كان رحمه الله تعالى - ظاهريا له اشتغال في مذهب الظاهرية ومصنفات الإمام ابن حزم، من ذلك أنه اختصر كتابه «المحلى» ووسمه ب «الأنور الأجلى في اختصار المحلى».
ثم لما دخل مصر رأى مذهب أهل الظاهر مهجورا فانتمى إلى مذهب الشافعية فحصله حتى أتقنه، واختصر «منهاج النووي» في كتاب
[ ٢٩ ]
سَمَّاه: «الوهاج في اختصار المنهاج».
غير أن بعض من ترجم له قال: إنه لم يزل ظاهريًا وأنه كان يتظاهر بالشافعية، ويقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه.
فالله أعلم بالحال.
أما في الأصول فقد كان ﵀ سُنّيًا أثريًا، يبغض علم الكلام والمنطق والفلسفة، سالم العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال، وتفسيره «البحر المحيط» يدلُّ على ذلك، فإنه يغلب عليه السلامة كما قال بعض أهل العلم - غير أنه كثيرًا ما ينحو منحى التأويل وربما التفويض في باب الصفات.
وقد ذكر أبو حيان نفسه سببًا قوى عزمه على الرحلة عن غرناطة، فقد ذكر السيوطي في «بغية الوعاة» أنه رأى في كتاب «النضار» لأبي حيان أنَّ بعض العلماء بالمنطق والفلسفة والرياضي والطبيعي قال للسلطان:
إني كبرتُ، وأخافُ أنْ أموتَ، فأَرَى أنْ تُرَتِّبَ لي طَلَبَةٌ أُعلّمهم هَذِهِ العلوم لينفعوا السلطان من بعدي. فأُشير إلى أن يكون أبو حيان من أولئك ويُرَتَّبَ له راتب جيد وكُسا وإحسان، فتمَنَّعَ ورَحَلَ مخافة أن يُكرَهَ عَلَى ذلك.
وكان رحمه الله تعالى - شديدًا على الصوفية الغلاة، حتى اشتهر عنه تكفير بعضهم كابن عربي وأضرابه، قال ﵀ في تفسير قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]: «ومِن بَعضِ اعتقادات النَّصَارَى استنبطَ مَنْ تَسَتَّر
[ ٣٠ ]
بالإسلام ظاهرًا وانتمى إلى الصوفية حلول الله تعالى في الصُّوَرِ الجميلة، ومَنْ ذَهَبَ من مَلاحَدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة؛ كالحلاج، والشُّوذِي، وابن أحلى، وابن العَرَبي المقيم - كان - بدمشق، وابن الفارض، وأتباع هؤلاء كابن سبعين، والتُّسْتَري تلميذه، وابن مطرف المُقيم بمرسية، والصَّفَّارِ المقتول بغرناطة، وابن اللباج، وأبو الحسن المقيم - كان - بلورقة.
وممن رأيناه يُرمَى بهذا المذهب الملعون: العفيف التلمساني، وله في ذلك أشعار كثيرة، وابن عيّاش المالقي الأسود الأقطع المقيم - كان - بدمشق، وعبد الواحد بن المؤخر المقيم - كان - بصعيد مصر، والأيكي العجمي الذي كان تولى المشيخة بخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة من ديار مصر، وأبو يعقوب بن مبشر تلميذ التستري المقيم - كان - بحارة زويلة.
وإنما سَرَدْتُ أسماء هؤلاء نُصحًا لدين الله - يعلم الله ذلك - وشفقة على ضعفاء المسلمين، وليحذروا فهم شَرٌّ من الفلاسفة الذين يُكَذِّبُون الله تعالى ورُسُلَه، ويقولون بقدم العالم، ويُنكرون البعث. وقد أُولِعَ جهلة ممن ينتمي للتصوّف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياؤه، والرد على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو مِنْ عِلْمِ أصول الدين» (^١).
_________________
(١) «تفسير البحر المحيط» ٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥.
[ ٣١ ]
وقال في موضع آخر: «قواعد الشريعة مقررة أن السر فيما لم يفترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر». قال الحسن: «أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم. انتهى. ولو عاش الحسن إلى هذا الزمان العجيب الذي ظهر فيه ناس يتسمون بالمشايخ يلبسون ثياب شهرة عند العامة بالصلاح، ويتركون الاكتساب، ويرتبون لهم أذكارا لم ترد في الشريعة يجهرون بها في المساجد ويجمعون لهم خداما يجلبون الناس إليهم لاستخدامهم ونتش أموالهم ويذيعون عنهم كرامات ويرون لهم منامات يدونونها في أسفار، ويحضون على ترك العلم والاشتغال بالسنة، ويرون الوصول إلى الله بأمور يقررونها من خلوات وأذكار لم يأت بها كتاب منزل ولا نبي مرسل، ويتعاظمون على الناس بالانفراد على سجادة، ونصب أيديهم للتقبيل، وقلة الكلام، وإطراق الرؤوس، وتعيين خادم يقول: الشيخ مشغول في الخلوة … رسم الشيخ … قال الشيخ … رأى الشيخ … الشيخ نظر إليك … الشيخ كان البارحة يذكرك … إلى نحو من هذه الألفاظ التي يخشون بها على العامة، ويجلبون بها عقول الجهلة، هذا إن سلم الشيخ وخادمه من الاعتقاد الذي غلب الآن على متصوفة هذا الزمان من القول بالحلول أو القول بالوحدة، فإذ ذاك يكون منسلحا عن شريعة الإسلام بالكلية.
