إن الرجالَ الكبارَ العلماءَ المخبتين لا تُطِيقُ ضمائِرُهُم الانفصالَ بَيْنَ أقوالِهِم وأعمالِهم، بل إنَّ شأْنَهم الراسخَ المطرد:
أنهم إذا قالوا قولًا، صَدَّقوه بالعمل.
ولقد جَهَرَ الإمامُ أحمد بالمحافظة على السنة، فقرن ذلك بالعزم على حفظ السنة.
وتَجَلَّى هذا العزمُ الصدوق في موسوعته الضخمة " المسند ".
كان حافزُ الإمام وحاديه إلى جمع " المسند " هو: الحفاظَ على الأحاديثِ والآثارِ لأنه يعلم - ﵀ - أن النبيَّ ﷺ أُوتي القرآنَ ومثلَه معهُ.
والمحافظةُ على " الأحاديث " إنما هي محافظة على هذا " المِثْلِ ".
ولن نُطِيلَ في الحديثِ عن المسند.
وما حملنا على العدولِ عن بسطِ الحديثِ عنه إلا ما بذله الإخوة المحققون والمعنيون بتوثيق هذه الطبعة من " المسند " من عمل ملموسٍ في وصفِ المسند وصفًا مفصلًا لا مزيدَ عليه.
فالمادةُ الوصفية واحدة تقريبًا.
[ ١ / ٢١ ]
وليس من الجهد المفيد: التكرارُ لِذات التكرار.
بيدَ أنني قد اطلعتُ على ما أعجبني وسرّني، ومن ذلك:
١- الجهدُ التوثيقيُّ الجديد للمسند:
فقد حصل أن توافر لهؤلاء الإِخوة المحققين لهذه الطبعة الجديدة نُسَخ خطية جديدة اعتمدوا عليها.
يقول المحققون: " اعتمدنا في تحقيقنا للمسند على عدة نسخ خطية، حصلنا على صور عنها من دمشق والقاهرة وبغداد والموصل واستنبول والرياض، منها ما هو كاملٌ لا نقص فيه، ومنها
ما وقع فيه بعض النقص، أو كان قطعة من المسند ".
٢- توثيقُ النص بمقابلة المطبوع بالأصول الخطية المتوافرة مع تثبيتِ الفروق وتجليتها.
٣- ضبطُ النصِّ ضبطًا يكاد يقترب من التمام، وضبط ما يُشكل مِن أسماء الرواة.
٤- التنبيهُ على بعض المآخذ على الطبعتين السابقتين.
٥- تقويمُ الأَسانيد والحُكم عليها، وتخريجها.
٦- الترتيب الفني الحسن - والداني القطوف - للمسند، وهو ترتيبٌ يُيَسِّر مهمةَ الذين يرجعون إلى المسند ليأخذوا منه ما يبتغون.
* * *
إنَّ من فضل الله - وهو ذو الفضل العظيم -: أنه - سبحانه
[ ١ / ٢٢ ]
وتعالى - يُقيّض للسنة في كُلِّ عصرٍ من يخدمها، ويُجَلِّي كنوزها.
وفي هذا العصر، يسر - جل شأنه - رجالًا علماء أمناء لِخدمة سنة رسوله ﷺ.
ومن هؤلاء الِإخوة: العاملون في تحقيق هذا المسند: الشيخ شعيب الأرنؤوط، والشيخ محمد نعيم العرقسوسي، والمتعاونون معهما.
إنَّ الجهد العظيم الصالح الذي قام به هؤلاء لخليقٌ بالتنويه والثناءِ والتقدير.
فأيُّ جهدٍ أعظمُ من جهد خدمة السنة النبوية المطهرة؟
وأيُّ عملٍ أولى بالتقدير والتنويه من هذا العمل؟
ثم زاد هذا الجهدَ إتقانًا وكمالًا ما قام به الأخوان الفاضلان:
الأستاذ الدكتور محمود أحمد ميرة.
والأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
الأستاذان في كلية أصول الدين بجامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، حيث تَفَضَّلا فراجعا ما قام به الإِخوة المحققون - في المجلد الأول - وجلسا معهم جلسات علمية نافعة، وقَدَّما ملحوظات مهمة استفاد المحققون من بعضها مما اقتنعوا به، وكانت لهم وجهة نظر مغايرة في بعضها فلم يأخذوا بها، منها ما يَرجِعُ إلى منهج التحقيق، ومنها ما يرجع إلى التحقيق نفسه، كما أبديا استعدادَهما للاستمرار في مراجعة بقية الكتاب، فجزاهما الله خيرًا، وأحسن مثوبتهما.
وما أحسنَ أن يتعاون العلماءُ في هذا المجال، وأن يستفيد بعضهم من بعض، ويكمل بعضُهم البعض، فالحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها.
