١- قمنا بتوثيق النَّصِّ، وذلك بمقابلة المطبوع بالأصول الخطية المتوافرة لدينا، وأثبتنا الفروق المهمة، وقد رمزنا للطبعة الميمنية في هوامشنا بالحرف (م) .
٢- ضبطنا النصَّ ضبطًا قريبًا من التمام، وضبطنا ما يُشْكِلُ من أسماء الرواة، وكناهم وألقابهم ضبط قلم، وربما ضبطناه بالحروف في الحاشية.
٣- نَبَّهنا على الأخطاء الواقعة في الطبعتين السابقتين من تحريف وتصحيف وسقط.
٤- حَكَمْنا على أسانيد أحاديثه، حيث قمنا بدراسة رجال إسناد كلِّ حديث فيه، وأشرنا إلى الأسانيد التي هي على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم.
وإذا كان بعضهم من رجال البخاري، وبعضهما من رجال مسلم، قلنا:
إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الصحيح، وإنما فعلنا هذا لبيان أن هذا الإِسنادَ في أعلى درجات الصحة، فقد أطبقت الأمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة، وأن من احتج به الشيخان أو أحدهما، فقد جاز القنطرة، فإن تخريج حديث الراوي في " الصحيحين " أو أحدهما محتجَّيْن به، هو بمنزلة التصريح بتوثيقه (١)، ولبيان
هذا العدد الكبير من الأحاديث الصحيحة التي لم ترد عندهما ولا عند أحدهما مع أنها مستوفية لشروط الصحة التي اشترطاها في كتابيهما، وليس
_________________
(١) انظر " الاقتراح " لابن دقيق العيد ص ٣٢٦ - ٣٢٩.
[ ١ / ١٣٨ ]
في هذا تعقب لهما أو إلزامهما بهذه الأحاديث التي استوفيت الشروط التي التزماها، فإنهما رحمهما الله قد صرحا بأنهما لم يقصدا استيعابَ جميعِ الأحاديث الصحيحة في كتابيهما.
وقد تحرينا في الأعم الأغلب أن يكون قولنا: " هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم " مقيدًا بمن احتج بهم الشيخان أوأحدهما في الأصول، وليس ممن خرجا له استشهادًا أومتابعة أوتعليقًا، ولا ممن هو موصوف بتدليس أوتخليط، فإنهما رحمهما الله ينتقيان من حديث من تكلم فيه ما توبع عليه، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلًا،
ومن حديث المدلس ما صرح بالسماع فيه، ومن حديث المختلط بأخرة ما رواه الثقة عنه قبل اختلاطه.
وإذا كان في السند راوٍ لا يُحْتَجُّ به لسوء حِفظه أو لكونه رُمِيَ بالاختلاط أو التغير أو التدليس ووقفنا على متابع له في تلك الرواية ممن يصلح حديثُه للمتابعة، أو كان لمتنِ الحديث ما يشهد له، أطلقنا الصحة أو الحسن على ذلك الحديث وفق ما يقتضيه المقام لغلبة الظنِّ أنه بالمتابعة أو الشاهدِ، لم يقع لذاك الراوي المجروح تخليطٌ فيه أو غلط أو وهم.
وقد يَنْتَهِضُ إسنادُ الحديثِ إلى درجةٍ أعلى مِن درجة الحسن، ولكنه لا يَبلُغُ رتبةَ الصحيح، فنقول في مثل هذا النوع من الإسناد: إسنادُه قوي، أو جيد، إشارةً منا إلى أنه فوق الحسن ودون الصحيح، وهذا الاستعمال متداول بين أهل العلم الذين مارسوا هذا الفنَّ واختصُّوا به، وصاروا أعلامًا فيه.
وما سوى ذلك فقد حَكَمْنا عليه بما يليقُ بحالهِ من صحةٍ أوحسنٍ أو ضعفٍ، مسترشدين بما أصَّله جهابذة الحديث ونقاده من أصول وقواعد لتوثيق
[ ١ / ١٣٩ ]
الروايات وفحص الأسانيد، وتنقيد المتون، فإنهم القُدْوةُ في هذا الفن، والمعَوَّل عليهم فيه.
