١٠ - (١٠) [صحيح] عن عُمرَ بنِ الخطابِ ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
"إِنما الأعمال بالنِّيَّة، -وفي رواية: بالنَيَّاتِ-، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسولِهِ، ومن كانتْ هجرته إلى دنيا يُصيبُها، أو امرأةٍ يَنكِحُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه".
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي (^٢).
قال الحافظ: "وزعم بعض المتأخرين أن هذا الحديث بلغ مبلغَ التواتر، وليس كذلك؛ فإنه انفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التَّممي (^٣)، ثم رواه عن الأنصاري خلق كثير، نحو مئتي راوٍ، وقيل: سبعُ مئة راوٍ، وقيل: أكثر من ذلك. وقد روي من طرق كثيرة غير طريق الأنصاري، ولا يصح منها شيء. كذا قاله الحافظ علي بن المديني وغيره من
_________________
(١) كذا قال، وفيه من لا يعرف، لكن له شواهد يتقوى بها، وهو مخرج في "الصحيحة" (٢٧٩٧). ومن جهل المعلقين الثلاثة أنهم صدروه بقولهم: "حسن"، ثم أعلوه بما نقلوه عن الهيثمي أنه قال: "رواه الطبراني، وفيه خداش بن المهاجر، ولم أعرفه"!!
(٢) قلت: وكذا قال المؤلف في "إخلاص النية في الجهاد" (١٢ - الجهاد/ ١٠)، وهو يوهم أن ابن ماجه لم يروه، وليس كذلك، فقد أخرجه في "الزهد" رقم (٤٢٢٧).
(٣) قلت: وهو رواه عن علقمة بن أبي وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب، فالحديث ليس متواترًا، بل هو مشهور.
[ ١ / ١٠٧ ]
الأئمة. وقال الخطابي: لا أعلم في ذلك خلافًا بين أهل الحديث. والله أعلم (^١) ".
١١ - (١١) [صحيح] وعن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -:
"يَغْزُو جيشٌ الكعبة، فإذَا كانوا ببيداءَ من الأرضِ، يُخسَفُ بأولِهِم وآخرهم".
قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! كيفَ يُخسَفُ بأوَّلِهِم وآخرِهِم وفيهم أسواقُهم (^٢)، ومَن ليسَ مِنهم؟ قال:
"يُخسفُ بأولِهم وآخرِهم، ثم يُبْعَثُونَ على نِيّاتِهم".
رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
١٢ - (١٢) [صحيح] وعن أنس بن مالك ﵁ قال:
رجعنا من غزوة تبوك مع النبي - ﷺ - فقال:
"إن أقوامًا خَلْفَنَا (^٣) بالمدينة، ما سَلَكْنا شِعْبًا (^٤) ولا واديًا إلاَّ وهم معنا، حَبَسَهم العُذرُ".
_________________
(١) قلت: وهو من أحاديث الآحاد الصحيحة التي اتفق العلماء على صحتها، وتلقته الأمة بالقبول كما في "شرح الأربعين" للحافظ ابن رجب، فهو يفيد العلم واليقين، خلافًا لما يجهر به بعض الكتاب اليوم: بن أحاديث الآحاد مطلقًا لا تفيد العلم، فإن هذا القول على إطلاقه باطل، دون شك ولا ريب، وبيانه في رسالتي "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة". ورسالتي الأخرى "الحديث حُجة بنفسه في العقائد والأحكام". وهما مطبوعتان.
(٢) جمع (سوق): وهي موضع البياعات، والتقدير: أهل أسواقهم الذين يبيعون ويشترون كما في المدن. وفي الأصل: "قدر نياتهم"، وهو خطأ. وانظر كتابي "مختصر البخاري - البيوع".
(٣) بإسكان اللام أي: وراءنا. قال الحافظ ابن حجر: "وضبطه بعضهم بتشديد اللام وسكون الفاء".
(٤) بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها موحَّدة: طريقًا من الجبل. و(الوادي): كل مُنْفَرَجٍ بين جبال أو آكام يكون منفذًا للسيل.
