعترض على الإمام مسلم بأنه ترك باقي الصحيح، اعتذر قائلًا: إنما قلتُ: صحاحٌ، ولم أقل: ما لم أخرجه ضعيفٌ، وإنما أخرجتُ هذا من الصحيح، ليكون
_________________
(١) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨.
(٢) انظر مثال ذلك "السنن الكبرى" ٢/ ٢٨١ و٣١٨ و٣/ ٣٥٥.
(٣) أسنده عنه ابن عدي في "أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه" ص ٦٢.
[ ١ / ١٠٥ ]
مجموعًا لمن يكتبُه (^١).
وفي هذين القولين ردٌّ على ما قاله أبو عبد الله بن الأخْرَم، حيث ذكر كلامًا معناه: قَلَّ ما يفوتُ البخاريَّ ومسلمًا مما يثبت من الحديث (^٢).
وقد ظهر جليًّا في الواقع التطبيقي أيضًا أن في غير "الصحيحين" زيادة عليهما من الأحاديث والروايات الصحيحة الشيء الكثير، فقد صنف في الصحيح جماعة جاؤوا بعد البخاري ومسلم، كابن الجارود وابن خزيمة وابن السكن وابن حبّان وغيرهم، فزادوا على ما ذكره الشيخان أحاديث أخرى، ثم جاء الدارقطني ليلزم الشيخين إخراج أحاديث تركاها مع أنها على شرطهما في كتاب سماه "الإلزامات"، وصنيع الدارقطني هذا -وإن كان محل نظر عند علماء هذه الصناعة، لكون الشيخين قد نَصا كما تقدم على عدم استيعاب الصحيح أصلًا- يفيدنا بأنه يوجد على شرطهما أحاديثُ زيادة على ما في "صحيحيهما"، وكذلك الحال في صنيع الحاكم في "المستدرك على الشيخين" - مع كونه مُتعقّبًا عليه من هذه الحيثية بنحو ما تُعقب به على الدارقطني - يفيدنا أيضًا بوجود زيادة على ما في "الصحيحين" من الأحاديث الصحاح.
وذهب ابن الصلاح إلى تقرير هذا الأمر مبينًا إياه أحسن بيان، فقال: إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشهورة لأئمة الحديث، كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النسائي، وأبي بكر بن خزيمة، وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم؛ منصوصًا على صحته فيها، ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودًا في كتاب أبي داود، وكتاب الترمذي، وكتاب النسائي، وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره.
_________________
(١) نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٥٧١.
(٢) أسنده عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٨/ ٩١.
[ ١ / ١٠٦ ]
ويكفي مجرد كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه، ككتاب ابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المُخرَّجة على كتاب البخاري وكتاب مسلم، ككتاب أبي عوانة الإسفراييني، وكتاب أبي بكر الإسماعيلي، وكتاب أبي بكر البرقاني، وغيرها، من تتمةٍ لمحذوف، أو زيادة شرح في كثير من أحاديث "الصحيحين" (^١).
وينطبق مثلُ ذلك أيضًا على كتاب "المستدرك"، فقد قال ابن الصلاح: "المستدرك على الصحيحين" للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير، يشتمل مما فاتهما على شيء كثير، وإن يكن عليه في بعضه مقال، فإنه يصفو له منه صحيحٌ كثيرٌ (^٢).
وقد أكد على ذلك ابن حجر العسقلاني، حيث قال: إن كتاب "المستدرك" للحاكم كتاب كبير جدًا، يصفو له منه صحيح كثيرٌ زائدٌ على ما في "الصحيحين"، وهو مع حرصه على جمع الصحيح الزائد على "الصحيحين" واسع الحفظ، كثير الاطلاع، غزير الرواية، فيبعد كل البعد أن يوجد حديثٌ بشرط الصحة لم يُخرّجه في "مستدركه" (^٣).
لكن خالف في ذلك النووي، فقال: إن الحاكم اعتنى بضبط الزائد عليهما، وهو متساهل، فما صححه ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا، حكمنا بأنه حسن إلَّا أن يظهر فيه علةٌ توجب ضعفه (^٤).
وهذا الإطلاق من النووي بالاكتفاء بالحكم بحُسن ما صححه الحاكم مما لم يسبقه غيره إلى ذلك مع كونه ليس فيه علةٌ تُوجب ضعفه، فيه مجازفة وإسراف، وذلك أن جملةً لا بأس بها من الأحاديث مما صححه الحاكم يبلغ درجة الصحة
_________________
(١) "مقدمة ابن الصلاح" ص ٢١.