وإذا كان في السند راوٍ لم نجد فيه توثيقًا ولا تضعيفًا عن أحدٍ من أئمة الجرحِ والتعديلِ، لكنه مذكورٌ في " ثقات ابن حبان "، فإنه لا يَخْرُج عن حدِّ الجهالة ولا يقوى حديثُه عندنا إلا بأحد أمرَيْنِ:
الأول: أن ينصَّ ابنُ حبان على توثيقه، كأن يقولَ: مستقيمُ الحديث، أو ثقة، أو صحيح الحديث.
الثاني: أن يَروي عنه جماعةٌ ثلاثةٌ فما فوق، ولم يرد عنه ما يقدح في ضبطه، فقد قال الإمام الذهبي في " ميزان الاعتدال " ٣ / ٤٢٦ في ترجمة مالك بن الخير الزبادي تعليقًا على قول ابن القَطّان: هو ممن لم تَثبُتْ عدالتُه: يريد أنه ما نَصَّ أحدٌ على أنه ثقة، وفي رواة " الصحيحين " عددٌ كثير ما عَلِمْنا أن أحدًا نصَّ على توثيقهم، والجمهورُ على أنَّ مَن كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأتِ بما يُنكر عليه أن حديثَه صحيحٌ (١) .
وسيجدُ القارىءُ الكريمُ أننا قد خالَفْنا في تنقيد الرواة الحافظَ ابن حجرٍ وغيره من أئمة هذا الشأن فيما انتهوا إليه من أحكام على عددٍ غيرِ قليلٍ من
_________________
(١) وقد تعقبه الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه السخاوي في " فتح المغيث " ١ / ٢٩٦ بقوله: ما نسبه للجمهور لم يصرح به أحد من أئمة النقد إلا ابن حبان، نعم هو حق فيمن كان مشهورًا بطلب الحديث والانتساب إليه. قلنا: وفي تعقُّبه هذا نظر، فإنه ليس في كلام الإمام الذهبي ما يشير إلى تنصيص الجمهور على هذه القاعدة، وإنما يُفهم منه أنه ﵀ قد استنبط هذه القاعدة من جملة أحاديث صححها الجمهور، وفي أسانيدها رواة لم يؤثر توثيقهم عن أحد، والحافظ نفسه ﵀ مع تعقُّبه للذهبي يتبع هذه القاعدة، ويحكم بمقتضاها على أحاديث غير قليلة بالصحة أو الحسن كما هو معلوم لكل من ينظر في تخريجاته.
[ ١ / ١٤٠ ]
الرواة نتيجةَ مراجعة كتب الجرح والتعديل المعتمدة التي تَضَمَّنت أقاويل الثقات في هؤلاء الرواة، والموازنةِ الدقيقة بينها، واستخلاصِ ما هو أقربُ إلى الصواب منها، ولنا على كتاب " التقريب " للحافظ ابن حجر مؤاخذاتٌ غير قليلة تدل على أنه ﵀ لم يحرِّر تراجمَ عدد غير قليل من الرواة تحريرًا دقيقًا، فقد وَقَعَتْ له فيه أخطاء يُسْتَغْرَبُ صدورُها مِن مِثْلِه، ولا بأسَ من إيرادِ أمثلةٍ منها تَذكِرةً لمن يُعَوِّل عليه، ويعتمِدُ أحكامَه، ويرى أنها غيرُ قابلةٍ للنَّقد:
قال في ترجمة عبد العزيز بن أبي سليمان الهذلي: مقبول. وقد صرَّح في مقدمته أنه يُطْلِقُ هذه اللفظةَ على من يُقبَلُ حديثُه عندَ المتابعة، وأنه عند عدمها يكونُ لَيِّنَ الحديث.
