أحد الأئمة المشهورين، والعلماء العاملين، والقضاة العادلين، كَانَ ﵀ درس بدمشق بالمدرسة الرواحية، فِي سنة تسع وستمائة، وأعاد للشيخ الإِمَام أَبِي منصور عَبْد الرَّحْمَن ابْن عساكر، ودرس بحماة فِي سنة ثلاث وَأَرْبَعِينَ وستمائة بالمدرسة الخطيبية، ولم يَزَلْ مُدَرِّسَهَا إِلَى حين وفاته،
[ ١ / ١٣٢ ]
ودرس أَيْضًا بالمعرة مدة، وأفتى مدة طويلة، وولي قضاء حماة وأعمالها سنة إحدى وَخَمْسِينَ وستمائة، ولم يزل قاضيا إِلَى أن مَاتَ، وَكَانَ مفننا يعرف التفسير، والحديث، والفقه، والأصولين، والنحو، ويحفظ كثيرا من الرقائق، وَكَانَ يكرر عَلَى نحو الثلث من كتاب نهاية المطلب فِي الفقه، وقيل: إنه كرر عَلَى الجميع، وَكَانَ رقيق القلب، سريع الدمعة، يصوم الدهر، ويقوم الليل، مع كبر السن، ولا يفرط في شيء من أوقاته، قد وطف على نفسه أورادا من العبادة ليلا ونهارا، واختصر فِي آخر عمره من لباسه، فكان يلبس عَلَى رأسه بطانة من الخام آذرعا يسيره، بذؤابة لطيفة، ولم يزل عَلَى ذلك إِلَى أن تُوُفِّيَ إِلَى رحمة اللَّه تَعَالَى فِي العشرين من شعبان سنة تسع وَسِتِّينَ وستمائة بمدينة حماة، ودفن بداره بالسوق الأسفل، وقد بلغ من العمر تسعين سنة، ولما تُوُفِّيَ كنت مع الجيش عَلَى حصن الأكراد، وَكَانَ قدومي فِي هَذِهِ المرة من الديار المصرية إِلَى حماة لرؤيته، وزيارة والدي ﵄، فإني كنت قرأت عليه جميع كتاب التنبيه، دروسا وانتفعت بِهِ وصحبته، ومما حفظته مِنْهُ هَذَا الدعاء: اللهم فرغنا لما خلقتنا
[ ١ / ١٣٣ ]
لأجله، ولا تشغلنا بما تكفلت لنا بِهِ، اللهم لا تحرمنا ونحن نسألك، ولا تعذبنا ونحن نستغفرك، اللهم علمنا حتى نعلم، وفهمنا حتى نفهم، فإنا لا نفهم عنك إِلا بك.
أخبرنا شَيْخُنَا الإِمَامُ الْعَلامَةُ بَقِيَّةُ السَّلَفِ، مُفْتِي الْفِرَقِ، قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخُ الإِسْلامِ أَبُو الطَّاهِرِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْمُسَلَّمِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْبَارِزِيِّ الْجُهَنِيُّ الْحَمَوِيُّ ﵁ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِمَنْزِلِهِ بِحَمَاةَ، فِي السَّادِسِ مِنْ جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْبَرْنِيِّ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: أنا الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْخَشَّابِ النَّحْوِيُّ، قَالَ: أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السِّمْنَانِيُّ.
ح قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ابْنُ الْبِرْنِيِّ شَيْخُ شَيْخِنَا: وَأَخْبَرَنِي أَيْضًا أَبُو الْفَتْحِ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَلِّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّنُوخِيُّ، قَالا: أنا الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَاحِدِيُّ، قَالَ: أنا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلالٍ، ثنا يَحْيَى بْنِ رَبِيعٍ الْمَكِّيُّ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنِي الْعَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ ﷿: قَسَّمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، أَوْ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ،
[ ١ / ١٣٤ ]
وَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: هَذِهِ لَكَ ".
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ الإِمَامِ أَبِي يَعْقُوبَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ الْمَرْوَزِيِّ، الْمَعْرُوفِ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ، إِمَامِ أَهْلِ خُرَاسَانَ، مَاتَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، بِنَيْسَابُورَ، عَنِ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الْهِلالِيِّ بِهِ، فَوَقَعَ بَدَلا.
[ ١ / ١٣٥ ]