[ ٣٢ ]
والتَّعجبُ لمثل هؤلاءِ كَيف تُرَتَّبُ لَهم الرواتب، وتُبنى لهم الربط وتُوقَفُ عليها الأوقاف، ويخدمهم النَّاسُ في عِرْوهِم عن سَائِرِ الفَضائلِ، ولكن الناس أقرب إلى أشباههم منهم إلى غير أشباههم. وقد أطلنا في هذا رجاء أنْ يَقفَ عَليهِ مُسلِمٌ فَيَنتفِعَ بِهِ» (^١).
وكان لا يثق في كثير ممن يدعي الصلاح من المتصوفة ونحوهم، ممن كان فيه انحراف عن كتاب الله وهدي نبيه ﷺ، حتى قال:
حَلَبْتُ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ زَمانًا … وأَغْنَانِي العَيَانُ عَنِ السُّؤالِ
فَمَا أَبْصَرْتُ مِنْ خِلَّ وَفِي … ولا أَلْفَيْتُ مَشْكُورَ الخِلالِ
ذئَابٌ في ثِيابِ قَدْ تَبَدَّتْ … لِرَائِيها بأشكال الرِّجَالِ
فَمَنْ يَكُ يَدَّعِي مِنْهُمْ صَلاحًا … فَزِنْدِيقُ تَغَلْغَلَ فِي الضَّلَالِ
تَرَى الجُهَالَ تَتْبَعُهُ وتَرْضَى … مُشَارَكَةٌ بأَهْلِ أَوْ بِمالِ
فيَنْهَبُ مالَهُم ويُصِيبُ مِنْهُمْ … نِسَاءَهُمُ بِمَقْبُوحِ الفِعَالِ
وتَأْخُذُ حالُهُ زُورًا فَيَرْمِي … عِمَامَتَهُ ويَهْرُبُ في الرِّمَالِ
ويُجرون التيوس وَراءَ رِجْسٌ … تَقَرْمَطَ في العَقِيدَةِ والمَقَالِ
وقد حَفِظَ لنا بعضُ من تَرْجَمَ له وصية جامعة نافعة تبين سلامة منهج الإمام أبي حيان، واستقامة دينه وخُلُقِه - رحمه الله تعالى -، فقد نُقِلَ عنه أنه قال في وصيته لأهله: يَنبَغِي أَنْ يَترُكَ الإنسانُ الكَلامَ
_________________
(١) «تفسير البحر المحيط» ٤/ ٣١٢ - ٣١٣.
[ ٣٣ ]
في ستة أشياء:
- في ذات الله تعالى، وما يتعلق بصفاته.
- وما يتعلق بأحوال أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
- وفي التعرض لما جرى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
- وفي التعرض لأئمة المذاهب رحمهم الله تعالى ورضي عنهم.
- وفي الطعن على صالحي الأمة نفع الله بهم.
- وعلى أرباب المناصب والرُّتَب من أهل زمانه.
وألا يقصد أذى أحدٍ من خَلْقِ الله ﷾ إلا على حسب الدفع عن نفسه، وأن يعذر الناس في مباحثهم وإدراكاتهم؛ فإن ذلك على حَسَبِ عقولهم، وأن يضبط نفسه عن المراء والاستزراء والاستخفاف بأبناء زمانه، وألا يبحث إلا مع من اجتمعت فيه شرائط الديانة والفهم والمزاولة لما يبحث، وألا يَعْضَبَ على مَنْ لا يفهم مراده ومن لم يدر ما يدركه، وأن يلتمس مخرجًا لمن ظاهر كلامه الفساد، وألا يُقدِمَ على تخطئة أحَدٍ ببادي الرأي، وأن يترك الخوض في علوم الأوائل (^١)، وأن يجعل اشتغاله بعلوم الشريعة، وألا ينكر على الفقراء، وليسلّم لهم أحوالهم.
وينبغي للعاقل أن يُلزم نفسه التواضع لعبيد الله ﷾ وأن يجعل نصب عينيه أنه عاجز مفتقر، وألا يتكبر على أحد، وأنْ يُقِلَّ
_________________
(١) يعني المنطق والفلسفة.
[ ٣٤ ]
من الضحك والمزاح والخوض فيما لا يعنيه، وأن يتظاهر لكل بما يوافقه فيما لا معصية الله تعالى فيه ولا خرم مروءة، وأن يأخذ نفسه باجتناب ما هو قبيح عند الجمهور، وألا يُظهر الشكوى لأحد من خَلْقِ الله تعالى، وألا يُعرض بذكر أهله ولا يُجريَ ذِكْرَ حَرَمِهِ بحضرة جليسه، وألا يُطلع أحدًا على عمل خير يعمله لوجه الله تعالى، وأن يأخُذ نفسه بحسن المعاملة من حسن اللفظ وجميل التقاضي، وألا يَرْكَنَ إلى أحدٍ إلا إلى الله تعالى، وأن يُكثر من مطالعة التواريخ فإنها تلقح عقلًا جديدًا، والله ﷾ أعلم» (^١).