وعبد العزيز هذا روى عنه جمعٌ، ووثَّقه عليُّ بنُ المديني، وأحمد، ويحيى بن معين، وأبو داود، وابن نمير، وابنُ حِبان، فهل يُقَالُ عن مثلِ هذا: مقبول؟!
وقال في ترجمة إياس بنِ خليفة البَكْري: صدوق. وهي تعني عندَه أنه يعني في الدرجةِ الثانية بعدَ الثقة. مع أنه لم يروِ عنه غيرُ عطاء بن أبي رباح، وانفرد بتوثيقه ابنُ حبان، وقال العقيليُّ: في حديثه وَهَمٌ، وقال الذهبي في " الميزان " ١ / ٢٨٢: لا يكاد يُعْرَفُ. فهل يُقَالُ في مثلِه: صدوق، وهو في عِداد المجهولين.
وقال في ترجمة خالد بن غَلاّق: مقبول. مع أنه من رجال مسلم، وخالف ما هنا في " تلخيص الحبير " ١ / ١١٨، فقال في خبرٍ في سندِه خالدٌ هذا: إسنادُه صحيح.
وقال في ترجمة ربيعة بنِ ناجذ الأزدي: ثقة. مع أنَّه في عِداد
[ ١ / ١٤١ ]
المجهولين، لأنه لم يَرْوِ عنه غيرُ أبي صادق الأزدي، ولم يوثِّقه غيرُ ابنِ حبان، وقال الذهبي في " الميزان ": لا يكاد يُعْرَفُ، وقال في " المغني ": فيه جهالةٌ، أفمِثْلُ هذا يقالُ فيه: ثقة.
وقال في ترجمة خالدِ بنِ دِهْقان الدمشقي: مقبول. مع أنه قد وثَّقه أبو مُسْهِرٍ، ودُحيم، وأبو زرعة، وابنُ حبان والذهبي، وروى عنه جمعٌ، ولم يُضعِّفْه أحدٌ.
وقال في إبراهيمَ بن يزيد بن شريك التَّيْمي: ثقة ألا أنه يُرسِلُ ويُدلِّس.
وهذا وَهَمٌ منه ﵀، فإنه لم يَصِفْه أحد بالتدليس حتى هو نفسه لم يذكُرْه في " طبقات المدلسين "، وربما يكون قد الْتَبَس عليه بإبراهيم بن يزيد النخعي الذي بعده، فهذا قد وصفوه بالتدليس، وإن كان هذا الوصفُ لا ينطبق عليه أيضًا.
وقال في عبد الله بن نَهيك: كوفي صدوق. مع أنه لم يرو عنه غير أبي إسحاق، ولم يوثقه غيرُ ابنِ حبان، فمثلُ هذا يقالُ فيه: مقبول أو مجهول.
وقال في عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي: صدوقٌ له أوهام. مع أنه ثقةٌ كما يُعْلَمُ مِن ترجمته في " التهذيب "، ولم يتكلم عليه غيرُ ُشعبة من أَجْل حديثٍ، وثناؤُهم عليه مستفيض.
وقال في ترجمة علقمة بنِ وائل بن حُجْر: صدوقٌ إلا أنه لم يَسْمَعْ من أبيه. وهذا وَهَمٌ منه ﵀، فقد ثَبَت سماعُه في غير ما حديثٍ عن أبيه، كما هو مبيَّن في تعليقنا على " السير " ٢ / ٥٧٣ - ٥٧٤.
وقال في عمير بن يزيد بن عمير الأنصاري: صدوق. مع أنه وثَّقه ابنُ معين، والنسائي، وابنُ مهدي، وابنُ نمير، وابنُ حِبان، والعِجْلي، والطبراني.
[ ١ / ١٤٢ ]
وقال في عوف بن الحارث بن الطُّفيل بن سَخْبَرة: مقبول. مع أنه احتجَّ به البخاريُّ، وذكره ابن حبان في " الثقات " وروى عنه جمع.
