قال ابن القيم: قال أبو عبيد «امقلوه» اغمسوه ليخرج الشفاء منه كما خرج الداء، يقال للرجلين. هما يتماقلان إذا تغاطسا في الماء.
[ ٥١ ]
واعلم أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه وهي بمنزلة السلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه اتقاه بسلاحه، فأمر النبي ﷺ أن يقابل تلك السمية، بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر من الشفاء. فيغمس كله في الطعام والشراب، فيقابل المادة السمية، المادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة.
ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق. وأنه يؤيد بوحي إلهي خارج عن قوى البشرية.
وقد ذكر غير واحد من الأطباء أن لسع الزنبور والعقرب إذا دلك موضعه بالذباب نفع منعه نفعا بينا وسكنه، وما ذاك إلا للمادة التي فيه من الشفاء وإذا دلك به الورم الذي يخرج من شعر العين المسمى «شعرة» بعد قطع رؤوس الذباب أبرأه١.
وقال أبو محمد الماقلي: "إن أخذ الذباب الكبير فقطعت رأسها وحك بجسدها الشعرة التي في الجفن حكا شديدا أبرأته وكذا داء الثعلب، وإن مسح لسعة الزنبور بالذباب سكن الوجع٢". هذا بعض ما قاله علماء المسلمين القدامى، علما بأنه لا يوجد عندهم أجهزة حديثة للاستكشاف، وإنما هو التصديق والتجربة والمشاهدة.
وأما الاكتشافات الحديثة، فقد ذكر مجدي كيرلس جرجي في مقاله «الحشرات المظلومة» . وهناك حشرات ذات منافع طبية ففي الحرب العالمية الأولى، لاحظ الأطباء أن الجنود ذوي الجروح العميقة، الذين تركوا بالميدان لمدة ما، حتى ينقلوا إلى المستشفى، قد شفيت جروحهم والتأمت بسرعة عجيبة، وفي مدة أقل من تلك التي استلزمتها جروح من نقلوا إلى المستشفى مباشرة، وقد وجد الأطباء أن جروح الجنود الذين تركوا بالميدان تحتوي على يرقات بعض أنواع الذباب الأزرق، وقد وجد أن هذه اليرقات تأكل النسيج المتقيح في الجرح، وتقتل البكتيريا المتسببة في القيح والصديد، وقد استخرجت مادة «الألانثوين» من اليرقات السالفة الذكر، واستخدمت كمرهم رخيص ملطف للخراريج، والقروح، والحروق، والأورام أخيرا عرف التركيب الكيميائي لمادة «الألانثوين» وحضرت صناعيا وهي الآن بمخازن الأدوية، والكاتب كما هو ظاهر من اسمه ليس مسلما٣.
_________________
(١) ١ الطب النبوي ٨٨- ٨٩ وزاد المعاد٣/٩٩-١٠٠. ٢ فتح الباري ١٠/٢٥١. ٣ جريدة الأهرام الصادر في ٢٠/٧/١٩٥٢م.
[ ٥٢ ]
وأما الاكتشافات العلمية الجديدة: فنجد أن الدكتورين: محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين١ يقولان:
_تمسك بعض الأطباء بالناحية الصحية وكذّبوا الحديث، وكنا نود أن يُفهم الحديث على أسس ثلاثة:
١_ عدم التعرض لصحة الحديث. فهذا من اختصاص فقهاء الحديث والعلماء، الذين درسوا العلم والحديث، وكيف يستبعدون الأحاديث الموضوعة والمكذوبة.
٢_ محاولة البحث العلمي، بافتراض صحة الحديث. للوصول إلى حقائق أنبأنا عنها النبي ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
٣_ عدم الخوض في موضوع مادة الحديث قبل الرجوع إلى المراجع العلمية الكافية عن الحشرات وعن طفيليات الحشرات، ثم قالا:
جاء في المراجع العلمية:
١_ في عام ١٨٧١م اكتشف البروفيسور «بريفلد» من جامعة «هالة» بألمانيا الشرقية أن ذبابة المنزل مصاحبة بطفيلي من جنس «الطفيليات_ الفطريات الأشنيه» وقد تعمق البروفيسور في دراسة دورة حياته، فعرف أنه يعيش داخل بطن الذبابة في الجزء الدهني بشكل خلايا مستديرة تنمو، فتصبح مستطيلة الشكل، وتخرج من فتحات أو مفاصل حلقات بطن الذبابة للخارج، وبهذا فإنها تعيد دورة حياتها التناسلية.
