قد ذكرنا في كتاب دلائل النبوة حديث ابن أبي هالة في حلية رسول الله ﷺ وحديث أم معبد وحديث غيرهما في صفة رسول الله ﷺ ونحن نشير ها هنا إلى طرف منها.
١٤١٢ - أخبرنا: أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرايفي ثنا عمر بن سعيد الداري ثنا القعنبي فيما قرئ على مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سمع أنسا بن مالك يقول:
كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق ولا بالآدم وليس بالجعد القطط ولا بالسبط بعثه الله على رأس أربعين سنه فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس ستين سنة وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء ﷺ أخرجاه في الصحيح من حديث مالك.
وقد رويناه عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة.
١٤١٣ - أخبرنا: أبو عبد الرحمن السلمي أنا جدي أبو عمرو إسماعيل بن نجيد ثنا محمد بن عمار بن عطية ثنا محمد بن عمرو زنيج ثنا حكام بن سلم عن عثمان بن زائدة عن الزبير بن عدى عن أنس بن مالك قال:
قبض النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين وقبض أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين وقبض عمر وهو ابن ثلاث وستين.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦/ ٥٦٤ فتح) ومسلم (٤/ ١٨٢٤) من طريق مالك.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٢٥) عن محمد بن عمرو.
[ ٢ / ١٤٨ ]
رواه مسلم في الصحيح عن زنيج وكذا قال الزهري عن عروة عن عائشة وعمرو بن دينار وأبو حمزة عن ابن عباس قال ابن عباس في روايتهما:
أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة.
وقال عمار بن أبي عمار من ابن عباس خمس عشرة سنة.
ورواية أبي حمزة وعمرو أولى أن تكون محفوظة.
١٤١٤ - أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك أنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا المسعودي عن عثمان بن عبد الله بن هرمز عن نافع بن جبير عن علي بن أبي طالب قال:
كان رسول الله ﷺ ليس بالقصير ولا بالطويل ضخم الرأس واللحية خشن الكفين والقدمين ضخم الكراديس مشرب وجهه حمرة طويل المسربة إذا مشى يتكفأ تكفئا كأنه ينحط من صبب لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ.
١٤١٥ - أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ أنا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر ثنا عيسى بن يونس ثنا عمرو بن عبد الله مولى عفرة قال:
حدثني إبراهيم بن محمد وهو من ولد علي ﵁ قال كان علي ﵁ إذا نعت رسول الله ﷺ قال: لم يكن بالطويل ولا القصير وكان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا لم يكن بالمطهم ولا المكلثم وكان في الوجه تدوير، أبيض مشربا، أدعج العينين، أهدب الأشفار جليل المشاش، أجرد (^١)، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي على (^٢) صبب وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود
_________________
(١) الحديث بنفس الإسناد في الدلائل (١/ ٢٥١) وأخرجه الترمذي (٣٦٣٧) وأحمد (١/ ٩٦ و١٢٧) من طريق المسعودي وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٣٨) من طريق عيسى بن يونس-به. وقال الترمذي: حسن غريب ليس إسناده بمتصل.
(٣) في شمائل الرسول-ابن كثير: أجرد ذو مسربة ص ٥١ ط الأدبية العربية.
(٤) المصدر السابق «في» ص ٥١.
[ ٢ / ١٤٩ ]
الناس كفا وأرحب الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة وألينهم عريكة، وألزمهم عشرة من رآه بديهة هابه، ومن خالطه فعرفه (^١) أحبه يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ.
١٤١٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أحمد بن علي بن الحسن ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا أبو جعفر محمد بن الحسين وعلي بن محمد وأحمد بن عبدة قالوا ثنا عيسى بن يونس فذكره بإسناد نحوه غير أنه لم يكن بالطويل الممغط وبالقصير المتردد والكند أجرد ذو مسربة قال أبو جعفر: سمعت الأصمعي يقول في تفسير صفة النبي ﷺ الممغط الذاهب طولا والمتردد الداخل بعضه في بعض قصرا فأما القطط الشديد الجعودة والرجل الذي في شعره حجونة قليلا وأما المطهر فالبادن الكثير اللحم والمكلثم المدور الوجه يعني يقول فليس لذلك، والمشذب الذي في ناصيته حمرة، والأدعج الشديد سواد العينين والأهدب الطويل الأشفار، والكتد مجتمع الكتفين وهو الكاهل، والمسربة هو الشعر الدقيق، الذي كأنه قضيب من الصدر إلى السرة، والشثن الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، والتقلع أن يمشي بقوة، والصبب الحدور يقول انحدر إلى الصبوب وصبب وقوله جليل المشاش يريد رؤوس المناكب والعشيرة الصحبة والبديهة المفاجأة يقال بدهته بأمر: أي فاجأته.