وقال في قَتادة بن دِعامة السَّدوسي: ثقة ثَبْت. ولم يَصِفْهُ بالتدليس هنا، مع أنه قال في " مقدمة الفتح ": ربما دَلَّس، وأدرجه في " طبقات المدلسين " في الطبقة الثالثة التي لا يقبل حديث أصحابها إلا إذا صَرَّحوا بالسماع، وقال: مشهور بالتدليس.
وقال في محمد بن يوسف القرشي: مقبول. مع أنه وثَّقه أبو حاتم والدارقطني والذهبي، وذكره ابنُ حبان في " الثقات ".
وقال في معبد بن كعب بن مالك الأنصاري: مقبول. مع أن البخاري ومسلمًا قد احتَجَّا به، وروى عنه جمعٌ، وذكره ابنُ حبان في " الثقات ".
وقال في هشام بن عمرو الفزاري: مقبول. مع أنه وثَّقه ابنُ معين وأبو حاتم وأحمد، وذكره ابن حبان في " الثقات ".
وقال في يونس بن خباب الكوفي: صدوق يخطىء. وكيف يقال هذا فيه، وقدكذَّبه يحيى بنُ سعيد، وقال ابنُ معين: رجل سوء ضعيف، وقال ابن حبان: لا تَحِلُّ الرواية عنه، وقال النسائي: ضعيف، وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال في يونس بن سيف الكَلاعي الحمصي: مقبول. مع أنه قد وثَّقه الدارقطنيُّ والذهبي، وابنُ حبان، وقال البزار: صالح الحديث، وروى عنه جمع.
ثم إن الرموز التي في " التقريب " لا يجوز الاعتمادُ عليها وحدها فيما يَخُصُّ البخاريَّ ومسلمًا، لأن المؤلف ﵀ قد رَمَز في مواطن كثيرة لكلِّ من أَخْرَجَ له البخاري بـ (خ)، ولمن أخرج له مسلم بـ (م)، سواء قد احتَجَّا
[ ١ / ١٤٣ ]
به، أم أخرجا له في المتابعات والشواهد، فلا بُدَّ من التمييز بين الرواة الذين احتَجَّا بهم أو أحدهما وبين الرواة الذين أخرجا لهم في المتابعات والشواهد، فإن النوعَ الثاني من الرواة يَقْصُر عن رُتْبة الصحيح، كما هو معلوم لأهل هذا الفن.
وإذا كان مصدرُ الحكم على الراوي مستمدًا من غير كتاب " تهذيب الكمال " وفروعه، أحلنا على المصادر التي نقلنا عنها وأفدنا منها.
٥- خرّجنا أحاديث الكتاب من " الصحاح " و" السنن " و" المسانيد " و" المعاجم " وغيرها من المظانِّ مما تيسَّرَ لنا، محاولين الاستيعاب قدرَ الإمكان، وأشرنا إلى أماكن وجود الحديث إذا تكرر في المسند، وبما أن المؤلف قد يُورِدُ الحديث الواحد في مواضع متعددة من طرق مختلفة، فقد قمنا بتخريج كُلِّ طريق في موضعه مشيرين إلى أنَّ المؤلفَ سيوردُهُ من طريق كذا برقم كذا، وإن لم يورِدْه إلا من طريق واحدة مع أن له طرقًا عديدة أشرنا إلى تلك الطرق الأخرى عن ذلك الراوي. وفي حال اختلاف الطريق كُلِّها عدا الصحابي راوي الحديث نُورِدُ الإسنادَ بتمامه أو جزء منه.
وإذا كان للحديث شاهدٌ عند أحمد، أَحلنا عليه، فنقول مثلًا:
ويشهد له حديثٌ سبق برقم كذا، أو سيأتي، ويُحال حينئذ إلى الصفحة والجزء في الطبعة الميمنية، وإذا لم يكن الشاهد في المسند، فيُخَرَّج من المصادر الأخرى مع تبيين حاله عند الحاجة إلى ذلك، فيزداد بذلك حديثُ الباب قوةً، وبخرج عن حدِّ الغرابة.
