قال البيهقي ﵀: روينا (^١) عن ابن عباس أنه قال: الأعراف هو الشيء المشرف.
وروينا (^٢) عن حذيفة بن اليمان أنه قال: أصحاب الأعراف قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة فإذا ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (^٣) فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال لهم قوموا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم. وروي ذلك مرفوعًا بمعناه (^٤).
_________________
(١) راجع كتاب "البعث والنشور" (ص ١٠٤). وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٨/ ١٨٩) والحسين المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك (ص ٤٨٢ - ٤٨٣). وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٤٦٠) ونسبه أيضًا إلى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
(٢) في "البعث والنشور" أيضًا (ص ١٠٥) عن الحاكم أبي عبد الله. وهو في "المستدرك" (٢/ ٣٢٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٩٠). أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٤٦٢) ونسبه أيضًا إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد بن السري، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
(٣) سورة الأعراف (٧/ ٤٧).
(٤) عن الشعبي قال قال حذيفة- أراه قال- قال رسول الله - ﷺ -: "يجمع الناس يوم القيامة فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، وبأهل النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ =
[ ١ / ٥٨٦ ]
وفي حديث (^١) علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ (^٢).
قال: يعرفون أهل النار بسواد الوجوه وأهل الجنة ببياض الوجوه، قال: والأعراف هو السور بين الجنة والنار وقوله: ﴿لمَ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.
قال: هم رجال كانت لهم ذنوب عظام. وكان جسيم أمرهم لله ﷿، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى الجنة طمعوا أن يدخلوها، وإذا نظروا إلى النار تعوذوا بالله منها فأدخلهم الله الجنة فذلك قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (^٣).
[٣٧٦] أخبرناه أبو زكريا، قال أخبرنا أبو الحسن الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فذكره.
قال البيهقي ﵀: وروينا (^٤) في حديث مرسل ضعيف أنه سئل عن أصحاب
_________________
(١) = قالوا:= ننتظر أمرك. فيقال لهم: إن حسناتكم جازت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم، فادخلوا بمغفرتي ورحمتي". أخرجه المؤلف في "البعث والنشورب" قال: هو مرسل مرفوع فيما يتوهم راويه (ص ١٠٦). وأخرجه الحسن المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك وفيه: قال الشعبي أخبرت … فلم يذكر حذيفة (ص ٤٨١).
(٢) أخرجه المؤلف في "البعث والنشور" (ص ١٠٤ رقم ١٠٠). وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٨/ ١٩٤) وراجع "الدر المنثور" (٣/ ٤٦٣) وروى ابن المبارك عن الضحاك عن ابن عباس ببعضه. راجع "زيادات نعيم بن حماد" في الزهد (رقم ٤٠٢).
(٣) سورة الأعراف (٧/ ٤٦).
(٤) نفس السورة (٧/ ٤٩).
(٥) إسناده: حسن إلا أن فيه انقطاعًا، وهو نفس السند الذي أخرج به في "البعث والنشور".
(٦) في "البعث والنشور" (ص ١٠٦ رقم ١٠٤) عن محمد بن عبد الرحمن المزني عن أبيه. وأخرجه ابن جرير (٨/ ١٩٣) ورواه الطبراني وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٤) فيه أبو معشر نجيح وهو ضعيف. =
[ ١ / ٥٨٧ ]
الأعراف فقال: قوم قتلوا في سبيل الله ﷿ في معصية آبائهم فمنعتهم الجنة معصيتهم أبائهم ومنعهم (^١) من النار قتلهم في سبيل الله ﷿ وأما قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (^٢).
فهذا قولهم وهم على السور قبل أن يدخلوا الجنة لرجال من الكفار، ثم ينظرون إلى أهل الجنة فيرون فيها الضعفاء والمساكين، ممن كان يستهزئ بهم الكفار فى الدنيا فينادونهم يعني فينادون الكفار "أهؤلاء" يعني الضعفاء والمساكين ﴿الَّذِينَ أقسمْتُمْ﴾ يعني إذ أنتم في الدنيا ﴿لَا يَنَاُلُهمُ اللهُ بِرَحْمةٍ﴾ يعني الجنة ويقول الله لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
هكذا فسره الكلبي فيما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس.
وقال مقاتل بن سليمان: هذا قول أصحاب الأعراف لرجال من أهل النار في النار ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فأقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم، فقالت الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط ﴿أَهَؤُلَاءَ﴾ يعني أصحاب الأعراف ﴿الذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ يا أهل النار أنهم ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَخْمةٍ﴾ وهم داخلون النار معكم ﴿ادْخُلُوا الجْنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمْ وَلَاأنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (بالموت) (^٣).
وهذا القول أشبه بما روينا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
وأمر أصحاب الأعراف على الأصل الذي قدمنا ذكره. وهو أن من وافى القيامة مؤمنَا، ولسيئاته وزن في ميزانه، وهو بين أن يغفر له من غير تعذيب وبين أن يعذب
_________________
(١) = ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" (٣/ ٤٦٤) إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن منيع، ؤالحارث بن أبي أسامة، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب "الأضداد" والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" وأبي الشيخ وابن مردويه.
(٢) في النسخ "منعتهم".
(٣) سورة الأعراف (٧/ ٤٨).
(٤) زيادة في المطبوعة.
[ ١ / ٥٨٨ ]
بقدر ذنوبه، ثم يغفر له، فقد يكون منهم من لا يدخل الجنة في الحال، ولا يدخل النار، ولكن يحبس على الأعراف وهو السور- قال مقاتل: على الصراط- فإذا أراد الله دخولهم الجنة أمرهم بدخولها برحمته وبشفاعة الشفعاء. والله أعلم.