مولده فِي يوم الاثْنَيْنِ منتصف رجب الفرد سنة ست وَتِسْعِينَ وخمسمائة بحماة، وَتُوُفِّيَ والده فِي شوال من هَذِهِ السنة وعمرة ثلاثة أشهر، فرباه عمه
[ ١ / ٩٥ ]
الشَّيْخ أَبُو الفتح نصر اللَّه، ولم يزل فِي خدمته إِلَى أن تُوُفِّيَ عمه فِي ثالث صفر سنة ست عشرة وستمائة، فانتقل إِلَى دمشق، وأقام بها مدة يتفقه عَلَى الشَّيْخ الإِمَام أَبِي منصور ابْن عساكر فقيه دمشق عَلَى مذهب الإِمَام الشافعي ﵁، ويلازمه ويقوم بخدمته، وحج فِي سنة سبع عشرة وستمائة، وعاد إِلَى دمشق إِلَى شيخه المذكور، ثم بعد ذلك بمدة سافر إِلَى حماة، وقد حفظ نصف كتاب المهذب فِي المذهب، فاتفق ورود الشَّيْخ القدوة عَبْد الرحيم المغربي إِلَى حماة فانقطع إليه، وترك المدارس إِلَى أن تُوُفِّيَ الشَّيْخ عَبْد الرحيم المذكور فأقبل بعد وفاته عَلَى الاشتغال بالحديث النبوي، وبعد ذلك قرأ الوسيط للغزالي جميعه دروسا، ودرس بدار الحديث البشيرية بحماة، ودرس بمدرسة القاضي الإِمَام أَبِي الطاهر ابْن البارزي بحماة إِلَى أن حج فِي سنة ست وَخَمْسِينَ وستمائة، فلما عاد من الحج ترك التدريس بها، ثم إنه حج فِي سنة إحدى وَسِتِّينَ وستمائة، وصام رمضان بمكة، فلما عاد ترك أَيْضًا البشيرية، وأقام بدار الحديث الخطيبية إِلَى أن حج فِي سنة ثلاث وَسَبْعِينَ وستمائة، ثم إنه قصد من حماة زيارة البيت المقدس فِي ذي القعدة سنة خمس وَسَبْعِينَ وستمائة فاستصحب معه كفنه، وودع أهل البلد، وأخبرهم أنه يموت بالقدس، فوصل إليه، وأقام بِهِ أياما ثم مرض يومين، وَتُوُفِّيَ فِي الثالث، وكانت وفاته فِي بكرة يوم عيد الأضحى المبارك من السنة
[ ١ / ٩٦ ]
حرف الألف وهم ثمانية عشر رجلا
من اسمه إبراهيم وهم خمسة:
[١] والدي إبراهيم بْن سَعْد الله بْن جماعة بْن عَلِيّ بْن جماعة بْن حازم بْن صخر الكناني نسبا، الحموي مولدا، الشافعي مذهبا، السلفي معتقدا، من ولد مالك بْن كنانة، أَبُو إسحاق بْن أَبِي الفضل
مولده فِي يوم الاثْنَيْنِ منتصف رجب الفرد سنة ست وَتِسْعِينَ وخمسمائة بحماة، وَتُوُفِّيَ والده فِي شوال من هَذِهِ السنة وعمره ثلاثة أشهر، فرباه عمه
[ ١ / ٩٧ ]
تُوُفِّيَ أخوه فِي شعبان سنة خمسين وستمائة، انفرد هُوَ بذلك إِلَى حين وفاته، وَكَانَ يقصده الناس، ويلبسون مِنْهُ الخرقة، ويتبركون بِهِ، وَكَانَ يذكر فِي ثلاث ليال من السنة، ليلة المولد الشريف النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، بجامع حماة يذكر فِي كل ليلة مَا يتعلق بها، ويجتمع عنده خلق كثير، ويقصد من البلاد والقرى لسماع مجلسه وحضوره، وربما كثر الناس بحيث يجلسون عَلَى سطح الجامع، ولما رأى كثرة الناس نصب كرسيه عَلَى المنارة الشمالية، فكان يجلس عليه ليسمع الناس، وَكَانَ الحاضرون يكثرون البكاء والتواجد لسماع كلامه، وَكَانَ يقرأ الحديث النبوي بالجامع عَلَى منبر صغير فِي أيام الجمع قبل الصلاة، لم يزل كذلك إِلَى آخر عمره، وَكَانَ معظما مبجلا محببا إِلَى جميع الناس الخاصة والعامة، كثير الذكر إذا تكلم فِي باب من العلم أتى بأشياء حسنة، وفوائد جليلة فِي معنى ذلك من الكتاب والسنة وكلام السلف، يظهر عَلَى كلامه التأييد مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، ولكلامه وقع وتأثير فِي قلوب السامعين، لا يمل جليسه من مجالسته لحلاوة لفظه، وعذوبة كلامه، وحسن منطقه، تغمده اللَّه برحمته ونفعنا بمحبته آمين.
