إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد:
فإن الكلام عن هذا الكتاب يعني الكلام عن بغداد. . . نشأتي، وسني حياتي، وأهلي وأحبتي ممن هم اليوم على ظاهر الأرض أو واراهم ترابها.
عن حياتي في مساجدها، ومدارسها، وشوارعها، وأزقتها. . .
أحن إلى تلك البلاد وأهلها … كأني أسير في السلاسل راهن
[ ٥ ]
بلاد بها أهلي ولهوي ومولدي … جرت لي طيور السعد فيها الأيامن
إذا برقت نحو «البلاد» غمامة … دعا الشوق مني برقها المتيامن
وما إن خرجنا رغبة عن بلادنا … ولكنه ما قدر الله كائن
نعم، هي بغداد «أم الدنيا وسيدة البلاد» (^١)، تلك المدينة الناعمة الدافئة التي امتحنت منذ نشأتها الأولى بالجمال والغنى والعافية، والتي ما برحت أنموذجا دائما للعبرة عما تعانيه الثقافة من هجمات جاهلية؛ تروم طمس كل نور تشعه أمثال هذه المنارات العظيمة.
وقد كانت هذه المدينة الراسخة القدم في العراقة، الثابتة الأصل في الحضارة، تنفض وعثاء الزيف عن مرآتها كلما عكرت صفوها النائبات، لتنهض كالشمس كرة بعد كرة، فتكون - كما اختار الله تعالى لها ولأخواتها من حواضر العالم الإسلامي - قبلة لرواد المعرفة وحجاج العلم.
وقد ننسى - وللأسف - هذه الروح الصامدة الصامتة التي تتمتع بها بلدان العالم الإسلامي عموما، وحواضره مراكز العلم والمعرفة خصوصا، تلك الروح التي جعلت من هذه الحواضر مضغة عصية على المضغ بين فكي المحن على شراسة تكالبها عليها؛ ننسى هذا في مقابل ما تركز عليه من حلكة الظلام الزائف الذي تزوره في عيوننا غيمة رعناء، تهب تارة من الشرق - كما حل ببغداد قديما - أو سحابة خاوية تتمطى على حدود آفاقنا من الغرب - كما حل ببغداد حديثا - ويأبى الحق إلا
_________________
(١) وصفها بذلك ياقوت في «معجم البلدان» ١/ ٤٥٦.
[ ٦ ]
أن يتم نوره.
أقول هذا لما درج عليه الكتاب المعاصرون من الوقوف عند حادثة سقوط بغداد جريحة - ولا أقول صريعة كما يزعمون! - بيد مغول الشرق سنة (٦٥٦ هـ)، وكأن هذه الحادثة كانت نهاية مجد هذه المدينة المتينة وآخر شوط في سعيها إلى الخلود، غاضين الطرف عن نهضتها التي كانت بعد تلك الحادثة بسنوات قلائل، حيث عادت إليها بهجة العلم ورونق المدارس ونضرة المجالس، وعاد طلاب العلم إلى قصدها فوجا بعد فوج؛ مدركين أنها إن كانت قد سلبت أبهة الملك ورفعة السلطان؛ فإنها لم تفقد - البتة - عزة الدين وهيبة العلم.
وبعد … فلا مفر من البشرى، فعند مطالعتي لمخطوطة هذا الكتاب ترسخ التفاؤل في ضميري بأن تعود بغداد - بعد أن التهمها اليوم «مغول الغرب» ونهشوا ثوبها - كما كانت؛ مروج حضارة، ورياض مجد، وجنة علم. وهذا العهد بها؛ سرعة النهوض بعد الكبوات، وتدارك الخطى بعد العثرات، وعمارة العلم بعد النائبات.
وبالله تعالى الأمل أن يردها إلينا وأن يردنا إليها، ﴿والله غالب على أمره﴾ [يوسف: ١/ ٢١].
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما … يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
من أجل ذلك عزمت على تحقيق هذا الكتاب رغبة مني في خدمة مدينتي الحبيبة، التي طالما جمعتني فيها هموم وهمم شاطرني حملها
[ ٧ ]
بعض من طلبة العلم ورواده في خدمة بغداد من خلال تحقيق ودراسة ما يتعلق بها من مصنفات ومؤلفات.
وها هو كتاب «المنتخب من حديث شيوخ بغداد» في سلسلة هذه ثاني حلقاتها، بعد تحقيقي لكتاب «المشيخة البغدادية» للرشيد ابن مسلمة ﵀ أقدمه للمكتبة العربية والإسلامية، عسى أن أكون موفقا في إخراجه بهذه الصورة.
وقبل أن أفارق قلمي؛ أرى أن من واجبي الأدبي والأخلاقي أن أعطف بكلامي؛ منوها ومذكرا بما قام به الأخ الوفي والشيخ الألمعي محمد بسام حجازي من جهد في إعانتي على مقابلة الكتاب ومراجعته وتقويم ما ند لي من عبارات وكلمات، وما قدمه لي من نصح يدل على كريم جنابه ونبيل أخلاقه.
والحمد لله أولا وآخرا، ظاهرا وباطنا.
وكتبه
رياض حسين الطائي البغدادي
حلب الشهباء
بعد عصر يوم الأربعاء
٢٢ رجب ١٤٣٠
[ ٨ ]