٦- علَّقنا على بعض المواضع بما يستدعيه المقام، من تفسير لفظ غريب، أو توضيح معنى مستغلق، أو ترجمة بلد أو موضع، أو نقل فائدة لمحها أحدُ الأئمة من الخبر، أو ذكر وقوع نسخ في الحديث، أو التنبيه على
[ ١ / ١٤٤ ]
شذوذ في المتن، أو علة خفية قادحة، ونحو ذلك. ونحيل إلى المصادر التي نقلنا عنها، فأحيانًا نثبت النص المنقول بتمامه في العلة الخفية القادحة، وأحيانًا نلخصه بحيث يفي بالمراد، ويحقق المبتغى.
ونذكرُ أيضًا ما نقف عليه من قرائن يكون لها تأثير في حال الراوي، أو في درجة الحديث، وذلك إما ضمن خلاصة الراوي، أو عند الحكم على الحديث.
وغيرُ خافٍ على طلبة العلمِ الحُذَّاق أنَّ صحة السند وحدها لا تكفي لصحة المتن، فإن جواز وقوع الخطأ من الثقة لا خلاف فيه، وهو جائز عقلًا وعادة، ووافق فعلًا وحقيقة، فقد ذكر الخطيب في كفايته ص ١٤٤ - ١٤٥ عن الأئمة سفيان الثوري والشافعي وشعبة أنه إذا كان الغالب على الراوي الحفظ فهو حافظ، فإنه لا يكاد يفلت من الغلط أحد، ويقوي ذلك ويؤكِّده ما قال الترمذي: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم.
ولهذا اشتُرط في الحديث الصحيح سلامتُه من الشذوذ والعلة، وهما يقعان في أحاديث الثقات، قال الإمام أبو عبد الله الحاكم في علوم الحديث ص ١١٢ - ١١٣: وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقطٌ واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يُحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولًا، والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير.
وقد قال أهل هذا الفن: إن قول المحدث في حديث ما: إسناده صحيح، هو دون قولهم: صحيح، لأنه قد يصح السند ولا يصح المتن. قال العلامة ابن القيّم في الفروسية ص ٦٤: وقد عُلم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة إلحديث، وليست موجبة لصحة الحديث، فإن الحديث يصح
[ ١ / ١٤٥ ]
بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته.
وقد ردَّ غيرُ واحد من العلماء الذين يُعوَّل عليهم في هذا الباب في القرون المفضَّلة والتي تلتها أحاديثَ غير قليلة من جهة المتن، وحكموا ببطلانها ونكارتها وشذوذها.
وتدرك العلة بتفرد الراوي، أو بمخالفة غيره له مع قرائن تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم وغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث، أو يتردد فيتوقف فيه.
ولا يتفطن لعلل الحديث، ويكشف عنها، إلا العالم بهذا الفن، الماهر فيه الذي قضى معظم وقته في دراسة كتبه، ومعرفة أقاويل أهل العلم الذين اختصوا به وصاروا أعلامًا فيه.
٧- رقمنا أحاديث الكتاب، ونبَّهنا على المكرر منها.
٨- فصَّلنا النص ورقَّمناه، ووضعنا قول الرسول ﵊ بين قوسين صغيرين، والآية بين قوسين مزركشين.
٩- نبَّهنا إلى زيادات عبد الله بن الإِمام أحمد ووجاداته، وما رواه عن أبيه، وعن شيخ أبيه أو غيره، باستخدام الرموز التالية:
• دائرة صغيرة سوداء لزيادات عبد الله.
° دائرة صغيرة بيضاء لوجاداته.
* نجمة مدورة لما رواه عن أبيه، وعن شيخ أبيه أو غيره.
وسننبه على هذه الرموز في بداية كل جزء.
[ ١ / ١٤٦ ]
١٠- أما الفهارس التي سنقوم بإعدادها عند انتهاء الطبع بإذن الله تعالى فتشمل:
١- فهرس شيوخ أحمد.
٢- فهرس شيوخ عبد الله بن أحمد.
٣- فهرس الصحابة.
٤- فهرس الرواة.
٥- فهرس الأحاديث القولية والفعلية.