بيد أن بذور الفطر عند تجمعها داخل الخلية يزداد الضغط الداخلي فيها إلى حد معين ينفجر معه جدار الخلية، فتنطلق بذور الفطر بقوة شديدة ولمسافة تصل إلى ٢٠٠سم خارجها على هيئة رذاذ، مصحوبا بسائل الخلية وهذا ما نشاهده إذا أمعنا النظر في ذبابة ميتة على لوح زجاج أو شباك فنرى بذور الفطر حول الذبابة، ونرى أماكن انفجار الخلايا من بطن الذبابة ولو فحصناها تحت الميكريسكوب لرأينا شكلها المستطيل.
٢_ في عام ١٩٤٥م أعلن أستاذ الفطريات المشهور «لانجيرون» أن هذا الفطر الذي يعيش دائما في بطن الذبابة على شكل خلايا مستديرة فيه «أنزيم» خاص، يحلل جزءا من جراثيم المرض المحمول بواسطة الذبابة.
_________________
(١) ١ مجلة الأزهر عدد رجب سنة ١٣٧٨هـ ومجلة «المكروبيولوجيا» بسويسرا عام ١٩٥٠م.
[ ٥٣ ]
٣_ في عام ١٩٤٧م تمكن العالم «موفيتش» من عزل مواد حيوية مضادة، من مزرعة للفطريات الموجودة على نفس جسم الذبابة، ووجدها ذات مفعول قوي ضد جراثيم «غرام السالبة» مثل «التيفوئيد» و«الديسانتريا» وما يشبهها وإن غراما واحدا من هذه المادة المعزولة يمكن أن يحفظ «١٠٠٠» لتر من الحليب المتلوث بهذه الجراثيم.
_في عام ١٩٤٨م تمكن فريق من العلماء الانكليز «بريان، وكوتسي، وهمينغ، وجيغرس، ومالحجوان» من عزل مادة مضادة حيوية، من فطريات تنتمي لنفس عائلة فطريات الذبابة أسموها «كولتيزين» وتؤثر في جراثيم «غرام السالبة» «كالديسانتريا، والتيفوئيد» .
_ أكد ذلك مجموعتا «آرنشتين، وكوك» الإنجليزية و«روليوس» السويسرية بعزلهما لنفس المضاد الحيوي من فطريات الذباب في الأعوام (٤٧_١٩٥٠م) وهذه المادة أسموها «جافاسين» وتقتل جراثيم «غرام السالبة والموجبة» كالتيفوئيد والدسنتاريا.
_ وقد أكدت مجموعتان: إنكليزية «كوتش، وفارمر» وسويسرية «جرمان، وروث ماتلنجر، وبلاتز» عام ١٩٤٩م، ذلك بعزل مادة مضادة حيوية، من فطر الذباب، اسمها «إنياثين» من نفس القوة والتأثير على جراثيم «غرام الوجبة والسالبة» كالكوليرا والزهار والتيفوئيد.
ويستطرد الدكتوران محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين فيقولان:
لم تدخل هذه المواد المضادة للحيوية بعد الاستعمال الطبي (١٣٧٨هـ) ولكنها فقط من العجائب العلمية لسبب واحد، وهو أنها بدخولها بكميات كبيرة في الجسم قد تؤدي إلى حدوث بعض المضاعفات، بينما قوتها شديدة جدا وتفوق جميع المضادات الحيوية المستعملة في علاج الأمراض المختلفة.
قلت: ومن الطبيعي في فن العلاج، أن ما يكتشف من أدوية جديدة، تجري عليها تجارب كثيرة لسنوات عدة، ومراحل مختلفة، ليعرف مدى قابليتها، وكمية الجرعة منها، إلا أن المهم في الموضوع هو فاعليته وشدة تأثيره وقوته بحيث فاق جميع المضادات الحيوية الموجودة والمستعملة حتى عام (١٣٧٨هـ) .