[ ١ / ١٠٨ ]
رواه البخاري وأبو داود، ولفظه: أن النبي - ﷺ - قال:
"لقد تركتُم بالمدينةِ أقوامًا ما سِرتُم مَسيرًا، ولا أنفقتُم مِن نَفَقَةٍ، ولا قَطَعتُم من واد إلاَّ وهم معكم".
قالوا: يا رَسولَ الله! وكيف يَكونونَ معنا وهم بالمدينةِ؟ قال:
"حَبَسَهُم المرضُ".
١٣ - (١٣) [صحيح لغيره] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"إنما يُبعث الناسُ على نِيَّاتِهم".
رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
١٤ - (١٤) [صحيح لغيره] ورواه أيضًا من حديث جابر؛ إلا أنه قال:
"يُحْشَرُ الناسُ".
١٥ - (١٥) [صحيح] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:
"إنَّ الله لا ينظرُ إلى أجسامِكم، ولا إلى صورِكم، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكم [وأشار بأصابِعه إلى صدره]، [وأعمالكم] (^١) ".
رواه مسلم.
١٦ - (١٦) [صحيح لغيره] وعن أبي كَبْشَةَ الأنماريّ ﵁؛ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول:
"ثلاثٌ أُقسِمُ عليهن، وأُحدِّثُكم حديثًا فاحْفظوه، -قال:-
ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظُلم عبدٌ مَظلمةً صبرَ عليها إلا زادَه الله
_________________
(١) قلت: زيادتان من "صحيح مسلم" (٨/ ١١)، والأخرى في رواية له، ولم ينتبه لهما المعلقون الثلاثة. والثانية منهما ضرورية هامّة، وقد انقلبت على بعضهم فأفسد المعنى. انظر تعليقي على "رياض الصالحين" (ص ١٤ طبع المكتب الإسلامي).
[ ١ / ١٠٩ ]
عزًّا، ولا فَتَحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عليه بابَ فقرٍ، أو كلمةٌ نحوها.
وَأُجدِّثكم حديثًا فاحْفظوه:
إنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ (^١) فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ".
رواه أحمد والترمذي -واللفظ له- وقال: "حديث حسن صحيح"،
[صحيح] ورواه ابن ماجه ولفظه:
قال رسول الله - ﷺ -:
"مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِهِ؛ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ، -قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:- فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ، يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ، -قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:- فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ".
_________________
(١) أي: يجري فيه من غير هدى، ويصرفه في الباطل.
[ ١ / ١١٠ ]
١٧ - (١٧) [صحيح] وَعَنِ ابْنِ عباسٍ؛ أنَّ رسول اللهِ - ﷺ - قَالَ فيما يروي عن ربه ﷿:
"إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسيئَاتِ، ثم بَيَّنَ ذَلِكَ في كتابه؛ فمن هَمَّ بِحسنةٍ فلم يَعْمَلْهَا؛ كتبها اللهُ عِنْدَهُ حسنةً كاملةً، فَإِنْ هَمَّ بِها فَعَمِلَهَا؛ كتبها اللهُ عنده عشرَ حسناتٍ، إلى سبع مِئةِ ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرَةٍ، ومن هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعمَلْها، كتبها اللهُ عنده حسنةً كاملةً، وإن هو هَمَّ بها فَعمِلَهَا؛ كتبها اللهُ سيئةً واحدَةً" -زاد في رواية (^١):- "أو محاها، ولا يَهلِكُ [على] الله إِلا هَالِكٌ".
رواه البخاري ومسلم.
١٨ - (١٨) [صحيح] وعن أبي هريرة؟ أن رسول الله - ﷺ - قال:
"يقولُ اللهُ -﷿-: إِذا أراد عبدي أن يعمل سيئةً فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بِمثلها، وإن تَركَهَا من أجلي، فاكتبوها له حسنةً، وإن أراد أن يعمَلَ حَسنةً فلم يَعمَلْها، فاكتبوها له حسنةً، فإن عمِلَها فاكتبوها له بعشرِ أمثالِها، إلى سبع مِئة".
