وكما كان للإمام أبي داود تلامذة أفذاذ خلفوه بخير، وساروا على طريقته في هذا الشأن، كان له أيضًا مصنفاتٌ جليلةٌ، كانت موضع عناية أهل العلم، وجدوا فيها بُغيتهم وطَلِبتَهم، أهمها:
١ - كتابُ "السنن" هذا الذي نحنُ بصدد تحقيقه ونشره، وسيأتي الكلامُ عليه مُستوفى إن شاء الله.
_________________
(١) الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٤٠ - ٤٤١.
(٢) المرجع السابق ١٤/ ٤١٧ - ٤٢١.
(٣) المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة أبي داود، والمزي في "السير" ١٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
[ مقدمة / ٣٤ ]
٢ - "المراسيل": وهو كتابٌ عظيم في بابه، لم يُفرده أحد بالتأليف فيما نعلم، ضم بين دفتيه أربعًا وأربعين وخمس مئة حديث مرسلٍ، مرتبة على الأبواب، وغالبها مما صح إسناده إلى مُرسِلِه، وأغلبُ الظن أنه أدرج فيه معظم المراسيل التي انتهت إليه، ولم يَفُتْه منها إلا اليسيرُ، وكان يرمي من وراء تصنيفه له -فيما يغلب على ظننا- أن يكون مرجعًا للفقيه، يعتمد نصوصه، ويستنبط منها، ويُفتي بموجبها إذا لم يرد في المسألة التي هو بصددها حديث صحيح متصل، فهو يرى تبعًا لشيخه الإمام أحمد الاحتجاجَ بالمرسل إذا لم يكن في الباب أثبتُ منه، ويُرجحه على القياس، فقد جاء في "رسالته إلى أهلِ مكة": فإذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يُوجد المُسنَدُ، فالمرسل يُحتج به، وليس هو مثلَ المتصل في القوة (^١).
وقد سبق أن طبُعِ هذا الكتاب محذوف الأسانيد، وباختصار بعض الروايات في مصر سنة ١٣١٠ هـ بمطبعة التقدم، بعناية الشيخ علي السني المغربي الطرابُلُسي، وعن هذه الطبعة طبع في مطبعة محمد علي صبيح بمصر. وهي -على ما بها من أغاليط وتحريفات- عديمةُ الفائدة للباحث الذي يعنيه الإسناد، ويحرص عليه ليحكم على النصِّ، ويتثبت من صحته.
وقد استطعت بحمد الله تعالى وتوفيقه أن أحقق هذا الكتاب بالاعتماد على أصلٍ خطيّ مصور عن النسخة الخطية الموجودة في
_________________
(١) ص ٣٣ ضمن ثلاث رسائل فى علم مصطلح الحديث بتحقيق وعناية الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀.
[ مقدمة / ٣٥ ]
مكتبه كوبرلي باسطنبول تحت رقم ٢٩٤ - ٢، وهو في غاية النفاسة والجودة، وهي بخط الحافظ ابن حجر العسقلاني يقينًا كما تبينته فيما بعد وقد أتينا على وصفه في مقدمة الكتاب، فراجعه (^١).
وهذا الكتابُ معروف مشهور برواية أبي علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي.
٣ - "الناسخُ والمنسوخ": وهذا من كتب الإمام أبي داود القيّمة، ذكره ابن الأبَّار (٦٥٨ هـ) في "معجم أصحاب أبي علي الصدفي" (^٢)، وذكره الحفاظُ المزي والذهبي وابن حجر (^٣). وهو معروف برواية أبي بكر أحمد بن سلمان النجاد، عن أبي داود.
وقد ذكر ابن النديم والخطيبَ البغدادي (^٤) للإمام أبي بكر بن أبي داود السجِسْتاني كتابًا اسمه: "الناسخ والمنسوخ"، فلا يُستبعد أن يكون كلاهما قد صنف في هذا الفن. والكتاب مفقود لا وجود له فيما نعلم.
٤ - "الزهد": وهذا الكتاب ذكره ابن خير الإشبيلي في "فهرسته" (^٥)، وتُوجد منه نسخة بالقرويين بفاس، ونسخة في المكتبة
_________________
(١) طبعته مؤسسة الرسالة سنة ١٤١٨ هـ.
(٢) ص ٢٦٨.
(٣) المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة أبي داود، والذهبى في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة أبي بكر النجاد ١٥/ ٥٠٥، وابن حجر في "المعجم المفهرس" (٣٧٣) وسمعه ابن حجر فكان عنده.