وأما بالنسبة للحديث وصحته فهو مروي بنحو ثمان وعشرين طريقا، ولا يوجد في طريق من هذه الطرق رجل ضعيف، إنما كلهم ثقات أئمة١.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الحديث باب حديث الذباب.
[ ٥٤ ]
هذا الحديث فيه معجزتان الأولى تم اكتشافها والتأكد من صحتها ووجودها وهي حما الذباب الجراثيم وعبر عنه ﷺ بالداء والثانية وهي التي عبر عنها ﷺ بالشفاء، بالداء وقد بينت ما اكتشفه الطب الحديث حتى عام ١٣٧٨هـ مما يبرهن على صحة ووجود هذه المعجزة الخارقة التي تبرهن على صدق قائلها وأنها خارجة من مشكاة النبوة وليست من قبيل التخرص والهوى.
إن الخبر إذا جاء يحمل في طياته عنصرين غريبين غيبيين، ثم جاء تصديق أحدهما تصديقا جازما، فالعاقل المنصف ينتظر تصديق الآخر وتحققه، ولا يسرع إلى تكذيب الخبر أو استنكاره، وكيف يكذب أو يستنكر وقد جاء ما يؤيد بعضه فضلا عما جاء ما يؤيد الاثنين، وما ذكرته من مخترعات واكتشافات كاف لذي العقل السليم أن يصدق الحديث ويصدق من جاء به وأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى.
إن الذباب ملوث بالجراثيم المرضية كالكوليرا والتيفوئيد والديسانتريا التي يحملها من المجاري والفضلات وبراز المرضى وتكون هذه الجراثيم على أطراف أرجله وخرطومه كما يقول الأطباء، فإذا وقع الذباب على الطعام أو في الشراب، فإنه يقف على أرجله ويمد خرطومه، وإذا تبرز لوث الغذاء كذلك، فلو تركت أو ذبت، بقيت الميكروبات المرضية التي أصابت الغذاء أو الشراب فيهما. وهذا أمر طبيعي مسلم لا يختلف فيه الناس.
فدلنا رسول الله ﷺ على القضاء على هذه الميكروبات المرضية، واستئصالها قبل أن تستفحل، وذلك بأن تضغط على الذباب حتى يقع كله في الطعام أو الشراب، وهذا معنى قوله: "فامقلوه" وسبب ذلك أن هذه الفطريات التي تفرز المواد المضادة للحيوية، والتي تقضي على الجراثيم «غرام السالبة والموجبة» التي يحملها هو على أرجله وخرطومه - توجد على بطن الذبابة ولا تنطلق مع سائل الخلية المستطيلة إلا بعد أن يزيد الضغط عليها فتنفجر وتندفع البذور والسائل الذي يقضي على الميكروبات المرضية - كما مرّ في الاكتشافات العلمية الحديثة.
وإذا كانت الذبابة لا ينفجر الجزء الدهني منها إنما يخرج من ثنايا الطبقات المكونة للجزء الدهني هذا السائل الذي يحمل هذه المواد المضادة للحيوية.
إن أخبار النبي ﷺ عن الذباب، إنما كان من الأمور الغيبية التي لا تعرف إلا بوحي، وقد اكتشفت في هذا العصر.
[ ٥٥ ]
والخبر إذا نقل بطريق يغلب على الظن صدقه، فإنه لا يكون من الأمور المحسوسة بالمشاهدة، فعلى العاقل التريث وعدم التسرع في الإنكار حتى لا يقع في التناقض عند بيان صدقه ومطابقته للواقع.
ولكن الذين غلب عليهم التقليد الأعمى من أصحاب النفوس المريضة لا يهمهم أن يقعوا في التناقض بقدر ما يهمهم الطعن في السنة، ولكن الله الذي تكفل بحفظ دينه يحبط ألاعيب هؤلاء ويحفظ السنة كما يحفظ القرآن.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٥٦ ]