إن الحمدَ لله نستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، ونشهدُ أنْ لا إله إلا الله، ونشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
وبعد:
فإنَّ مؤسسة الرسالةِ إيمانًا منها بأنه لا يَصْلُحُ آخِرُ هذه الأمةِ إلا بما صَلَحَ به أوَّلُها، وأنه إنما صَلَحَ أولُ هذه الأمةِ بالتمسُّكِ بكتاب الله وسُنَّة نبيه الخالية عن شوائب التشويه والتغيير، والدَّسِّ والوَضْع، قد رأت أن الطريق إلى صلاح هذه الأمة ونهضتها والسبيل إلى إيجادِ وعي إسلامي صحيح لدى أبنائها، بعيدٍ عن الأهواء العاصفة، إنما يتمثَّلُ في جَمْعِ أحاديث رسول الله ﷺ ضِمْنَ
[ ١ / ٣٣ ]
إطارِ موسوعةٍ حديثيةٍ كبرى تنتظم جميعَ كُتُب السنة المُسْنَدة التي أُلِّفَتْ خلالَ القرون الخمسة الأولى، ما نُشِرَ منها وما لم يُنْشَر، متبعةً في ذلك أمثلَ مناهج التحقيق، مع صنع الفهارسِ الميسِّرَةِ للإِفادة منها بأيسر سبيل.
وكان هذا المشروع - ولا يزالُ - مَحَطَّ أنظار ِأهلِ العلم والفَضْلِ وشُغْلَهم الشاغل في الأوساط العلمية والمنتديات الفكرية، لِمَا وَقَرَ في نفوسهم مِن أنه إذا ما تحقَّقَ، فستكونُ السُنَّةُ النبوية في مأْمنٍ من عَبَثِ العابثين، وتحريف الغالين، وانتحالِ المُبطلين، وسَيُوفِّرُ وقتًا كبيرًا لغير المتخصصين بعلمِ الحديث، كان يُنْفَقُ في البحث عن الحديث في المظانِّ المختلفة، ويُتِيحُ لهم الانصراف كليًا إلى استنباط المعاني، وتقييد الفوائد من الأحاديث الصحيحة التي هي - بالإجماع - المصدرُ الثاني للتشريع الإسلامي، والمبيِّنَةُ لما جاء في القرآن مِن النصوص العامَّةِ والمُطلَقَة والمجملة، والهاديةُ إلى
طرق تطبيقه.
وقد وضعت المؤسسةُ لإِصدارِ هذه الموسوعة الحديثيَّة الخُطَّة التالية:
١- القيام بعملية مَسْحٍ شاملٍ لكتب الحديث الموزعة في جميع مكتبات العالم، والعمل على جمعها في صعيدٍ واحدٍ، سواءً منها المخطوطُ والمطبوعُ.
٢- القيام بدراسة هي هذه الكتب والعمل على طَبْع ما لم يُطْبَعْ منها محقَّقًا التحقيقَ العلميَّ الأمثلَ، وأما ما طُبع منها من غير تحقيق، فيُعادُ طبعُه، ونشرت بتحقيق علمي.
أما الهَيْكَلُ الذي يَتِمُّ وفْقَه صنعُ هذه المَعْلَمةِ الحديثية الكبرى، فهو يقومُ على ما يلي:
[ ١ / ٣٤ ]
١- جمع حديث كل صحابيٍّ على حِدَةٍ على طريقة أصحاب المسانيد، لأن ذلك يحقِّقُ الاستقراءَ التامِّ، ويكونُ ترتيبُ الصحابة على نَسَق حروف المعجم.
٢- ترتيب أحاديث الصحابي ضمنَ مسنده على نَسَق كتب السنن، أي حسب الموضوعات والأبواب.
٣- دراسة الأسانيد والطرق دراسةً تُفْضِي إلى الحكم على هذه الأسانيد بأسلوب علميٍّ مُوثَّق مع العناية بما يلي:
أ- نَقْل كلام المتقدمين من أئمة الجرح والتعديل.
ب- التعرض للعلل الواردة مما صرَّحَ به أئمة هذا الفن.
جـ- نقد المتون التي تبيَّن وهَمُ الثقات فيها.
ومؤسسة الرسالة - ولله الحمدُ والمِنةُ - تملك من الكفاءات العلمية، والمهارات الفنية، والخبرة الطويلة، ما يَجْعَلُها قادرةً على تحقيق هذا المشروع وإنجازه بدقةٍ بالغة، وعنايةٍ فائقةٍ، وقد شَهِدَ لها كثيرٌ من أهل العلمِ والخبرةِ بأصالة ما تقومُ بنَشْرهِ من كتب التراث المتنوعة، وبجَوْدة ما فيها من
تحقيقاتٍ وتخريجاتٍ وتعليقاتٍ، وشروح.