(٤) النديم في "الفهرست" ص ٢٨٨، والخطيب في "تاريخ بغداد" ٩/ ٤٦٤.
(٥) ص ١٠٩.
[ مقدمة / ٣٦ ]
الظاهرية بدمشق (^١). وقد رواه ابن خير من طريق ابن داسه وابن الأعرابي.
٥ - "مسائل الإمام أحمد": وهو من الكتب النفيسة التي تشتمل على آراء الإمام أحمد الفقهية، وآرائه في بعض مسائل العقائد وفوائد أخرى في علم الرجال ونقد الأحاديث، وتوجد من الكتاب نسختان خطيتان إحداهما في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي كما يقول محققها الشيخ محمد بهجت البيطار أقدم كتاب في المكتبة الظاهرية لأنها كتبت سنة ست وستين ومئتين في حياة المؤلف الإمام أبي داود. وأشار إلى وجود نسخة أخرى منها في المكتبة المحمودية في المدينة المنورة سماها النسخة المدنية، وبيّن أن في النسخة الظاهرية زيادة ست وعشرين صفحة كبيرة على النسخة المدنية، على ما في النسخة المدنية من مشكلات حديثية وفقهية ومشتبهات في أسماء الرواة والتاريخ. وراجعها من بعده العلامة الشيخ محمد رشيد رضا وأضاف إليها تعليقات مفيدة. وكانت طباعتها سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة وألف من الهجرة المباركة، ثم أعيد تصويرها مرات عدة، منها مصورة دار المعرفة في بيروت. وهذه المسائل برواية أبي بكر ابن داسه، عن الإمام أبي داود.
٦ - "الردُّ على أهل القدر": ذكره الحافظان المزيُ والذهبيُّ في ترجمة أبى داود (^٢)، وذكرا أنَّ راويه عن أبي داود: أبو عبد الله محمد
_________________
(١) الدكتور تقي الدين الندوي في "الإمام أبي داود" ص ٤٤ نقلًا عن فهرسة مخطوطات الظاهرية للشيخ الألباني ﵀ ص ١٦١.
(٢) "تهذيب الكمال"، و"سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٠٦.
[ مقدمة / ٣٧ ]
ابن أحمد بن يعقوب المتُّوثي البصري. وقد نقل ابنُ عساكر في مواضع من كتابه "تاريخ دمشق" بعض مسائل في القدر من رواية المتُّوثي، عن أبي داود (^١)، ونقل البيهقي من قبله في "شعب الإيمان" عنه رواية أيضًا (^٢). ويعد هذا الكتاب من الكتب المفقودة في حدود ما نعلم.
٧ - "تسميةُ الإخوة الذين رُوي عنهم الحديث": كذا سماها أبو داود كما جاء في الورقة الأولى من الأصلِ الخطي المحفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهو برواية أبي عبيد الآجري عنه، وذكر في تلك الورقة أئه أخذ ذلك مِن كتاب علي ابن المديني، وأن منه ما أخذه عن أحمد بن حنبل ومنه عن مصعب بن عبد الله الزبيري. ويقع هذا الأصل الخطي في سبع ورقات كما يقول الدكتور أكرم ضياء العمري (^٣). وقد طبع مؤخرًا بعناية الدكتور باسم فيصل الجوابرة بدار الراية في الرياض. سنة ١٤٠٨ هـ.
٨٠ - "أصحاب الشعبي": ذكره أبو عُبيد الآجري في "سؤالاته"، ونسبه للإمام أبي داود (^٤).
٩ - "التفرد في السنن": ذكره القاضي عياض، وابنُ خير الإشبيلي، فيما روياه عن بعض شيوخهما (^٥)، وسماه الثاني: "ما تفرد به أهلُ
_________________
(١) منها ما أورده في باب ذكر ما ورد في ذم أهل الشام وبيان بطلانه، ومنها ما جاء في ترجمة داود بن أبي هند، وترجمة سليمان النبي ﵊، وترجمة عبد الله بن الحارث بن نوفل وغيرها.
(٢) (١٨٩).
(٣) "بحوث في تاريخ السنة" ص ٦٥.
(٤) ص ١٨١.
(٥) القاضي عياض في "الغنية" ص ٢٧٧، وابن خير في "فهرسته" ص ١٠٩.
[ مقدمة / ٣٨ ]
الأمصار من السنن الواردة"، وكلاهما قد رواه من طريق ابن داسه، عن الإمام أبي داود.
