الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والأخِرين، أما بعد:
فإن الله ﷿ ما زال يُوفِّقُ لتراثنا الإسلاميِّ العظيم من يقومُ بخدمته والعناية به، فصَدَرَتْ مجلداتٌ غير قليلة من كتب الحديث النبوي الشريف بعناية أساتذة أفاضل لم يَأْلُوا جهدًا في خدمتها وتسهيل الإفادة منها، وهي جهودٌ مشكورةٌ، ولكنها مبعثرة هنا وهناك لا ينتظمُها منهج واحد، مما جَعَلَ الإفادة منها متفاوتة.
وفي المقابل فقد لَمَسَتْ مؤسسة الرسالة في الآونة الأخيرة إقدامَ كثيرٍ ممن ينتحلون صناعة الوراقة على نَشْر كتب التفسير والحديث والفقه والعربية والتاريخ والأدب وما يَمُتُّ إليها بسبب، وإخراجها في طبعات رديئة، فيها أخطاء واضحة، وأغلاط مُشكِلة، وسقط وتحريف، إذ الكثيرُ منها لا يعتمد على أصول خطية موثَّقة، ويُوكَلُ أمرُ تحقيقها، والتعليقِ عليها إلى مَنْ ليس بأهلٍ لأن يتولى مثلَ هذا العملِ العظيم الذي لا يُحسِنُ الخوضَ فيه إلا من اكتملت فيه وسائلُ المعرفة، وتحلَّى بالصبر والأناة والتقوى، وقضى شوطًا كبيرًا من حياته في معاناته، وكان صنيعُهم هذا مشوِّهًا لثقافة أجدادنا من العلماء الإثبات، وهي ثروة ضخمة من مَجْدِ الإسلام، ومفخرة عظيمة للمسلمين.
ولم تَغْفُل مؤسسة الرسالة منذ نشأتها عن أهمية التراث، فكان لها دورٌ في نشر القليل منه، ولكن هذا الجانب أخذ يتنامى ويزيدُ في
[ ١ / ٢٧ ]
أواسط السبعينات، فأنشأت في أكثر من بلدٍ عربيٍّ مكاتبَ لتحقيق المخطوطات العربية، المتضمنة لعلوم القرآن، والفقه، والحديث، والأدب، والتاريخ، والتراجم، والعربية وغيرها، فصَدَرتْ عنها كتب علمية مُحقَّقة لم يكن أغلبُها قد طُبِعَ من قبلُ.
ولما كانت المؤسسة قد أَوْلَتْ كتبَ الحديث النبوي الشريف عنايَتها الخاصة، فقد اعتَزَمَتْ بعون الله وتوفيقه على أن تتولى إصدار الموسوعة الحديثية الكُبْرى، التي نواتُها " مسند الإمام أحمد " والصحيحان والسنن
الأربعة، وغيرها من كتب السنة المسنَدة مما دَوَّنه المحدِّثون الثقات خلالَ القرون الخمسة الهجرية الأولى، ما طُبِعَ منها وما لم يُطبَعْ، متبعة في ذلك أمثلَ مناهج التحقيق الذي يعتمدُ على الأصول الخطية المتقنة الموثَّقة، وضَبْط النص وتوزيعه، وسلامته من التصحيف والتحريف، ووَضْع الفهارس الميسِّرة للإفادة منها بأقرب طريق.
فإذا تَحقَّقَ للمؤسسة ما تَصْبُو إليه إن شاء الله تعالى على ضَوْء هذا المنهج - وهي أقدرُ من غيرها على ذلك بما تملكُه من الكفاءاتِ العلمية، والمهارات الفنية، والخِبْرة الطويلة، مما يَجْعَلُها قادرةً على تحقيق هذا المشروع وإنجازه بدِقَّةٍ بالغة، وعناية فائقة، وقد شَهِدَ لها كثيرٌ من أهل العلم
والخبرة بأصالة ما تقومُ بنَشْرِه من كتب التراث المتنوعة، وبجَوْدة ما فيها من تحقيقات وتخريجات وتعليقات - فستكون السنة النبوية في مَأْمَنٍ من عَبَث العابثين، وتحريف الغالين، وانتحال المُبْطِلين، وسيوفِّرُ وقتًا كبيرًا لغير المتخصصين بعلم الحديث من أهل العلم كان يُنْفَقُ في البحث عن الحديث
في المصادر المختلفة، ويتيحُ لهم الانصرافَ كليًا إلى استنباط المعاني، وتقييد الفوائد من الأحاديث الصحيحة التي هي المصدر الثاني للتشريع
[ ١ / ٢٨ ]
الإسلامي، والمبيِّنة لما جاء في القرآن من النصوص العامَّة والمطلَقَةِ والمجمَلة، والهادية إلى طُرُق تطبيقه.