أخبرنا وَالِدِي الشَّيْخُ الإِمَامُ الْعَالِمُ السَّيِّدُ الْقُدْوَةُ الزَّاهِدُ الْعَابِدُ بَقِيَّةُ السَّلَفِ عُمْدَةُ الْخَلَفِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ الشَّيْخِ الإِمَامِ السَّيِّدِ الزَّاهِدِ أَبِي الْفَضْلِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ جَمَاعَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْكِنَانِيُّ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِمَدِينَةِ حَمَاةَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، قَالَ: أنا الإِمَامُ الْعَلامَةُ مُفْتِي الْفِرَقِ بَقِيَّةُ السَّلَفِ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، قَالَ: أنا عَمِّي الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، إِجَازَةً، قَالَ: أنا أَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ
[ ١ / ٩٨ ]
الشَّحَّامِيُّ، بِنَيْسَابُورَ، أنا الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ الْخُسْرَوْجِرْدِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، ثنا هَمَّامٌ، ثنا قَتَادَةُ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ ﵁: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْبُخَارِيُّ الْجُعْفِيُّ، مَوْلاهُمْ، ﵁، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَمْرِو بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَازِعِ الْكِلابِيِّ الْقَيْسِيِّ الْبَصْرِيِّ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ الْعَوْذِيِّ، مِنْ بَنِي عَوْذِ بْنِ سَوْدٍ الْبَصْرِيِّ، وَلَهُ كُنْيَتَانِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ بْنِ قَتَادَةَ، وَفِي اسْمِ جَدِّهِ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ عُكَابَةُ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ، مِنْ بَنِي سَدُوسِ بْنِ شَيْبَانَ
[ ١ / ٩٩ ]
ابْنِ ذُهْلٍ، وَكَانَ قَتَادَةُ أَكْمَهَ، حَافِظًا أَحْفَظَ مَنْ فِي زَمَانِهِ، كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَصِفُهُ، وَيَقُولُ: مَا أَتَانِي مِنَ الْعِرَاقِ أَحْفَظَ مِنْهُ، وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُعَظِّمُهُ، وَيَقُولُ: وَهَلْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِثْلَ قَتَادَةَ؟ وَقَالَ لَهُ يَوْمًا ابْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِثْلَكَ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَطْنَبُ فِي ذِكْرِهِ، وَيَنْشُرُ مِنْ عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالتَّفْسِيرِ وَالاخْتِلافِ، وَيَقُولُ: قَلَّ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً.
وَيَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِنَا، هُوَ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ، وَالرَّاوِي عَنْهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ الأَصَمُّ، الرَّاوِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، صَاحِبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَالرَّاوِي عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، هُوَ الْحَاكِمُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ النُّعْيَمِيُّ الْبَيِّعُ، صَاحِبُ تَارِيخِ نَيْسَابُورَ، وَعُلُومِ
[ ١ / ١٠٠ ]
الْحَدِيثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَبِالإِسْنَادِ إِلَى زَاهِرٍ الشَّحَّامِيِّ، قثا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ فِي آخَرِينَ، قَالُوا: أنا أَبُو الْحُسَيْنِ الْخَفَّافُ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، ثنا أَبُو يَحْيَى الْبَزَّازُ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ".
أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيِّ، نَزِيلِ تِنِّيسَ، وَهُوَ مِمَّنِ انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ
[ ١ / ١٠١ ]
بِلا وَاسِطَةٍ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ الْكُتُبِ، وَعَنْ أَبِي رَجَاءٍ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ الْبَلْخِيِّ الْبَغْلانِيِّ، وَيُقَالُ اسْمُهُ: يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ لَقَبٌ، وَهُوَ مِمَّنِ اتَّفَقَ الأَئِمَّةُ السِّتَّةُ، الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، عَلَى إِخْرَاجِ حَدِيثِهِ، وَأَخْرَجَهُ الإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنِ الإِمَامِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّيْسَابُورِيِّ التَّمِيمِيِّ، ثَلاثَتُهُمْ عَنِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ غَيْمَانَ بْنِ خُثَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ ذُو أَصْبَحَ، عِدَادُهُمْ فِي بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ، الْمَدَنِيِّ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ، كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: مَا أَشَدَّ انْتِقَادَ مَالِكٍ لِلرِّجَالِ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ إِذَا ذَكَرَ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ بَدَأَ بِمَالِكٍ، وَقَدْ رَوَى
[ ١ / ١٠٢ ]
الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَهُمَا مِنْ شُيُوخِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لا يُقَدِّمُ عَلَى مَالِكٍ أَحَدًا
وقال أَبُو حاتم الرازي: مالك بْن أنس إمام أهل الحجاز نقي الرجال، نقي الحديث، وَهُوَ أنقى حديثا من الثَّوْرِيّ والأوزاعي، وَقَالَ الشافعي ﵁: إذا جاء الأثر فمالك النجم. واشتكى مالك أياما يسيرة، وتشهد عند موته وَقَالَ: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، ومات فِي صبيحة أربع عشرة من شهر بيع الأول سنة تسع وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ بالمدينة، ودفن بالبقيع، وضرب الفسطاط عَلَى قبره فِي خلافة هارون، وَكَانَ قد قارب التسعين، ويقال: حمل بِهِ فِي البطن، ثلاث سنين ﵁.
وَأَبُو الزناد، شيخ مالك، هُوَ عَبْد اللَّه بْن ذكوان القرشي المدني، كنيته أَبُو عَبْد الرَّحْمَن، وَأَبُو الزناد لقب لَهُ اشتهر بِهِ، ويقال: كَانَ يغضب مِنْهُ.
كان سُفْيَان الثَّوْرِيّ يسمي أَبَا الزناد أمير المؤمنين فِي الحديث، وَقَالَ عَبْد ربه بْن سعيد: رأيت أَبَا الزناد دخل مسجد رَسُول اللَّهِ ﷺ ومعه من
[ ١ / ١٠٣ ]
الأتباع مثل مَا مع السلطان، فبين سائل عَن الشعر، وبين سائل عَن الحديث، وبين سائل عَن معضلة.
وكان أقدم فِي الفتيا من ربيعة، وَكَانَ فصيحا بصيرا بالعربية، عالما عاقلا، مَاتَ فجأة فِي مغتسله ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة ثلاثين وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْن ست وَسِتِّينَ سنة، ﵀.
وشيخه الأعرج هُوَ أَبُو داود عَبْد الرَّحْمَن بْن هرمز المدني القرشي مولاهم، كَانَ ثقة، كثير الحديث، مَاتَ بالإسكندرية سنة سبع عشرة وَمِائَةٍ، ﵀.
وَبِالإِسْنَادِ إِلَى زَاهِرٍ الشَّحَّامِيِّ، قثا وَالِدِي الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الشَّحَّامِيُّ، إِمْلاءً، قثا أَبُو سَعِيدِ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو الصَّيْرَفِيُّ، قثا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
[ ١ / ١٠٤ ]
﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مَلائِكَةً فَضْلا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ ﷿، يُنَادُوا: هَلُمُّوا إِلَى بَغْيَتِكُمْ، قَالَ: فَيَجِيئُونَ حَتَّى يَحُفُّوا بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَيْشِ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُسَبِّحُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولون: لا، فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ تَمْجِيدًا، وَأَشَدَّ ذِكْرًا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأَيْشِ يَطْلُبُونَ؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا. قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا؟ قَالَ: فَيَقُولُ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ؟. قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا. قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا تَعَوُّذًا، وَأَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا؟ قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: إِنَّ فِيهِمْ فُلانًا الْخَطَّاءَ، لَمْ يُرِدْهُمْ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي حَاجَةٍ. قَالَ: فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ ".