ولا بُدَّ لنا من التنويه بالجهودِ المباركةِ التي أنفقها الشيخُ المُحَدِّثُ أحمد محمد شاكر في خِدمة هذا " المسند " الجليلِ، لِتقريب الإفادة منه إلى الناسِ عامةً وأهلِ الحديث خاصةً، حتى يَصِلُوا إلى ما في السُّنَّةِ النبوية مِن كنوز قد يَعْسُرُ الوصولُ إليها في كتابٍ هو كالأصلِ لجميع كُتُبِ السُّنَّةِ أو
أكثرها، وقد بيَّن ﵀ في مقدمته أنَّه لم يلتزِمْ في الكلام على الأحاديثِ أن يُخرِّجها كلها، وعَلَّلَ ذلك بأنَّه أمرٌ يطولُ جدًا، وإنما جعل همته ووَكْدَه أن يُبين درجةَ الحديثِ، فإن كان صحيحًا ذكرَ ذلك، وإن كان ضعيفًا بيَّن سَبَبَ ضعفه، وأن كان في سنده رجلٌ مختلفٌ في توثيقه وتضعيفه، اجتهدَ رَأْيَهُ على ما وَسِعَه علمُه، وذكر ما يراه.
ومع شهادة غيرِ واحدٍ من أهلِ العلم ببلوغه - ﵀ - في معرفةِ حديث رسول الله ﷺ روايةً ودرايةً، مبلغًا لم يُجارِه أحدٌ به من معاصريه ممن يَنْتَحِلُ صناعة الحديث، فإنَّه ﵀ قد تَساهَلَ في الحكم على أحاديثِ غير قليلة في " المسند " تساهلًا غيرَ مرضي عند الحُذَّاقِ من النقاد، فقوَّى حالَ ابنِ لهيعة مطلقًا وعليِّ بن زيد بن جُدعان وشريك بن عبد الله النخعي ومن هُوَ مِن بابَتِهم، وفي كثيرٍ من الأحاديث التي جاءت في " المسند " يقولُ في كُلِّ
[ ١ / ١٤٧ ]
واحدٍ منها: إسنادُه صحيح، رجالُه ثقات، مع أن في سندها مَنْ رُمِيَ بالاختلاط وراويه عنه ممن روى عنه بعد الاختلاط، أو ممن هو موصوف بسوء الحفظ، أو كان ممن يُعرف بالتدليس وقد روى حديثه بالعنعنة، وقد صحح كثيرًا من الأسانيد التي فيها رواة مجهولون لم يُؤْثَرْ توثيقُهم عن أحدٍ من الأئمة المعتمدِ عليهم الموثوق بهم في هذا الفن، أو يكون ممن قد انفرد بذِكْره ابنُ حبان في كتابه " الثقات " أو وَثَّقه العجلي، اللذان عُرفا عندَ أهلِ العلم بالتساهلِ في التوثيق، كما أنه يَعْمَدُ إلى تصحيح سندٍ يكونُ في أحدِ رواته ضعفٌ خفيف، ويأتي بمتنٍ فيه مخالفةٌ لمن هو أوثقُ منه.
وفي كُلِّ ذلك مخالفةٌ للجهابِذَةِ النقادِ من أهلِ الحديث في مُخْتَلِفِ عصورهم، وهذا هو السَّبَبُ الذين دعانا إلى مخالفته ﵀ في كثيرٍ من الأحكام التي انتهى إليها في التصحيح والتضعيف، والأمثلة كثيرة نكتفي هنا بإيراد بعضها:
فقد صحح حديثَ سماكٍ عن عكرمة، عن ابنِ عباس، مع أنَّهم قد نَصُّوا على أن روايتَه عن عكرمة فيها اضطراب، وسماك - وهو ابنُ حرب - لا يرقى حديثُه إلى الصحة. انظر (١١٦) و(٢٤٠) و(٢٩١) .