١٠ - "دلائل النبوة": ذكره ابن خير الإشبيلي والحافظ ابن حجر باسم: "أعلام النبوة" (^١) ورواه من طريق أبي بكر ابن داسه أيضًا، عن الإمام أبي داود. وتوجد منه نسخة خطية في مكتبة لايبزج بألمانيا تحت رقم ١٠/ [٧٥] باسم: "دلائل النبوة".
١١ - "سؤالات أبي عبيد الآجري له": ذكره الحفاظ أبو طاهر السِّلَفي وابن كثير وابن حجر (^٢)، قال السلفي: وعندي من ذلك سؤالات في غاية الجودة مفيدة، ممتعة، وفي الأعلام لعلة الجسم مُقنعة. ومن جملتها ما رواه عنه أبو عبيد الآجري في خمسة أجزاء ضخام، بخطي، في كل جزء ثلاثون ورقة، سوى الرابع والخامس فهما أنقص من ذلك. وقال ابن كثير في شأنه: ولأبي عُبيد الآجري عنه أسئلةٌ في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، كتابٌ مفيد. قلنا: ويشتمل هذا الكتاب على رأي أبي داود الخاص بالرواة، وما ينقله أيضًا عن أهل العلم كالإمام أحمد وابن معين وابن المديني ويحيى القطان وشعبة وسفيان وغيرهم.
وقد طبع من هذا الكتاب الجزءُ الثالث منه بتحقيق محمد علي قاسم العمري سنة ١٤٠٦ هـ وهو من منشورات الجامعة الإسلامية في
_________________
(١) ابن خير في "فهرسته" ص ١١٠، وابن حجر في "المعجم المفهرس" (١٩٨).
(٢) أبو طاهر السِّلَفي في مقدمته على شرح الخطابي "معالم السنن" وهي مطبوعة آخر الكتاب ٤/ ٣٧٢، وابن كثير في "مختصر علوم الحديث" ص٤١، وابن حجر في "المعجم المفهرس" (٦٧٧).
[ مقدمة / ٣٩ ]
المدينة المنورة. وهناك رسالة علمية لنيل درجة الماجستير في الجامعة الإسلامية بدراسة عبد العزيز بن أحمد آل عبد القادر سنة ١٤١٢هـ لقسم من هذا الكتاب أيضًا، ثم طبع الكتاب بتمامه بتحقيق الدكتور عبد العليم البستوي عام ١٤١٨ هـ.
وقد سلف قول أبي طاهر السلفي في الإمام أبي داود: وقد كان ﵀ في زمانه يُراجَع في الجرح والتعديل، ويدوَّن كلامه، ويُعوَّل عليه غايةَ التعويل.
١٢ - "أسئلة لأحمد بن حنبل عن الرواة والثقات والضعفاء": تُوجدُ منه نسخة ناقصة من أولها في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم ١٦١ (مجموع ٤٦) الموجود منها أربع عشرة ورقة. ولعلها تكونُ جزءًا من "مسائل أبي داود" السالف ذكرها برقم (٥) فقد اشتمل الكتاب على بعض أسئلة في الرجال.
١٣ - "رسالة أبى داود إلى أهل مكة في وصف السنن": ذكرها الحافظان السِّلَفي وابن حجر (^١)، وقد طُبعت في القاهرة بتحقيق الشيخ العلامة محمد زاهد الكوثري سنة تسع وستين وثلاث مئة وألف هجرية، وطبعت في بداية "بذل المجهود في حلِّ أبي داود" سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة وألف هجرية للسهارنفوري المتوفى (١٣٤٦هـ) ثم حقَّقَها العلامة الشيخ عبدُ الفتاح أبو غدة ﵀ مُبقيًا على أكثرِ تعليقاتِ الشيخ محمد زاهد الكوثري، وقامت بطباعته دارُ البشائر
_________________
(١) أبو طاهر السِّلَفي في مقدمته على شرح الخطابي ٤/ ٣٦٥، وابن حجر في "المعجم المفهرس" (١٧٨٤).
[ مقدمة / ٤٠ ]
الإسلامية في بيروت سنة سبع عشرة وأربع مئة وألف هجرية، ضمنَ ثلاث رسائل في علم مصطلح الحديث مع رسالتَي شروط الأئمة الستة لابن طاهر المقدسي، وشروط الأئمة الخمسة لأبي بكر الحازمي.
