الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الِاخْتِلَافُ فِي إِهْدَائِهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ وَالرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الرِّوَايَةَ فِي تَضْحِيَتِهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ أَيْضًا فِي مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِلَفْظِ: أَهْدَى، وَبِلَفْظِ: نَحَرَ، وَبِلَفْظِ: ذَبَحَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثًا آخَرَ فِيمَا خَلَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا نُعِيدُهُ هُنَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ:
[ ٣٠٧ ]
٣١٨ - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ "
[ ٣٠٧ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَا هُنَا حَدِيثٌ آخَرُ
٣١٩ - حَدَّثَنَاهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ⦗٣٠٨⦘، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً
[ ٣٠٧ ]
٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ عَنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
[ ٣٠٨ ]
٣٢١ - وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَّا بَقَرَةً»، حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: لَا تَعَارُضَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا هُوَ مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَمُبَيِّنٌ أَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَةَ الَّتِي نُحِرَتْ أَوْ ذُبِحَتْ عَمَّنِ اعْتَمَرَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ بِلَا شَكٍّ غَيْرُ الْبَقَرَةِ الَّتِي ضَحَّى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ، تِلْكَ أُضْحِيَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَهَذِهِ الْبَقَرَةُ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ بِلَا شَكٍّ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا خَلَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِإِسْنَادِهِ مِنْ أَنَّهُنَّ ﵅ لَمْ يَكُنَّ سُقْنَ الْهَدْيَ فَأَحْلَلْنَ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَ بِالْحَجِّ فَوَجَبَ عَلَيْهِنَّ الْهَدْيُ فَرْضًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ ⦗٣٠٩⦘ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَأَشْرَكَ ﵇ بَيْنَ مَنِ اعْتَمَرَ مِنْهُنَّ فِي بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ آنِفًا، وَكُنَّ ﵅ تِسْعًا خَرَجَتْ مِنْهُنَّ عَائِشَةُ بِالْقِرَانِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ بِعُمْرَةٍ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا خَلَا مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَبَيَانٌ آخَرُ نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يُوجَدُ خَبَرٌ فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَتْ أَيْضًا عَنِ الِاشْتِرَاكِ مِنْهُنَّ أُخْرَى غَيْرُهَا، فَبَقِيَ ثَمَانٍ مِنَ التِّسْعِ. وَهَكَذَا جَاءَ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ فِي اشْتِرَاكِ النَّفْرِ فِي الْبَقَرَةِ أَوِ الْبَدَنَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ جَاءَ بَيَانٌ آخَرُ فِي خُرُوجِ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ هَذَا الِاشْتِرَاكِ الْمَذْكُورِ
[ ٣٠٨ ]
٣٢٢ - وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَكُنْتُ فِي مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» . قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَيْضَةِ وَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّنَا أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي، وَخَرَجَ بِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ ⦗٣١٠⦘ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ بِعُمْرَةٍ فَخَرَجَتْ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا حَظٌّ فِي الْبَقَرَةِ الْمُهْدَاةِ عَنِ الْمُعْتَمِرَاتِ مِنْ صَوَاحِبِهَا ﵅، وَصَحَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ الْقَارِنَ مَا يَلْزَمُ الْمُتَمَتِّعَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ:
٣٢٣ - فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ قَدْ حَدَّثَكُمْ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ فَتْحٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ، وَفِي آخِرِهِ: قَالَ عُرْوَةُ فِي ذَلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ. فَجَعَلَ وَكِيعٌ هَذَا اللَّفْظَ لِهِشَامٍ. قِيلَ لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: إِنْ كَانَ وَكِيعٌ جَعَلَهُ لِهِشَامٍ، فَابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ لَمْ يَجْعَلَاهُ لَهُ، بَلْ أَدْخَلَاهُ فِي كَلَامِ عَائِشَةَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثِقَةٌ فَوَكِيعٌ نَسَبَهُ إِلَى هِشَامٍ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ هِشَامًا يَقُولُهُ، وَلَيْسَ قَوْلُ هِشَامٍ إِيَّاهُ بِدَافِعٍ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ أَيْضًا قَالَتْهُ، فَقَدْ يَرْوِي الْمَرْءُ حَدِيثًا بِسَنَدِهِ ثُمَّ يُفْتِي بِهِ دُونَ أَنْ يُسْنِدَهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا بِمُتَدَافِعٍ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّلُ بِمِثْلِ هَذَا مَنْ لَا يُنْصِفُ، وَمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ. وَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ ثِقَةٍ مُصَدَّقٌ فِيمَا نَقَلَ، فَإِذَا أَضَافَ عَبْدَةُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ الْقَوْلَ إِلَى عَائِشَةَ صَدَقَا، وَأُخِذَ بِهِ لِعَدَالَتِهِمَا، وَإِذَا أَضَافَهُ وَكِيعٌ إِلَى هِشَامٍ صَدَقَ ⦗٣١١⦘ أَيْضًا لِعَدَالَتِهِ، وَقُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْهُ، وَقَالَهُ أَيْضًا هِشَامٌ، وَبِهَذَا تَتَآلَفُ الْأَحَادِيثُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[ ٣٠٩ ]