وصحح الحديثَ (١٢٤) مع أن في سنده عبدَ الله بن لَهِيعة وأبا الزبير، والأولُ منهما ضعيفٌ عندهم إلا إذا كان الراوي عنه أحدَ العبادلة، وهذا الحديثُ ليس منها، والثاني مدلس وقد عنعن. وانظر (٢١٢) و(٤٥٣) .
وصحح الأحاديثَ (١٢٩) و(١٥٦) و(٣٤٥) و(٧٨٣) و(٨١٤) و(١٢٠٦) مع أن في سند كُلِّ واحدٍ منها عليَّ بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيفٌ لا يُقبل حديثُه إلا في المتابعاتِ عندهم.
[ ١ / ١٤٨ ]
وصحح الأحاديث (١٣٥) و(١٤١) و(٢٢٣) و(٤١٦) و(٥١١) و(٥١٧) و(٥٣٨) و(٥٧٦) و(٦٣٢) و(٦٤٤) و(٦٤٥) و(٦٤٩) و(٦٥٥) و(٦٦٥) و(٦٧٢) و(٦٩٥) و(٧٥٤) و(٧٥٩) و(٨٠٢) و(٨٢٠) و(٨٢٨) و(٨٥٧) و(٩٦٧) و(١٠٧٨) و(١١٣١) مع أنَّ في سند كُلِّ واحدٍ منها مجهولًا أوأكثر.
وصحح الأحاديثَ (٧١٣) و(٧٦٦) و(٧٨٢) و(٨٤٣) مع أن في سند كُلِّ واحدٍ منها شريكَ بنَ عبد الله القاضي، وهو سيئ الحفظِ عند المحققين من أئمة هذا الشأن، فمثلُه لا يُعْتَدُّ بما يتفرَّدُ به.
وصحح أحاديثَ في إسنادِ كلٍّ منها راوٍ ضعيف، انظر (٢٩٣) و(٥٠٥) و(٥٢٦) و(٥٧٣) و(٦٩١) و(٧٧٨) و(٧٩٠) و(٧٩٢) و(٧٩٣) و(٨٤٧) و(٩٦١) و(١١٩١) .
وقال في حديث رقم (٣٠٩): إسناده صحيح، وهو مُعَلٌّ بالانقطاع، أبو لبيد - واسمه لمازة بن زبار - راويه عن عمر لم يُدْرِكْهُ.
وقال في حديث رقم (٢٩٢): إسناده صحيح، مع أن في سنده محمد بن إسحاق، وهو مشهورٌ بالتدليس وقد رواه بالعنعنة، على أنَّه لو صرح بالتحديثِ لا يرتقي حديثه إلى الصحة، وإنما هو حسنٌ فقط.
وصحَّحَ الحديثَ (٤٤٠) مع أنَّ في سنده حريث بن السائب، وقد عدَّ الإمام أحمد هذا الحديث من منكراته، وفي متنه نكارة.
وصحح الحديث (٦٠٩) مع أن في سنده أبا بكر بنَ عياش راويه عن أبي إسحاق وسماعُه منه ليس بذاك القوي، وأبو إسحاق - وهو السَّبيعي - لم يسمع هذا الحديثَ من شريح بن النعمان، وقال البخاري: لم يثبت رفعُه.
وصحح إسنادَ الحديث (٦١٢) مع أن فيه اضطرابًا كثيرًا كما هو مبين في
[ ١ / ١٤٩ ]
شرحنا، وصحح الدارقطني وقفه.
وصحح إسناد الحديث (٧٢٧) مع أن في سنده عطاءَ بنَ السائب، وقد اختلط، وعامةُ مَنْ روى عنه هذا الحديثَ إنما رووه عنه بعدَ اختلاطه.
وصحح إسنادَ الحديث (٧٢٨) مع أن في سنده عبدَ الله بن محمد بن عقيل، وفي حفظه شيء، وحديثُه من قبيل الحَسَنِ إلا عندَ المخالفة، فضعيف، وهذا الحديثُ فيه مخالفةٌ لما رواه البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١) من حديث عائشة ﵂.