رواه البخاري -واللفظ له- ومسلم.
وفي رواية لمسلم: قال رسول الله - ﷺ -:
"من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كُتِبَتْ له حسنةً، ومن هَمَّ بحسنةٍ فَعَمِلَها كُتِبَتْ له عشرُ حسناتَ، إلى سبع مِائة ضِعفٍ، ومن هَمَّ بسيئةٍ فلم يعَملْهَا لم تُكتَبْ عليه، وإن عَملَها كُتِبَتْ".
وفي أخرى له قال:
_________________
(١) هذه الرواية من أفراد مسلم دون البخاري؛ خلافًا لما يوهمه صنيع المؤلف رحمه الله تعالى كما نبه عليه الناجي (٩/ ١).
[ ١ / ١١١ ]
عن محمد رسول الله - ﷺ - قال:
"قال اللهُ ﷿: إذَا تَحَدَّثَ عبْدي بأن يعملَ حسنةً، فأنا أَكْتُبُها له حسنةً ما لم يَعْمَلَها، فإذا عَمِلَها فإني أكتُبُها له بعشرِ أمثالها، وإذا تحدَّثَ عبدي بأن يعملَ سيئةً، فأنا أغفرُها له ما لم يعملْها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بِمثلها، وإنْ تَرَكها فاكتبوها له حسنةً، إنما تَرَكهَا من جَرّاي".
قوله: (من جرّاي) بفتح الجيم وتشديد الراء، أي: من أجلي.
١٩ - (١٩) [صحيح] وعن مَعن بن يزيد ﵄ قال:
كان أبي يزيدُ أخرجَ دنانير يَتَصَّدقُ بها، فوضَعها عندَ رجلٍ في المسجد، فجئتُ فأخذتُها فأتيتُه بها، فقال: واللهِ ما إيَّاك أردتُ، فخاصمتُه إِلى رسولِ اللهِ - ﷺ - فقال:
"لَكَ ما نويتَ يا يَزيدُ! ولك ما أخذت يا مَعْنُ! ".
رواه البخاري.
٢٠ - (٢٠) [صحيح] وعن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله - ﷺ - قال:
"قال رجل لأتَصَدَّقَنَّ بصدقةٍ، فخرج بِصدقَتِه فوضعها في يَدِ سارق (^١).
فأصبحوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ (^٢) اللَّيلة على سارقِ! فقال: اللهم لك الحمْدُ على سارق (^٣)! لأتصدقَنَّ بصدقةٍ، فخرج بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ! لأتَصَدَّقَنَّ بصدَقَة، فخرجَ بِصدقَتِه فوضعها في يَدِ غَنِىٍّ، فأصبحوا
_________________
(١) أي: فوضع صدقته في يد سارق وهو لا يعلم أنه سارق.
(٢) مبني للمجهول، وهذا إخبار في معنى التعجب أو الإنكار.
(٣) أي: تصدُّقي على سارق.
[ ١ / ١١٢ ]
يَتَحَدَّثُون: تُصُدِّقَ اللَّيلَةَ عَلَى غَنِيٍّ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِىٍّ! فَأُتِىَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِىُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ".
رواه البخاري -واللفظ له-، ومسلم والنسائي، وقالا فيه:
"فقيل له أمّا صدقتك فقد تُقُبِّلَتْ" ثم ذكر الحديث.
٢١ - (٢١) [حسن صحيح] وعن أبي الدرداء يبلغُ به النبي - ﷺ - قال:
"من أتى فراشهُ وهو يَنوي أنّ يقومَ يُصلي من الليل، فغلَبَتْه عينُه حتى أصبحَ؛ كُتِب له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه من رَبِّه".
رواه النسائي وابن ماجه بإسناد جيّد، ورواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ذرّ أو أبي الدرداء على الشك.
قال الحافظ عبد العظيم ﵀:
"وسيأتي أحاديث من هذا النوع متفرقة في أبواب متعددة من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى".
[ ١ / ١١٣ ]