وكان من أهم كتب هذه الموسوعة:
" مسندُ الإمام أحمد ابن حنبل "
وهو الإمام الجليل الذي قال فيه إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين:
كان في أحمد ابن حنبل خِصال ما رأيتُها في عالم قطُّ: كان محدِّثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان وَرِعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا.
أما " المسند " فقد أراد له مصنِّفُه أن يكون موسوعة تَضُمُّ ما اشتهر من حديث رسول الله ﷺ.
ونحن عندما تَتَّجِهُ نيتُنا لإنتاج عمل عظيم كهذا نهرع إلى علماءَ كبارٍ نتوسم فيهم العلم والخير، ونأمل منهم العون نستشيرهم ونستنير بآرائهم ونحاورهم، ونتبادل معهم الرأي.
وفي طليعة هؤلاء العلماء:
معالي الدكتور / عبد الله بن عبد المحسن التركي:
مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، الذي رافق نشاطَ هذه المؤسسة من بداياتها، فكان الأخَ وكان الصديقَ، وكان الرجل الذي لم يَأْلُ جُهدًا في تقديم النصح والتوجيهات والملاحظات التي كان لها أكبرُ الأثر في نفوسنا وفي منهجنا.
ولما طَرَحْتُ عليه فكرةَ هذا المشروع حَبَّذه وشَجَّع عليه، وتابع خطواته مرحلة مرحلة - على كثرة أشغاله -، وأبدى استعدادَه للتعاون معنا لتيسير هذا المشروع، فقدّم لنا عدة نسخ من الأصول الخطية التي استطاع حَصْرَها في مصورات مكتبات الجامعات والمراكز الثقافية - سواء في المملكة العربية السعودية أو خارجها - والتي كان من الصعب الحصولُ عليها دونه، ثم اطَّلَع
[ ١ / ٢٩ ]
على مقدمة الكتاب والمجلد الأول منه، وأبدى ملاحظاتٍ قيمة أَثْرَتِ العمل، وجعلته مميَّزًا عن الأعمال السابقة التي بُذِلت فيه.
وفي أثناء التحضير لإصدار الجزء الأول منه، زفَّ إلينا معاليه بُشرى تشجيع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - حفظه الله - طبع هذا الكتاب، وتفضله بتوزيعه على طلاب العلم على نفقته. فله منا ومن طلاب العلم الشكر والدعاء بأن يتقبل الله عمله ويجزيه عن الإسلام
والمسلمين خير الجزاء. والعلماء لا يستغربون ذلك منه، فهذه سنته وسنة والده الملك عبد العزيز آل سعود - ﵀ - في نشر كتب السلف والعناية بها، وتشجيع القائمين عليها.
وعندما تتبنَّى المؤسسة مثل هذا الكتاب الذي تزيد مجلداتُه على خمسة وثلاثين مجلدًا فهي تعلم حق العلم أنها بحاجة إلى مجهود علمي وإمكانات كبيرة.
أما المجهود العلمي فقد أوكَلَتْ هذا المشروع إلى مكاتب التحقيق لديها والتي يُشرف عليها الأستاذ الشيخ / شعيب الأرنؤوط - حفظه الله - الذي أمضى شوطًا كبيرًا من حياته يختلف إلى حلقات أهل العلم المختصين بدراسة علوم القرآن، والحديث النبوي الشريف، والفقه، والأصول والعربية، يَأْخُذ عن كل واحد منهم العلم الذي اختص به، فاتجهت همته بعد ذلك إلى تحقيق أمهات كتب السنة التي لم تُطْبَعْ، مثل: " شرح السنة " للبغوي، و"صحيح " ابن حبان البستي، و" شرح مشكل الآثار " للطحاوي، وتخريج نصوصها ودراسة أسانيدها، والتعليق عليها، والتقديم لها.