وصحح إسنادَ الحديث (٧٦٦) مع أن فيه عليَّ بنَ علقمة الأنماري لم يُوثقه غيرُ ابنِ حبان، ولم يرو عنه سوى سالم بنِ أبي الجعد، وقال البخاريُّ:
في حديثه نظر، وذكره العقيليُّ وابنُ الجارود في الضعفاء، وانفرد ابنُ عدي بقوله: ما أرى بحديثه بأسًا، وفي سنده أيضًا شريكُ بنُ عبدِ الله النخعي القاضي وهو سيئ الحفظ.
وصحح إسنادَ الحديث (٨٨٧) مع أن في سنده بقيةَ بنَ الوليد، وهو معروف بتدليس التسوية، - وهو شر أنواعه - وقد اشترطوا في مثله أن يُصَرَّحَ بالسماعِ في جميع طبقاتِ السند، وهو منتفٍ في هذا الحديث.
ونؤكِّدُ هنا أن هذه المؤاخذات والنقدات لا تَنْقُصُ مِن قَدْرِ هذا المحدث الجليل، ولا تَغُضُّ من قِيمتِه، ولا تزيلُه عن رتبته الرفيعة في هذا الفَنِّ، لأنَّ تصحيحَ الحديث وتضعيفه مسألة اجتهادية ونظرية تختلف فيها الأنظارُ بين أهلِ العلم، كاختلافِ الفقهاء في كل ما هو مِن المسائل الاجتهادية.
قال الإِمام المنذري في أجوبته عن أسئلة في الجرحِ والتعديلِ ص ٨٣:
واختلافُ هؤلاء المحدثين في الجرحِ والتعديلِ كاختلافِ الفقهاء، كل ذلك
[ ١ / ١٥٠ ]
يقتضيه الاجتهادُ، فإن الحاكمَ إذا شُهِدَ عنده بجَرْحِ شخصٍ، اجتهدَ في أنَّ ذلك القَدْرَ مؤثِّرٌ أم لا؟ وكذلك المحدثُ إذا أراد الاحتجاجَ بحديث شخصٍ ونُقِلَ إليه فيه جرحٌ، اجتهد فيه هل هو مؤثِّر أم لا؟
ويَجْري الكلامُ عنده فيما يكون جرحًا، في تفسير الجَرْحِ وعَدَمه، وفي اشتراط العددِ في ذلك، كما يجري عندَ الفقيه، ولا فرقَ بين أن يكونَ الجارحُ مُخبِرًا بذلك للمحدِّث مشافهةً أو ناقلًا له عن غيره بطريقه، والله ﷿ أعلم.
وإننا إذ نُقدِّرُ جهودَ هذا المحدث الجليل، وننوِّهُ بفضله، ونَعُدُّه رائدَ نَشْر نصوص الحديث النبوي الشريف في هذا العصر وتحقيقها على هذا النحو الذي تابعه عليه غير واحد من المختصين بهذا الفن، نَتَمَثَّلُ بقول الإمامِ أحمد ابنِ حنبل فيما رواه عنه أحمدُ بن حفص السَّعْدي: لم يَعْبُر الجِسرَ
(يعني جسر بغداد) إلى خراسانَ مِثْلُ إسحاقَ بن راهَوَيْهِ وإن كان يُخالِفُناَ في أشياءَ، فإنَّ الناسَ لم يَزَلْ يخالِفُ بعضُهم بعضًا.
هذا ما وفقنا الله تعالى إليه، ونسأله سبحانه أن يُمِدَّنا بقوة من لَدُنْه، وأن يعينَنا على إنجاز هذا المشروع الكبير، وأن يُجَنِّبَنا الزَّلَلَ والخطأ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. ربَّنا عليك توكَّلنا وإليك أنبنا، وإليك المصير.
عمان ٩ / ١ / ١٩٩٢ م
٤ / ٧ / ١٤١٢ هـ
شعَيبُ الأرنؤوط
محمّد نعيم العرقسُوسي - عادل مُرشد - إبراهيم الزّبيق
[ ١ / ١٥١ ]