(٢) المصدر السابق ص ٢٠.
(٣) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٢٧٢.
(٤) انظر "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" ١/ ١١١.
[ ١ / ١٠٧ ]
العليا حقيقةً.
وعلى فرض أن كثيرًا منها يبلغ درجة الحسن وحسب، فليس ذلك بمعارض لتصحيح الحاكم لها، وذلك لأن الحاكم لا يجعل الحَسنَ قَسيمًا للصحيح أصلًا، ولكنه يجعله من قسم الصحيح، قال ابن الصلاح: من أهل الحديث من لا يُفرد نوع الحسن ويجعله مندرجًا في أنواع الصحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يُحتجُّ به، وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرُّفاته (^١). قلنا: وهذا ما ظهر لنا لدى عملنا في الكتاب، بخلاف النووي فإنه - كما هو معلوم - ممن يذهب إلى التفريق بين الحسن والصحيح (^٢).
وقال محمد بن جعفر الكتّاني: ومذهب الحاكم إدراج الحسن في الصحيح، لكن هذا كله اصطلاح له ولا مشاحّة فيه (^٣).
وأقرب بُرهان على كون الحاكم لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويحكم على الكل بالصحة: أنه صحح أسانيد عدة أحاديث، ثم أعقبها بالحكم على بعض رواتها بوصف "صدوق"، لدفع توهُّم ما قد يُتوهّم من ضعف ذلك الراوي، مع أن الصدوق في اصطلاح المتأخرين من المُحدِّثين حديثه حَسنُ لا صَحيحُ، والمُطالع لكتاب "المستدرك" يجد مصداق هذا الذي قلناه. نعم، هو يُفرّق بين ما كان على شرطهما أو أحدهما وبين ما يصحح إسناده مطلقًا مما فيه رجلٌ صدوق، كما يشهد بذلك قوله بإثر حديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي إسناده عمر ابن الحسن، وأرجو أنه صدوق، ولولا ذلك لحكمتُ بصحته على شرط الشيخين.
_________________
(١) "مقدمة ابن الصلاح" ص ١١٠.
(٢) فقد فرّق في كتابه في علوم الحديث -وهو "التقريب"- بين النوعين، ثم ختم ذلك بقوله: ثم الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجَتْه طائفةٌ في نوع الصحيح. انظر "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" ١/ ١٧١.
(٣) "الرسالة المستطرفة" ص ٢٢ - ٢٣.
[ ١ / ١٠٨ ]
وقوله في حديث آخر: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأبو عثمان هذا هو مولى المغيرة، وليس بالنَّهدي، ولو كان النَّهديَّ لحكمتُ بصحته على شرط الشيخين.
وفي هذا حجةٌ على النووي أيضًا فيما يقتضيه كلامه من أنه ليس فيما صححه الحاكم حديث على شرطهما أو أحدهما، بل الصحيح أن في "المستدرك" أحاديثَ على شرط الشيخين، وأخرى على شرط أحدهما، فعنده من الصحيح زيادةٌ على ما في "الصحيحين" بشرطهما أو شرط أحدهما حقيقةً، كما يفيده كلام ابن الصلاح وابن حجر اللذين قدمناهما، وبنحو قولهما قول الذهبي أيضًا في مقالته الآتي ذكرها في الرد على الماليني، وكلام هؤلاء في هذا الباب أوثق وأقوم، لأنهم في هذا العلم أقعد وأكثر درايةً وتحقيقًا من النووي، كما هو معلوم لدى العارفين بهذه الصناعة.
ثم وقفنا على عبارة لابن الصلاح قريبة من عبارة النووي التي قدمناها، فكأن النووي قد أخذها منه، ثم صاغها بما يتفق مع وجهته التي ولاها، فاختصر بعض حروف عبارة ابن الصلاح، فإن ابن الصلاح قال في كلامه عن الحاكم: وهو واسعُ الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأولى أن تتوسط في أمره، فنقول: ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن، يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه. انتهى، وعبارة ابن الصلاح هذه هي الأقربُ والأليق بحال تصحيح الحاكم، إذ مقتضى كلامه إثبات وجود الصحيح والحسن في أحاديث الحاكم، وهذا هو التحقيق.