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَرِيرٍ الضَّبِّيِّ الرَّازِيِّ، مَوْلِدُهُ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَصْبَهَانَ، وَنَشَأَ
[ ١ / ١٠٥ ]
بِالْكُوفَةِ، وَنَزَلَ قَرْيَةً عَلَى بَابِ الرَّيِّ، وَكَانَ ثِقَةً، كَثِيرَ الْعِلْمِ، يُرْحَلُ إِلَيْهِ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ صِحَاحًا، وُلِدَ سَنَةَ مَاتَ الْحُسَيْنُ، سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ عَشِيَّةَ الأَرْبَعَاءَ لِيَوْمٍ خَلا مِنْ جُمَادَى الأُولَى، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، عَنِ الإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الأَعْمَشِ الأَسَدِيِّ الْكَاهِلِيِّ الْكُوفِيِّ، كَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: كَانَ نَاسِكًا مُحَافِظًا عَلَى الصَّلاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَعَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَهُوَ عَلامَةُ الإِسْلامِ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ: مَا رَأَيْنَا نَحْنُ وَلا الْقَرْنُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا مِثْلَ الأَعْمَشِ، وَمَا رَأَيْتُ الأَغْنِيَاءَ والسَّلاطِينَ عِنْدَ أَحَدٍ أَحْقَرَ مِنْهُمْ عِنْدَ الأَعْمَشِ مَعَ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ. وَكَانَ جَرِيرٌ إِذَا حَدَّثَ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: هَذَا الدِّيبَاجُ الْخُسْرَوَانِيُّ، وَكَانَ شُعْبَةُ يُسَمِّي الأَعْمَشَ: الْمُصْحَفَ مِنْ صِدْقِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ يُسَمِّيهِ سَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَكَانَ الأَعْمَشُ أَخَذَ الْقِرَاءَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَرَأَسَ فِي ذَلِكَ، كَانَ فَصِيحًا، وَكَانَ عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ، وَكَانَ مُطْرِحَ التَّكَلُّفِ، يَمْضِي إِلَى الْجُمُعَةِ، وَعَلَيْهِ فَرْوٌ وَالصُّوفُ إِلَى خَارِجٍ، وَعَلَى كَتِفِهِ مِنْدِيلُ الْخُوَانِ عِوَضًا عَنِ الرِّدَاءِ، وَقَالَ شُعْبَةُ: مَا شَفَانِي أَحَدٌ مِنَ الْحَدِيثِ مَا شَفَانِي الأَعْمَشُ، وَقَالَ هُشَيْمٌ: مَا رَأَيْتُ بِالْكُوفَةِ أَحَدًا أَقْرَأَ لِكِتَابِ اللَّهِ ﷿ مِنَ الأَعْمَشِ، وَلا أَجْوَدَ حَدِيثًا، وَلا أَفْهَمَ، وَلا أَسْرَعَ إِجَابَةً لِمَا يُسْأَلُ عَنْهُ، وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: لِلأَعْمَشِ نَحْوُ أَلْفٍ وَثَلاثِمِائَةِ
[ ١ / ١٠٦ ]
حَدِيثٍ. وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ: كَانَ الأَعْمَشُ قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَمْ تَفُتْهُ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى. مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَمَاتَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ بَعْدَ مَوْتِ مَنْصُورٍ، بِسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً
وأبو صالح شيخ الأعمش هُوَ ذكوان الزيات المدني، كَانَ يجلب السمن والزيت إِلَى المدينة.
قال أَحْمَد بْن حَنْبَل: أَبُو صالح من أجل الناس وأوثقهم ومن أصحاب أَبِي هُرَيْرَةَ، وقد شهد الدار زمن عثمان ﵁، وَكَانَ كثير الحديث، وإذا قدم الكوفة ينزل فِي بني أسد، فيؤمم بني كاهل، وَكَانَ عظيم اللحية، وَكَانَ يخللها، وَكَانَ يقول: مَا كنت أتمنى من الدنيا إِلا ثوبين أبيضين أجالس فيهما أَبَا هُرَيْرَةَ، تُوُفِّيَ سنة إحدى وَمِائَةٍ بمدنية رَسُول اللَّهِ ﷺ.
[ ١ / ١٠٧ ]