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ:
٣٢٤ - فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ أَيْضًا حَدَّثَكُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ "
[ ٣١١ ]
قِيلَ لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ:
٣٣٥ - قَدْ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ» فَلَا يَخْلُو حَدِيثُ ابْنِ بَكْرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، أَوْ يَكُونَ حَدِيثًا آخَرَ، فَإِنْ كَانَ هُوَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ نَفْسَهُ فَأَحَدُهُمَا وَهْمٌ، وَلَا شَكَّ فِيهِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَعَائِشَةُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهَا، وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ ⦗٣١٢⦘، فَصَحَّ حِينَئِذٍ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ بَكْرٍ هِيَ الْوَهْمُ، وَأَنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى الْأُمَوِيِّ هِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّهَا الْمُوَافَقَةُ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي صَدَّرْنَا بِهَا فِي هَذَا الْبَابِ، الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، مِنْ أَنَّهُ ﷺ نَحَرَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ ابْنِ بَكْرٍ حَدِيثًا آخَرَ غَيْرَ حَدِيثِ يَحْيَى الْأُمَوِيِّ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ ضَحَّى عَنْهُنَّ بِالْبَقَرِ. وَبِهَذَا تَتَآلَفُ الْأَحَادِيثُ وَتَصِحُّ جَمِيعُهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ ذَكَرَتْ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ ضَحَّى عَنْهُنَّ بِالْبَقَرِ وَأَنَّهَا أُتِيَتْ بِلَحْمِهَا، وَذَكَرَتْ أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَمَلِهَا هَدْيٌ، فَتَآلَفَتِ الْأَحَادِيثُ، وَصَحَّتْ وَانْتَفَى التَّعَارُضُ عَنْهَا، وَصَحَّ أَنَّ الْبَقَرَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ إِنَّمَا هِيَ الَّتِي ضَحَّى بِهَا ﵇ عَنْهَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ أَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَةَ كَانَتْ هَدْيًا عَنْ قِرَانِهَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ فِي الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ فِيهِ فَيَحْصُلَ فِي حَدِّ الْكَذِبِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا كُلَّهُ الَّذِي قُلْنَاهُ افْتِرَاضَهُ ﷿ عَلَى جَمِيعِنَا الْعَدْلَ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَأَحَقُّنَا بِذَلِكَ أَوْلَانَا بِهِ لِكُلِّ فَضِيلَةٍ وَأَقْدَرُنَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُوَفَّقُ الْمُؤَيَّدُ الْمَعْصُومُ، بَلْ هُوَ الَّذِي نَقْطَعُ بِلَا شَكٍّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَدْلٌ فِي نِسَائِهِ، وَفِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَلَمْ يَجُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، بَلْ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ. فَإِذْ قَدْ تَيَقَّنَّا هَذَا، فَمُحَالٌ مُمْتَنِعٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ ﵇ يُهْدِي عَمَّنِ اعْتَمَرَ مَعَهُ ﵇ بَقَرَةً وَاحِدَةً، وَيُهْدِي عَنِ الْوَاجِبِ عَلَى عَائِشَةَ عِنْدَكُمْ بَقَرَةً وَاحِدَةً، يُفْرِدُهَا ⦗٣١٣⦘ بِهَا هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ مُسْلِمٌ. فَصَحَّ أَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَةَ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْبَقَرِ الَّتِي ضَحَّى بِهَا ﵇ عَنْ نِسَائِهِ، وَسَاوَى بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَيَّنُونَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، وَأَنَّ سَائِرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَرَدْنَ الْعَدْلَ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ يُهْدَى إِلَيْهِ ﵇ حَيْثُ دَارَ حَتَّى وَسَّطْنَ فِي ذَلِكَ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ ﵂، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂. فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ عَائِشَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْبِرِّ بِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ النَّاسَ الْمُسَاوَاةُ فِي ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَسْتَدْعِيَ مِنَ النَّاسِ الْهَدِيَّةَ إِلَيْهِ عَلَى رُتْبَةٍ مَا، لَكِنْ يَقْبَلُ مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ﵇ فِي ذَلِكَ اسْتِشْرَافٌ، هَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ بِهِ ﵇ مُسْلِمٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْزَمُهُ فَالْعَدْلُ بَيْنَهُنَّ بِفِعْلِهِ وَعَطَائِهِ وَقَسْمِهِ، وَمُبَاحٌ لِلنَّاسِ أَنْ يُفَضِّلُوا بِبِرِّهِمْ مَنْ شَاءُوا مِنْهُنَّ، وَلَيْسَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ صَرْفُ قَلْبِهِ عَنِ الْمَحَبَّةِ وَالْخُصُوصِ بِهَا، وَالرِّضَا بِتَفْضِيلٍ سِوَاهُ إِذَا عَدَلَ هُوَ ﵇ فِي قَسْمِهِ وَفِعْلِهِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[ ٣١١ ]