وقد ذهب أبو سعد الماليني في حكمه على أحاديث "المستدرك" إلى أبعد مما ذهب إليه النووي، حيث قال: طالعتُ كتاب "المستدرك على الشيخين" الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أرَ فيه حديثًا على شرطهما (^١).
فردَّ عليه الذهبي بقوله: هذه مُكابَرَةٌ وغُلُوُّ، وليست رتبه أبي سعد أن يَحكُم
_________________
(١) أسنده عنه محمد بن طاهر المقدسي في "المنثور من الحكايات والسؤالات" (٨).
[ ١ / ١٠٩ ]
بهذا، بل في "المستدرك" شيءٌ كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقلُّ، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها عللٌ خَفيّة مُؤثّرة، وقطعةٌ من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مَناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردتُ منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماءٌ، وبكل حالٍ فهو كتابٌ مفيدٌ قد اختصرته، ويُعوز عملًا وتحريرًا (^١).
وقد أورد ابن حجر كلام الذهبي هذا في الرد على الماليني، ثم قال: وهو كلام مجمل يحتاج إلى إيضاح وتبيين، من الإيضاح أنه ليس جميعه كما قال، فنقول: ينقسم "المستدرك" أقسامًا، كل قسم منها يمكن تقسيمه:
الأول: أن يكون إسنادُ الحديث الذي يُخرجه محتجًا برواته في "الصحيحين" أو أحدهما على صورة الاجتماع، سالمًا من العلل، واحترزنا بقولنا: على صورة الاجتماع، عما احتجا برواته على صورة الانفراد، كسفيان بن حسين عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ لأنَّ سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه، فإذا وُجِد حديث من روايته عن الزهري لا يُقال: على شرط الشيخين؛ لأنهما احتجا بكل منهما، بل لا يكون على
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٦. وعبارة الذهبي هنا أضبط من عبارته التي قالها في "تاريخ الإسلام"، ٩/ ٩٨ - ٩٩، حيث قال: في هذا "المستدرك" جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء أو له علةٌ، وما بقي وهو نحو الربع، فهو مناكير وواهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات، قد أعلمتُ لما اختصرت هذا "المستدرك"، ونبّهتُ على ذلك. لأنَّ كتاب "السير" من آخر مصنفات الحافظ الذهبي، أي: بعد أن خاض غمار دراسة الحديث ورجاله، وأمضى سنين طويلة من البحث والتحقيق والمراجعة، ولهذا فإن تقريراته فيه وتحقيقاته لا شك أنها أضبط مما في كتبه السابقة، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ١١٠ ]
شرطهما إلَّا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع.
وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كلٌّ منهما برجل منه، ولم يحتج بآخَرَ منه، كالحديث الذي يروى من طريق شعبة مثلًا سماك عن بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فإن مسلمًا احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما، فلا يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرّح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره.
واحترزتُ بقولي: أن يكون سالمًا من العلل، بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلا أن فيهم من وصف بالتدليس، أو اختلط في آخر عمره، فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدرّسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط، فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلّس قد عنعنه، أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه، بأنه على شرطهما، وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه، إلا إذا صرّح المدلس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما، ولا يوجد في "المستدرك" حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرًا أو أصلًا إلا القليل (^١).
نعم، وفيه جملة مُستكثَرةٌ بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهمًا في ذلك ظنًا أنهما لم يخرجاها.
القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج، بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا بغيره، ويلحق بذلك ما
_________________
(١) سيذكر الحافظ ابن حجر في آخر كلامه المنقول عنه أن الذي يَسلَم من "المستدرك" على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حرّره دون الألف حديث. فهذا تفسير مراده هنا بالقليل.
[ ١ / ١١١ ]
إذا أخرجا لرجل وتجنّبا ما تفرّد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ما لم ينفرد به، فلا يَحسُن أن يقال: إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعدما تبين له أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلحق أفراده بشرطهما، وقد عقد الحاكم في كتاب "المدخل" بابًا مستقلًا ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم إنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في "المستدرك"، زاعمًا أنها على شرطهما!
ولا شك في نزول أحاديثه عن درجة الصحيح، بل ربما كان فيها الشاذُّ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن، والحاكم وإن كان ممن لا يفرّق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحًا تبعًا لمشايخه، كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان، فإنما يُناقش في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما. وهذا القسم هو عُمدة الكتاب.
القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات، وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويُصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحدٍ منهما، وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم، وكثير منها يُعلّق القول بصحتها على سلامتها من بعض رواتها، كالحديث الذي أخرجه من طريق الليث عن إسحاق بن بزرج عن الحسن بن علي، في التزيين للعيد. قال في إثره لولا جهالة إسحاق لحكمتُ بصحته (^١). وكثير منها لا يتعرّض للكلام عليه أصلًا، ومن هنا دخلت الآفة كثيرًا فيما صححه، وقل أن تَجِدَ في هذا القسم حديثًا يلتحق بدرجة الصحيح، فضلًا عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين، والله أعلم.
ومن العجيب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال
_________________
(١) "المستدرك" (٧٧٥١).
[ ١ / ١١٢ ]
بعد روايته: هذا صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن (^١)، مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء (^٢): عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعةً لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه.
وقال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتُهم قد ظهر عندي جَرحُهم؛ لأن الجرح لا أستحِلُّه تقليدًا. انتهى، فكان هذا من عجائب ما وقع له من التساهل والغفلة، ومن هنا يتبين صحة مقالة ابن الأخرم التي قدمناها، وأن قول المؤلف (يعني به ابن الصلاح): أنه يصفُو له منه صحيح كثيرٌ، غير جيد، بل هو قليل بالنسبة إلى أحاديث الكتابين؛ لأن المكرر يقرب من ستة آلاف، والذي يسلم من "المستدرك" على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حرّرناه دون الألف، فهو قليل بالنسبة إلى ما في الكتابين، والله أعلم (^٣).
كذا قال الحافظ ابن حجر، وفي بعض تفاصيله التي ذكرها مناقشات:
١ - فاعتراضه في شأن التصحيح على شرط الشيخين أو أحدهما يدور -كما هو واضح- على كون الرجال الذين يصحح الحاكم أحاديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، هم أعيانهم رجال الشيخين، وذلك مبنيٌّ على ما فهمه بعض العلماء، ومنهم ابن حجر، من مراد الحاكم في قوله الذي ذكره في مقدمة "المستدرك": أنه يذكر فيه أحاديث رجال احتجَّ بمثلها الشيخان، فإن ابن حجر يذهب في ذلك إلى قول ابن الصلاح والنووي وابن دقيق العيد وغيرهم في أن مراد الحاكم "بمثلها" أعيانُ الرواة، فعلى هذا يُخطّئون الحاكم بتصحيحه على شرط الشيخين أو أحدهما أحاديثَ لرجالٍ لم يُخرِّج لهم الشيخان، ولكنهم مُنازَعون في ذلك بأن مراده بالمِثْلية مَن كان نظيرًا لرواة الشيخين في الثقة، وليس أعيان رواة الشيخين،
_________________
(١) "المستدرك" (٤٢٧٤).
(٢) الذي هو في "المدخل إلى الصحيح" له ١/ ١٨٠ ترجمة (٩٧).
(٣) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٣١٤ - ٣١٩.
[ ١ / ١١٣ ]
أو أنه أراد الصنفَين كليهما، كما سيأتي بيانه مفصلًا -إن شاء الله- لدى الحديث عن منهج الحاكم في "المستدرك".
٢ - ثم ما ذكره بأن مَن أخرج لهم الشيخان في المتابعات والشواهد والتعاليق فلا يكون حديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، فهو كلام صحيحٌ، لكن ظهر لنا أن الحاكم كان يذهب في شرط الشيخين إلى ما هو أوسع وأبعد مدى مما حَدَّده به بعض الأئمة بعد الحاكم، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- لدى الحديث عن منهج الحاكم في "المستدرك".
٣ - وأما دعواه: أن إخراج مسلم لبعض نسخة العلاء بن عبد الرحمن وتركه لبعضها الآخر، إنما هو انتقاء لما لم ينفرد به العلاء، فدعوى غير صحيحة؛ فقد أخرج له مسلم عددًا مما انفرد به من الروايات، مثل حديث: "اتقوا اللعانين"، وحديث: "الجرس مزامير الشيطان"، وحديث: "أتدرون ما المفلس" (^١)، وغير ذلك.