وقد بدأت المؤسسةُ العملَ لإنجازِ هذا المشروع العظيم، وكان مِنْ الخطوات التي خَطَتْها على الطريق تَحْقِيقُ ونشرُ كتاب " الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان الذي لم يُسْبَقْ له أن طُبِع، والذي له أهميةٌ خاصة في عمل الموسوعة، إذ إنه يَسْتَدْرِكُ كثيرًا من الأحاديث الصحيحة على صحيحي البخاري ومسلم.
[ ١ / ٣٥ ]
ومن الخطوات المهمة التي صحَّ لها العَزْمُ الآن، وتهيَّأتْ لها الإمكانياتُ، تحقيقُ كتابٍ من أكبر كتب الحديث وأعلاها إسنادًا، ألا وهو كتابُ " المسند " للإِمام الجليل أحمد ابن حنبل، هذا الكتاب الذي يكادُ يستوعبُ معظمَ الأحاديث النبوية، والذي أراده مؤلِّفُهُ ابتداءً أن يكون موسوعةً
تضُمُّ ما اشْتَهَر من حديث رسول الله ﷺ إذ قال: فما اختَلَفَ فيه المسلمون
من حديث رسول الله ﷺ فَارجِعُوا إليه.
إنَّ تحقيقَ هذا " المسنَد " خَطوةٌ مهمة على طريق عمل الموسوعة الحديثية الكبرى، لأنَّه ما مِنْ حديثٍ - غالبًا - إلا وله أصلٌ في هذا " المسند ".
ولسائلٍ أن يقولَ: لِمَ لا تُوفِّرُونَ الوقتَ والجهدَ، فتنصرِفوا إلى نشرِ غيره من كتب الحديث، فَهذا " المسند " مطبوعٌ ومُتداوَل؟ فنقولَ:
إنَّ الدافعَ إلى إعادة نشرِ " المسند " يَكمُنُ في النِّقاط التالية:
١- الطبعة الميمنية المعروفة فيها تحريفٌ كثير وتصحيفٌ، وقد سقط منها أحاديثُ ومسانيدُ، كما وقع فيها بعضُ أحاديث مما رواه عبد الله عن غيرِ أبيه على أنها من مسند أبيه، وبالعكس.
٢- لقد تنبَّهَ لضرورة تحقيقِ المسند ونشره نشرةً علمية محرَّرة العلامةُ الشيخ أحمد شاكر - ﵀ -، فقام بنشر الكتاب محققًا، إلا أنَّه لم يُتِمَّهُ، إذ اختَرمَتْه المنيةُ قبل إتمامه، ونشرتُه لا تمثل إلا رُبْعَ الكتاب.
٣- حصولنا على أصول خطية لم يَقَعْ مُعْظَمُها لِمن قَبْلَنا ممن تصدَّى لِنشر الكتاب (١) .
_________________
(١) سيرد وصف تفصيلي للنسخ الخطية التي اعتمدنا عليها في نشر الكتاب في محله من هذه المقدمة.
[ ١ / ٣٦ ]
٤- اعتقادُنا بأنه لا بُدَّ من دراسةِ أسانيده دراسةً دقيقةً مُتْقَنةً، والحكم عليها بما يليقُ صحةً وضعفًا، لأن معظم القراء وكثيرًا من طلبة العلم لا يستطيعون أن يَتبيَّنوا صحة هذه الأحاديث، ولو كانت مقرونةً بأسانيدها، فكان الواجبُ يقتضينا أنْ نقدِّمَ هذه الأحاديث في طبعة يُذكَرُ فيها درجةُ
كل حديث منها، حتى يكونَ القارئ على بينةٍ من أمرها.
٥- تخريجنا لأحاديث " المسند " من جميع المصادر التي سبقت الإمام أحمد والتي تَلَتْهُ، مما تَيسَّرَ لنا.
هذه الأسبابُ مجتمعةً هي التي دفعتنا إلى إعادة نشر " المسند " ونرجو أن يُكرِمَنا الله بإتمام هذا العمل، وأن يَكتُبَه في صحائف أعمالنا، إن ربَّنا سميعٌ قريبٌ مُجيبٌ.
هذا، وقد أعددنا دراسةً مُوجَزةً ومقدمةً لا بُدَّ منها، تُلقي ضَوْءًا كاشفًا على " المسند " وخصائصه وحياة مؤلفه، نثبتها هنا بين يدي " المسند " وهي تشتملُ على الفقرات التالية:
١- ترجمة الإِمام أحمد.
٢- ثناء أهل العلم عليه.
٣- مؤلفاته.
٤- معنى المسند، وأول من ألَّف فيه.
٥- الكلام وعلى مسند أحمد.
٦- أقسام الأحاديث التي في المسند.
٧- عناية العلماء بالمسند.
٨- وصف النسخ الخطية.
٩- منهج التحقيق.
[ ١ / ٣٧ ]