وصَدَرَ له ما يزيد على مئة مجلدة مما لم يسبق نشرُه من قبل عن أصول خطية موثقة، وقد نالت القَبُولَ عند أهل العلم، وتداولوها وانتفعوا بما فيها، ونَوَّهوا بالكتابة وغيرها بفضل محققها وعلمه، وحُسن تَأْتِّيهِ لما يَعرِض له، ويقوم به.
[ ١ / ٣٠ ]
ويعاونه في مجال التحقيق نفرٌ غير قليل من طلبة العلم الذين تَخَرَّجوا به، وتدربوا عليه، وأفادوا منه: منهم الشيخ نعيم العرقسوسي الذي تتلمذ على يديه فعَمِل بصمت يبتغي وجه الله، وقَدَّم عدة مجلدات، يُشاركهما في عملهما الأستاذان عادل مرشد، وإبراهيم الزيبق، وهما من طلبة العلم الذين تخرجوا بالأستاذ شعيب وأصبح لهم يدٌ طُولَى في هذا العلم الشريف، وكانا - وما يزالان - يقدمان خدمات جليلة تُثْري العمل وتخرجه بأبهى صورة وأتمها، وهناك أخوة أُخَر يتعاونون معنا في مجال التحقيق ويُسهمون في إنجاز ما نحن بسبيله من كتب التراث: كالأَساتذة: كامل الخراط، ورضوان العرقسوسي، وقاسم النوري، وحمدي صبح، وغيرهم.
وكثير منهم قد استقام لهم المنهجُ، واتَّضَحَ لهم السبيل، وأصبحوا قادرين على العطاء في هذا المِضْمار، وقد صَدَرَ لغير واحد منهم كتبٌ محققة تَشهَدُ لهم باقتدارهم وأهليتهم.
وعدد غير قليل منهم لا يزالون يعملون تحت إشرافه في مكاتب قسم التحقيق التابعة للمؤسسة المنتشرة في غير ما دولةٍ عربيةٍ، وهؤلاء يعملون في عدد من كتب السنة المطهرة إعدادًا وتحقيقًا.
ويَسُرُّني أن أُنَوِّهَ بجهود العالمين الفاضلين:
الأستاذ الدكتور محمود أحمد ميرة.
والأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
الأستاذين بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حيث تَفَضَّلا فقَدَّما ما لديهما من معلومات مهمة عن " المسند " ومخطوطاته وشروحه، كما قَدَّما للمؤسسة ما يتوفر لديهما من مصورات لبعض نسخه.
كما تفضلا بمراجعة التحقيق وأبديا ملاحظاتٍ على المنهج وعلى التحقيق استفدنا منها في عملنا.
[ ١ / ٣١ ]
فلهما منا جزيلَ الشكر والثناء.
إنني أَدِينُ بالشكر والعرفان بالجميل لكل من ذكرتُ في مقدمتي هذه، ولإخوان كرام آخرين لا يمكن حَصْرُهم أو ذِكر أسمائهم في هذه الوريقات، منهم من قَدَّمَ بعض المخطوطات من القاهرة أو دمشق، ومنهم من نَضَّدَ الكتاب أو هيَّأ صفحاته، أو أشرف على ترتيبه أو أيّ عمل فيه، أو أسهم
بدَعْمِه أو نشره أو توزيعه، إلى هؤلاء جميعًا أُقدِّمُ جزيل شكري، وخالص امتناني.
أما أنا فاحمدُ الله العليَّ القدير الذي هيأني لمثل هذا العمل، وهيأ لي سُبُلَ خدمة هذا الدين الحنيف، وجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وأخيرًا:
إن مثلَ هذه الإنجازات المتميزة في مجال التراث التي تقومُ بها المؤسسة أبتغي فيها أنا وأهلي وأولادي فيما نظن:
أولًا: رضوان الله والفَوْز بنعيمه.
ثانيًا: دعوات صالحات بظَهْر الغيب من طلبة العلم الذين يَجِدُون بُغْيَتَهم في هذا النتاج الطيب،
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ﴾ .
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ .
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .
ونضرعُ إليه سبحانه أن يتولانا برعايته وتوفيقه وتأييده، وأن يَجْعَلَ عملنا هذا - وكلَّ عمل سواه - خالصًا لوجهه الكريم، وأن يمنحنا القُدرة على تحقيق ما نحن آخذون بسبيله، وأن يتغمَّدَنا برحمته يوم لا ينفَعُ مال ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلب سليم.
رضوان دعبول
[ ١ / ٣٢ ]