على أنه لو فُرض صحة كون مسلم قد أخرج من هذه النسخة ما لم ينفرد به العلاء، فليُبحَث كذلك عما صححه الحاكم من رواياته، فلعله لم ينفرد به، وقد ظهر لنا من خلال عملنا في الكتاب أنه متابع في أكثر ما رواه له، أو أن له شواهد، فلا يصح بعد ذلك إطلاق القول بأنه لا شك في نزول أحاديثه التي رواها بمثل هذه الأسانيد عن درجة الصحيح، والله تعالى أعلم.
٤ - ثم ما بال الحافظ ابن حجر هنا أطلق القول بذلك مع أنه قبل ذلك بورقات (^٢) وافق ابن الصلاح على أنه يصفو للحاكم صحيح كثير زائد على ما في "الصحيحين"، وأن الحاكم مع حرصه على جمع الصحيح الزائد على "الصحيحين" واسع الحفظ، كثير الاطلاع، غزير الرواية، فيَبعُد كل البعد أن يوجد حديث بشرط الصحة لم يُخرّجه في "مستدركه"! فمقتضى ذلك أن الحافظ يعتد بالحاكم فيما يقوله من
_________________
(١) "صحيح مسلم" (٢٦٩) و(٢١١٤) و(٢٥٨١).
(٢) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٢٧٢.
[ ١ / ١١٤ ]
تحقُّق شرط الصحة فيما يُصحِّحُه.
٥ - وقوله كذلك بأنه قلَّ أن تجد في الأحاديث التي في أسانيدها رجالٌ لم يخرج الشيخان لهم لا في الاحتجاج ولا في المتابعات، حديثًا يلتحق بدرجة الصحيح، فقول فيه مجازفة منه ﵀، فمن خلال عملنا في الكتاب ظهر لنا أن جملةً من تلك الأحاديث صحيحة أو حسنةٌ لذاتها، وجملةً أخرى مما ضعفها يسير ولها شواهد تقويها، وهذا مما يُلحِقُها بالصحيح عند أهل المعرفة.
٦ - ثم في تصحيحه مقالة ابن الأخرم بحجة ما ذكره من أمثلة على أوهام وقعت للحاكم في تصحيحه لأحاديث مُعَلَّة، فكلام غير متجه؛ فليس مجرد وقوع مثل ذلك من الحاكم مما يصلح دليلًا على صحة قول ابن الأخرم القائل: بأنه قَلَّ ما يفوتُ البخاري ومسلمًا مما يثبت من الحديث، فأين هذا من هذا؟! على أن في تصريح الشيخين أنفسهما بأنهما قد تركا من الصحيح فلم يُودِعاه في كتابيهما، جوابًا كافيًا في الردّ على ابن الأخرم وغيره كما تقدم في بداية هذا المطلب.
وعليه فما قاله الذهبي في شأن "المستدرك" هو أولى الأقوال فيه وأوجهها، وهو ما ظهر لنا من خلال عملنا في الكتاب، فإن في "المستدرك" نصيبًا وافرًا من الأحاديث الصحيحة على شرطهما وونصيبًا وافرًا من الأحاديث الصحيحة والجيدة والحسنة الأسانيد على غير شرطهما، ونصيبًا وافرًا مما ضعفه يسير ينجبرُ بالمتابعات والشواهد، وفيه بعض المناكير التي ضعفُها ظاهرٌ جليٌّ، والله تعالى أعلم.
وقد لخص شيخ الإسلام ابن تيميَّة حال الحاكم في ذلك، فقال: غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه (^١).
وأحسَنَ الحافظ ابن رجب الحنبلي أيضًا حين ذكر كتاب "المستدرك"، فقال: والتحقيقُ أنه يصفو منه صحيح كثير على غير شرطهما، بل على شرط أبي عيسى
_________________
(١) "قاعدة جليلة في التوسُّل والوسيلة" ص ١٨٤.
[ ١ / ١١٥ ]
ونحوه، وأما على شرطهما فلا (^١).
وقال صدّيق حسن خان: وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما ولم يذكراها، وقد تتبعتُ ما استدركه فوجدتُه قد أصاب من وجه ولم يُصب من وجه؛ وذلك لأنه وجد أحاديث مرويةً عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال، فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه، ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثًا قد تناظر فيه مشايخهما، وأجمعوا على القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: لم أذكر هاهنا إلا ما أجمعوا عليه (^٢).