وهذه الرسالة برواية أبي بكر محمد بن عبد العزيز بن الفضل الهاشمي، عن الإمام أبي داود.
١٤ - وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة كتابه "تهذيب التهذيب" ثلاثة كتبٍ أخرى للإمام أبي داود وهي: "الدعاء"، و"ابتداء الوحي"، وَ"أخبار الخوارج" وذكر في مقدمة "تقريب التهذيب" كتابين آخرين وهما: "فضائل الأنصار"، و"مسند مالك" ذكرهما الحافظُ المزي قبله في مقدمة "تهذيب الكمال" (^١).
وذكر الدكتور فؤاد سزكين أن هناك مسائلَ حلف عليها الإمامُ أحمد، من رواية أبي داود عنه، موجودة في ظاهرية دمشق، تحت رقم (٣٣٤) في مئة ورقة (^٢) قلنا: هذا هو نفسه مسائل أبي داود الذي سلف ذكره برقم (٥)، ولا ندري من أين أتى بهذا الاسم لهذا الكتاب، فقد سبق أن اسمه "مسائل الإمام أحمد" كما أشار إليه الشيخ محمد بهجت البيطار والشيخ محمد رشيد رضا رحمهما الله.
لكن ثمت كتاب آخر لأبي الحسين ابن أبي يعلى الفراء اسمه "المسائل التي حلف عليها أحمد" وهو موجود في المكتبة الظاهرية أيضًا، فاشتبه ذلك على الدكتور سزكين.
_________________
(١) "تهذيب الكمال" ١/ ١٥٠، و"تهذيب التهذيب" ١/ ١٠.
(٢) "تاريخ التراث العربي" ١/ ٢٩٥.
[ مقدمة / ٤١ ]
وقد حقق هذا الكتاب الأخير أبو عبد الله الحداد سنة ١٤٠٧هـ، وطبعته دار العاصمة في الرياض.
وأورد بروكلمان لأبي داود أيضًا كتابًا باسم "التنزيل في الرسم" (^١)، وأنه موجود في مكتبة القرويين بفاس، ولم نجد أحدًا ذكره قبله أو أشار إليه، ويغلب على ظننا أنه من مؤلفات أبي بكر بن أبي داود السجستاني، فقد ذكر أنه كان له عِنايةٌ بعلوم القرآن (^٢)، وله كتابٌ مطبوع اسمه "المصاحف"، فلعله يكونُ هو، والله أعلم.
وزعم بروكلمان أيضًا أن لأبي داود كتابًا آخر اسمه "البعث والنشور" (^٣)، وإلى ذلك ذهب مجمع البحوث في مؤسسةِ آل البيت في فهارسه الشاملة للتراث العربي الإسلامي (^٤)، فذكره معزوًا إلى أبي داود، وكذلك فعل الدكتور تقي الدين الندوي (^٥) حيث أورده في جملة مصنفات أبي داود. وأشار بروكلمان إلى وجود نسخة خطية منه في دمشق في ظاهريتها، أما مجمع البحوث فأشار إلى وجود نُسخٍ منه في المكتبة الأزهرية.
وبرجوعنا إلى فهارس مخطوطات الظاهرية الذي وضعه صاحبنا المفضال الأستاذ ياسين السواس (^٦) يتضح لنا أن بروكلمان كان
_________________
(١) "تاريخ الأدب العربي" ٣/ ١٨٨.
(٢) كذا جاء في ترجمته عند الخطيب البغدادي في "تاريخه" ٩/ ٤٦٤.
(٣) "تاريخ الأدب العربي" ٣/ ١٨٩.
(٤) قسم الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٥) في كتابه "أبو داود" ص ٤٦.
(٦) قسم المجاميع ١/ ٢١٩.
[ مقدمة / ٤٢ ]
مخطئًا فيما قال، فقد وصفه الأستاذ السواس، وبين أنه لابن أبي داود السجستاني، وليس لأبيه.
ثم برجوعنا إلى فهارس مخطوطات دار الكتب المصرية الذي صنعه الأستاذ فؤاد سيد (^١)، يتبين لنا جليًا أن هذه النسخ التي أشار إليها مجمعُ البحوث إنما هي جميعًا لكتاب "البعث" الذي صنفه ابن أبي داود السجستاني.
ويؤيد ذلك أن ابن النديم والقاسم بن يوسف التُّجِيبي والذهبي (^٢) قد ذكروا أن كتاب "البعث والنشور" من مصنفات أَبي بكر بن أبي داود السجستاني.