نقل الضياء عن الحافظ أبي موسى بن الحافظ عبد الغني قال: مرض والدي﵀- في ربيع الأول سنة ستمائة مرضًا شديدًا منعه من الكلام والقيام، واشتد به مدة ستة عشر يومًا، وكنت كثيرًا ما أسأله ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله تعالى، لا يزيد على ذلك.
فلما كان يوم الاثنين جئت إليه، وكان عادتي أبعث من يأتي كل يوم بُكرةً بماء حارٍّ من الحمام؛ يغسل أطرافه، فلما جئنا بالماء على العادة مَدّ يَدَه، فعرفت أنه يريد الوضوء، فوضأته وقت صلاة الفجر.
[ ٢٩ ]
ثم قال: يا عبد الله! قم فصل بنا وخفف.
فقمت فصليت بالجماعة، وصلى معنا جالسًا، فلما انصرف الناس جئت فجلست عند رأسه وقد استقبل القبلة، فقال لي: اقرأ عند رأسي سورة يس، فقرأتها، فجعل يدعو الله، وأنا أؤمِّن.
فقلت: هاهنا دواء قد عملناه تشربه.
فقال: يا بني! ما بقي إلا الموت.
فقلت: ما تشتهي شيثًا؟
قال: أشتهي النظر إلى وجه الله تعالى.
فقلت: ما أنت عني راضٍ؟
قال: بلى. والله أنا عنك راضٍ وعن إخوتك، وقد أجزت لك ولإخوتك ولابن أختك إبراهيم.
وأوصاني أبي عند موته، قال: لا تضيعوا هذا العلم الذي تعبنا عليه.
يعني: علم الحديث.
فقلت: ما توصي بشيء؟
قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد عليّ شيء.
قلت: توصيني بوصية؟
قال: يا بني! أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته.
فجاء جماعة يعودونه، فسلموا عليه، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون ففتح عينيه، وقال: ما هذا الحديث؟! اذكروا الله تعالى. قولوا: لا إله إلا الله. فقالوها، ثم قاموا، فجعل يذكر الله، ويحرك شفتيه بذكره، ويشير بعينيه،
[ ٣٠ ]
فدخل رجل فسلم عليه. وقال له. ما تعرفني يا سيدي؟! فقال: بلى.
فقمت لأناوله كتابًا من جانب المسجد، فرجعت وقد خرجت روحه، وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول من سنة ستمائة.
وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد (١)، واجتمع من الغد خلق كثير؛ من الأئمة والأمراء مالا يحصيهم إلا الله ﷿.
ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة (٢)، مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق في مكانٍ ذَكَرَ لي خادمُه عبد المنعم أنه كان يزور ذلك المكان، ويبكي فيه إلي أن يبل الحصي، ويقول: قلبي يرتاح إلي هذا المكان.
﵀، ورضي عنه، وألحقه بنبينا محمد - ﷺ -.