[ ١ / ٢٣ ]
ومن حسنات مؤسسة الرسالة أن توسعَ عملها في الاتصال بالعلماء والمؤسسات العلمية في مختلف أنحاءِ العالم لتستفيد منهم وتتعاون معهم، وتضم جُهودَهم إلى جهود منسوبيها، فهذا أمر تُحْمَدُ عليه، وهو مظهر حضاري ينبغي أن يُشَجَّع، حتى لا تَسْتأثر الجهود الفردية بالأعمال الكبيرة - وهي عُرضة للخطأ والقصور -.
نسأل الله تعالى أن يجزيَ هؤلاء الإِخوة جميعًا بخير ما يجزي به عبادَه الصالحين لسان صدقٍ في الآخرين، وسعادة في الدنيا والآخرة.
* * *
وحينما عَرَضَ عليَّ الأخ الفاضل رضوان بن إبراهيم دعبول، صاحب مؤسسة الرسالة عَزْمَ المؤسسة على إصدار الموسوعة الحديثية الكبرى، بَدْءًا بمسند الإِمام أحمد ابن حنبل - ﵀ - ورغبته في أن أُشرِفَ على هذا العمل الضخم، فكرت كثيرًا في استفادة طلاب العلم منه، وتسهيل نشره بينهم، والصعوبات التي تواجه هذا العمل الكبير، ولكن من توفيق الله وتيسيره لخدمة سنة رسول الله ﷺ أنه بمجرد أن بَلَغَ مسامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله ووفقه - الاستعداد لهذا العمل والبدء فيه حتى سُرَّ بهِ ووجَّهَ بتشجيعه وتوزيعه على نفقته ابتغاء خدمة السنة، ونشر العلم الشرعي، ونفع طلاب العلم بنفائس السنة الشريفة.
فنسأَلُ الله جلَّ ثناؤُه أن يجزيَ خادمَ الحَرَمَيْنِ الشريفَيْنِ عن الإِسلام وأمته، والعلم وأهلِه، بخير ما يجزي به عبادَه الصالحين: علوًا في المقامِ، وإمامةً للمتقين وقرةَ عينٍ في الدنيا، وثوابًا في الآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ .
[ ١ / ٢٤ ]
ولئن عَزَّزَ خادمُ الحرمين الشريفين مكانة العلمِ والعلماء، فإنما يَنْبَعِثُ إلى ذلك من:
* قيامه على الدولةِ الإِسلامية، فمن المعروف أنَّ من وظائف الدولة الإسلامية - ومن دلائل وفائها للإسلام -: نشرَ العلمِ، وتيسير سبله أمامَ طلابه.
* اقتدائِه بوالده، الملكِ عبدِ العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - ﵀ -.
فقد كان - ﵀ - كثيرَ الاحتفاءِ بالعلماء، قويَّ الحرصِ على نشرِ العلومِ الشرعية.
أجل، فإنَّ هذه الأُمة تقومُ على العلم:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
* * *
وخليقٌ بنا أن نزجي الشكر الجزيلَ إلى " مؤسسة الرسالة " وصاحبها الأخ الأستاذ رضوان بن إبراهيم دعبول على ما قامت به من عملٍ صالح، ومبادرةٍ سديدةٍ في طبع " المسند " في ثوب جديد، وفي مضمونٍ مُوَثَّقٍ، فهذا عملٌ عظيم يضاف إلى أعمال المؤسسة العظيمة السابقة في مجال نَشْر الفكر الإسلامي الأصيل، وما أسهمت به في الدعوة إلى الله، والتعاون مع العلماء والدعاة.
سيظلُّ نشرُ التراث الإِسلامي الغالي الجوهر، وظيفةً رئيسةً من
[ ١ / ٢٥ ]
وظائفِ دور النشر الإسلامية.
إن خيرَ ما ورثناه عن السلف الصالح هو: الثروةُ العلمية، وهي ثروةٌ لا تُضاهيها ثروةُ أيَّةِ أمَّةٍ أخرى.
بَيْدَ أنَّ هذه الثروة تحتاجُ إلى مزيدٍ من جهودِ الاستخراجِ والإِحياء والتيسير.
ومما يزيدُ النفسَ غبطةً أن الإِخراجَ الجديدَ لمسند الإمام أحمد ابن حنبل، إنما هو " باكورةُ " إنتاجٍ طويلٍ عزمت " مؤسسةُ الرسالة " على إصدارِه تِباعًا، ينتظِمُ كُتُبَ السنة كُلَّها، ما طُبِعَ منها وما لم يُطْبَعْ.
والحمدُ لله الذي بعونه وفضله يصلح الغرسُ الأول.
والحمدُ لله الذي بنعمته تَتِمُّ الصَّالِحاتُ.
الرياض في ٢٨ / ٣ / ١٤١٣هـ
عبد الله بن عبد المحسن التركي
[ ١ / ٢٦ ]
بسم الله الرحمن الرحيم