١٤١٧ - أخبرنا أبو بكر بن فورك أنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا زهير عن أبي إسحاق قال: قيل للبراء أكان وجه رسول الله ﷺ كالسيف؟
قال: لا بل كالشمس.
رواه البخاري في الصحيح عن أبي نعيم عن زهير وأخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة غير أنه قال: لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا.
_________________
(١) في الشمائل لابن كثير (معرفة) ص ٥١.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٣٨) من طريق عيسى بن يونس-به وقال الترمذي: حسن غريب ليس إسناده بمتصل.
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٥٦٥ - فتح) عن أبي نعيم-به.
[ ٢ / ١٥٠ ]
قال الإمام أحمد ﵀:
روينا في رواية أخرى عن جابر بن سمرة أنه قال: رأيت النبي ﷺ في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو كان أحسن في عيني من القمر.
١٤١٨ - وأخبرنا أبو طاهر الفقيه أن أبو حامد بن بلال ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة قال: رأيت النبي ﷺ فذكر هذا الحديث الأخير.
١٤١٩ - وأخبرنا أبو علي الروذباري أنا الحسين بن الحسن بن أيوب ثنا يحيى بن أبي مسرة ثنا خلاد بن يحيى ثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال:
كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته وكان إذا أدهن لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية.
فقال رجل: وجهه مثل السيف.
قال: لا بل كان مثل الشمس والقمر وكان مستديرا.
قال: ورأيت خاتمه عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده.
أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن إسرائيل.
١٤٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو سعيد الأحمسي ثنا الحسن بن حميد ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد الله بن موسى بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي عن أسامة بن زيد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال:
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٨١١) من طريق أشعث-به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الأشعث.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٢٣) من طريق عبيد الله عن إسرائيل-به.
(٣) أخرجه المصنف في الدلائل (١/ ٢٠٠) من طريق عبد الله بن موسى التيمي-به. وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٨٠) رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله وثقوا.
[ ٢ / ١٥١ ]
قلت للربيع: صفي لي رسول الله ﷺ فقالت: يا بني لو رأيته رأيت الشمس طالعة.
١٤٢١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه ثنا أبو مسلم أن الحجاج بن المنهال حدثني حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال:
كان رسول الله ﷺ أزهر اللون كان عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفأ ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كفه ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحته مسكة ولا غيرها (^١) ﷺ.
أخرجه مسلم من حديث حماد.
١٤٢٢ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا علي بن حمشاذ ثنا محمد بن أيوب أنا أبو الربيع ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت عن أنس قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي أف قط ولا قال لي لشيء مما يصنعه الخادم لم فعلت كذا وكذا أو هلا فعلت كذا وكذا.
رواه مسلم في الصحيح عن أبي الربيع.
١٤٢٣ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا سليمان بن حرب وسعيد قالا: ثنا حماد عن ثابت عن أنس قال:
كان رسول الله ﷺ من أجمل الناس ومن أجود الناس ومن أشجع الناس.
رواه البخاري عن سليمان ورواه مسلم عن سعيد بن منصور.
ورويناه عن أبي التياح عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا.
١٤٢٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو الفضل بن إبراهيم ثنا أحمد بن
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٨١٥) من طريق حماد-به.
(٢) في الصحيح ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ. الشعب ص ١٧٣ ح ٥.
(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٠٤) عن سعيد بن منصور وأبي الربيع عن حماد بن زيد-به.
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ١٨١٤) عن أبي كريب عن ابن معاوية-به.
[ ٢ / ١٥٢ ]
سلمة ثنا إسحاق بن إبراهيم وهناد بن السري قالا: أنا أبو معاوية عن هشام بن عروه عن أبيه عن عائشة قالت:
ما رأيت رسول الله ﷺ ضرب خادما قط ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله وما ينل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن يكون لله فإذا كان لله انتقم منه ولا عرض له أمران إلا أخذ الذي هو أيسر حتى يكون إثما فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه ﷺ.
رواه مسلم في الصحيح عن أبي كريب عن أبي معاوية.
١٤٢٥ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ثنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عمرو بن عاصم وأبو عمر قالا: ثنا همام عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام بن عامر الأنصاري أنه حدثه قال: قلت يا أم المؤمنين-يعني عائشة-حدثيني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟
قلت: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن.
أخرجه مسلم في الصحيح.
قال البيهقي رحمه:
١٤٢٦ - وروينا عن الحسن عن سعد بن هشام قال: قلت لعائشة ﵂ ما كان خلق رسول الله ﷺ قالت: قال الله ﷿:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فخلقه القرآن.
