أحد الشيوخ المسندين من أصحاب أَبِي القاسم البوصيري، وَهُوَ من بيت مَشْهُور بمصر بالعلم والدين، خرج مِنْهُ جماعة من الفقهاء، ورواة الحديث، وكانت وفاة شيخنا هَذَا فِي ليلة الثلاثاء حادي عشري جمادى الأولى سنة ست وَسِتِّينَ وستمائة بالقاهرة، ودفن من الغد بعد الظهر بسفح المقطم، حضرت جنازته والصلاة عليه، ﵀ وإيانا، ومولده فِي الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وخمسمائة بمصر.
أخبرنا الشَّيْخُ الأَصِيلُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيقِ بْنِ رَشِيقٍ الْمَالِكِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ بْنِ عَزُّونٍ الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ الدِّمَشْقِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ مُجْتَمِعِينَ، وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِالْقَاهِرَةِ، قَالُوا: أنا الشَّيْخَانِ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُعُودٍ الأَنْصَارِيُّ الْبُوصِيرِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدِ بْنِ حَامِدٍ الأَرْتَاحِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، قَالَ الْبُوصِيرِيُّ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ
[ ١ / ٣٧٨ ]
مُحَمَّدُ بْنُ بَرَكَاتٍ السَّعِيدِيُّ، وَقَالَ الأَرْتَاحِيُّ: أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ الْفَرَّاءُ كِتَابَةً، قَالا: أَخْبَرَتْنَا أُمُّ الْكِرَامِ كَرِيمَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْمَرْوَزِيَّةُ الْكُشْمَيْهَنِيَّةُ، قَالَ ابْنُ بَرَكَاتٍ: بِقِرَاءَتِي عَلَيْهَا، قَالَتْ: أنا أَبُو الْهَيْثَمِ مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُشْمَيْهَنِيُّ، قَالَ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ، قثا الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَحْنَفِ الْجُعْفِيُّ مَوْلاهُمُ الْبُخَارِيُّ، قثا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: لا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: «أنا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، ثُمَّ قَالَ: لِعَلِيٍّ امْحُ «رَسُولَ اللَّهِ» قَالَ: لا وَاللَّهِ لا أَمْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلاحٌ إِلا فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا. فَلَمَّا دَخَلَهَا، وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ
فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ: يَا عَمِّ، يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ احْمِلِيهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي. وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» وَقَالَ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ» وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: «أَشْبَهْتَ خُلُقِي وَخَلْقِي» وَقَالَ
[ ١ / ٣٧٩ ]
لِزَيْدٍ: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلانَا».
هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَاذَامَ الْكُوفِيِّ الْعَبْسِيِّ مَوْلاهُمْ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِهِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، لَمْ يَرْوِ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إِلا الْبُخَارِيُّ، وَرَوَى هُوَ وَبَاقِي الْجَمَاعَةِ عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ الْهَمْدَانِيِّ الْكُوفِيِّ أَخِي عِيسَى بْنِ يُونُسَ، مَوْلِدُهُ سَنَةَ مِائَةٍ، وَمَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، قَبْلَ أَخِيهِ
[ ١ / ٣٨٠ ]
بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيِّ السَّبِيعِيِّ، مَاتَ قَبْلَ الثَّلاثِينَ وَالْمِائَةِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ جُشَمَ الأَنْصَارِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِي كُنْيَتِهِ، فَقِيلَ: أَبُو عُمَارَةَ، وَقِيلَ: أَبُو عَمْرٍو، وَقِيلَ: أَبُو الطُّفَيْلِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْكُوفَةِ زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ الْفَصْلَ الأَخِيرَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لِجَعْفَرٍ «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلُقِي» عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ الْحَافِظِ، صَاحِبِ الصَّحِيحِ، كَمَا أَخْرَجْنَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ، فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً مُسْتَحْسَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاةُ الْبُخَارِيِّ لَيْلَةَ السَّبْتِ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ أَقْدَمُ الْجَمَاعَةِ مَوْتًا، وَبَعْدَهُ مَاتَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَشِيَّةَ الأَحَدِ لِخَمْسٍ أَوْ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ
[ ١ / ٣٨١ ]
وَمِائَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَبَعْدَهُمْ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. ثُمَّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلاثٍ وَثَلاثِمِائَةٍ.
وَبِالإِسْنَادِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ، قثا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قثا سُلَيْمٌ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مِينَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مَثَلِي، وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ، وَيَقُولُونَ: لَوْلا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ ".
[ ١ / ٣٨٢ ]
أَخْرَجَهُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَحِيحِهِ كَمَا رُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الْبَاهِلِيِّ الْبَصْرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْعَوَقِيِّ لِنُزُولِهِ فِي الْعَوَقَةِ، وَهُمْ حَيٌّ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، مَاتَ سَنَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ حِبَّانَ الْهُذَلِيِّ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ سَعِيدِ بْنِ مِينَا، مَوْلَى الْبَخْتَرِيِّ الْمَكِّيِّ أَخِي الْحَكَمِ بْنِ مِينَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ السُّلَمِيِّ الأَنْصَارِيِّ الْخَزْرَجِيِّ ﵁، مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي الأَمْثَالِ مِنْ جَامِعِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ الْبُخَارِيُّ، كَمَا أَخْرَجْنَاهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةً لَهُ، وَللَّهِ الْحَمْدُ.
[ ١ / ٣٨٣ ]