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل ثنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب ثنا عبد الله بن عثمان أنا عبد الله بن المبارك ثنا المبارك ثنا الحسن فذكره.
١٤٢٧ - وروينا عن يزيد بن بابنوس أنه سأل عائشة ﵂ عن ذلك فقالت: اقرأ سورة المؤمنين فقرأ حتى بلغ العشر فقالت: هكذا كان خلقه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٥١٢ - ٥١٤) من طريق قتادة-به أثناء حديث طويل.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٩٢) والمصنف في الدلائل (١/ ٣٠٩) من طريق يزيد بن بانبوس-به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ١٥٣ ]
١٤٢٨ - وروينا عن أبي الدرداء أنه سأل عائشة عن ذلك فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه.
١٤٢٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو النضر ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ فقال (^١) عندنا فعرق فجأت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ النبي ﷺ فقال: «يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين». قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب.
قالت ثابت: قال أنس ما شممت عنبرا قط ولا مسكا من أطيب من ريح رسول الله ﷺ ولا مسست شيئا قط ديباجا ولا حريرا ألين مسا من رسول الله ﷺ (^١) قال: وخدمته عشر سنين بالمدينة وأنا غلام وليس كل امرئ ما يشتهي صاحبي أن أكون فما قال لي فيها أف وما قال لي لم فعلت هذا وإلا فعلت.
قال: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم بآنيتهم فيها الماء فما أتوا بإناء إلاّ غمس يده فيها فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها، هذه أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيح على ما ذكرناه في غير هذا الموضع.
١٤٣٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن عمرو الأحمسي من أصل كتابه ثنا الحسين بن حميد بن الربيع اللخمي ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي حدثني رجل بمكة عن ابن أبي هالة التميمي عن الحسن بن علي قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي وكان وصّافا عن حلية النبي ﷺ وأنا أشتهي أن يصف لي شيئا منها أتعلق به قال:
كان رسول الله ﷺ فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر إن انفرقت
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٨١٥) عن زهير بن حرب هاشم بن القاسم أبو النضر-به.
(٢) من القيلولة.
(٣) دلائل النبوة (١/ ٢٨٥ - ٢٩٢) من طريق مالك بن إسماعيل-به.
[ ٢ / ١٥٤ ]
عقيصته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون واسع الجبين، أزج الحاجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمه أشم كث اللحية سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين، وأعالي الصدر طويل الزندين، رحب الراحة سبط القصب شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفؤا ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه، يبدأ من لقيه بالسلام.
قال: قلت صف لي منطقه؟
قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين يعظم النعمة وإن دقت ولا يذم منها شيئا ولا يذم ذواقا، ولا يمدحه وفي رواية غيره لم يكن ذواقا ولا مدحة ولا تغضبه الدنيا وما كان لها فإذا تعوطى الحق، لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها يضرب براحته اليمنى على باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.
قال: فكتمها الحسين زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأله عما سألته، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومجلسه ومخرجه وشكله فلم يدع منه شيئا.
[ ٢ / ١٥٥ ]
قال: قال الحسين: سألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ قال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا لله تعالى وجزءا لأهله وجزءا لنفسه ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة والخاصة ولا يدخره عنهم شيئا وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول لهم: ليبلغ الشاهد الغائب وابلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره يدخلون عليه روادا ولا يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة قال:
وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه.
فقال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا مما يعنيه ويؤلفهم ولا يفرقهم.
أو قال: يتفرقهم شك أبو غسان ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم.
ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي على أحد بشره، ولا خلقه ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر من الحق ولا يجوزه الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة.
قال: فسألته عن مجلسه.
فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه في حاجة صابرة حتى يكون هو المنصرف، من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منهم بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا
[ ٢ / ١٥٦ ]
ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته متعادلين، متفاضلين فيه بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحوطون أو قال: يحفظون فيه الغريب.
قال: قلت: كيف كانت سيرته في جلساته.
قال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح، يتغافل عمل لا يشتهي ولا يويس منه ولا يحبب فيه قد ترك نفسه من ثلاث: كان لا يذمر أحدا ولا يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا بما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير وإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعوا عنده بشيء من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم، حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إذا كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه ولا يقبل الثناء من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام.
قال: قلت: كيف كان سكوته؟
قال: كان سكوت رسول الله ﷺ على أربع الحلم والحذر والتقدير والتفكير فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس.
وأما تذكره أو قال تفكيره ففيما يبقى ويفنى وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه وجمع له الحذر في أربع:
أخذه بالحسنى ليقتدي به وتركه القبيح لينتهي عنه واجتهاده في الرأي فيما هو أصلح لأمته والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة.