مُقَدِّمَةُ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيِّ لِكِتَابِهِ (هِدَايَةِ الرُّوَاةِ إِلَى تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ "المَصَابِيحِ" وَ"المِشْكَاةِ")
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ -الَّتِي لَا تحْصَى عَدَدًا- دَائِمًا أَبَدًا، وصَلَّى الله عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَمَجَّدَ وَبَجَّلَ وَعَظَّمَ.
الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الله ﷾ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَمُتَّبِعِيهِ -﵃-.
أَمَّا بَعْدُ: فَإنِّي وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ "المِشْكَاةِ"؛ الَّذِي لَخَّصَهُ الخَطِيبُ الفَاضِلُ وَلِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله التِّبْرِيزِيُّ مِنْ كِتَابِ "المَصَابِيحِ"؛ لأَبِي مُحَمَّدٍ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الله الفَرَّاءِ البَغَوِيِّ -﵀ عَلَيْهِمَا-، وَخَرَّجَ فِيهِ أَحَادِيثَهُ، فَعَزَاهَا إِلَى مُخَرِّجِيهَا بَحَسْبِ طَاقَتِهِ، وَزَادَ فِي أَبْوَابِهِ فُصُولًا مُخَرَّجَةً -أَيْضًا-.
ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى "تَخْرِيجِ المَصَابِيحِ" لِقَاضِي القُضَاةِ صَدْرِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيِمَ المُنَاوِيِّ ﵀ وَقَدْ سَمِعْتُ عَلَيْهِ بَعْضَهُ؛ فَوَجَدْتُ الأَوَّلَ قَدْ أَطَالَ بَإِيرَادِ الأَحَادِيثَ،
[ ٥٧ ]
[وَالثَّانِي سَاقَ الأَحَادِيثَ] (^١) أَيْضًا بِتَمَامِهَا، وَأَطَالَ النَّفَسَ فِي التَّخْرِيجِ، وَتَجَاوَزَ ذلِكَ إِلَى بَيَانِ الغَرِيبِ، وَرُبَّمَا أَلَمَّ بِنَقْلِ الخِلَافِ وَبَيَانِ الحُكْمِ.
ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى "شَرْح المِشْكَاةِ" لِلإمَامِ شَرَفِ الدِّينِ الحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مُحَمَّدٍ الطِّيْبيِّ، فَوَجَدْتُهُ حَذَفَ العَزْوَ أَصْلًا! وَكِتَابُهُ أَحْسَنُ مَا وُضِعَ عَلَى "المَصَابِيحِ"؛ لِذَكَائِهِ وَتَبَحُّرِهِ فِي العُلُومِ، وَتَأَخُّرِهِ؛ فَحَدَانِي ذلِكَ إِلَى أَنْ أُلَخِّصَ في هذَا الكِتَابِ عَزْوَ الأَحَادِيثِ إِلَى مُخَرِّجِيهَا بأَلْخَصِ عِبَارَةٍ؛ لِيَنْتَفِعَ بِذلِكَ مِنْ تَسْمُو هِمَّتُهُ مِمَّنْ يَشْتَغِلُ فِي شَرْحِ "المِشْكَاةِ" إِلَى الاطِّلَاعِ عَلَى مَعْرِفَةِ تِلْكِ الأَحَادِيثِ، وَلَا سِيَّمَا الفَصْلُ الثَّانِي مِنَ "المَصَابِيحِ" الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ (الحِسَانَ)؛ وَقَدْ نوقِشَ في هذِهِ التَّسْمِيَةِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ بأَنَّهُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الاصْطِلَاحِ!، وَقَد الْتَزَمَ في خُطْبَةِ كِتَابِهِ بِأَنَّهُ مَهْمَا أَوْرَدَ فِيهِ مِنْ ضَعِيفٍ، أَوْ غَرِيبٍ: يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَعْرَضَ عَمَّا كَانَ مُنْكَرًا، أَوْ مَوْضُوعًا.
قُلْتُ: وَقَدْ وَجَدْتُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي مُشَاحَحَتَهُ فِيمَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ ذلِكَ الفَصْلِ الثَّانِي مِنَ الإعْرَاضِ عَنْ بَعْضِ مَا يَكُونَ مَنْكَرًا، وَوَجَدْتُهُ يَنْقُلُ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ أَحْيَانًا! وَأَحْيَانًا لَا يَنْقَلُ ذلِكَ مَعَ نَصِّ التِّرْمِذِيِّ عَلَى ذلِكَ!!، وَوَجَدْتُ فِي أَثْنَاء الفَصْلِ الأَوَّلِ- وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ (الصِّحَاحَ) - وَذَكَرَ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى مَا يُخَرِّجُهُ الشَّيْخَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عِدَّةَ رِوَايَاتٍ لَيْسَتْ فِيهِمَا، وَلَا فِي أَحَدِهِمَا! لَكِنَّ العُذْرَ عَنْهُ أَنَّهُ يَذْكُرُ أَصْلَ الحَدِيثِ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يُتْبِعُ ذلِكَ باخْتِلَافٍ فِي لَفْظٍ- وَلَوْ بِزِيَادَةٍ فِي نَفْسِ ذلِكَ الخَبَرِ- يَكُونُ بَعْضُ مَنْ خَرَّجَ "السُّنَنَ" أَوْرَدَهَا، فَيُشِيرُ هُوَ إِلَيْهَا لِكَمَال الفَائِدَةِ.
[مَنْهَجُ الحُكْمِ عَلَى الأَحَادِيثِ]: فَالْتَزَمْتُ فِي هذَا "التَّخْرِيجِ" أَنْ أُبَيِّنَ حَالَ كُلِّ حَدِيثٍ مِنَ الفَصْلِ الثَّانِي؛ مِن كَوْنِهِ صَحِيحًا، أَوْ ضَعِيفًا، أَوْ مُنْكَرًا، أَوْ مَوْضُوعًا، وَمَا سَكَتُّ عَنْ بَيَانِهِ فَهُوَ حَسَنٌ.
_________________
(١) مِنْ حَاشِيَةِ "الأَصْلِ"، وَقَدْ أَخَذَ القَصُّ مِنْهَا طَرَفًا!
[ ٥٨ ]
وَقَدْ أَخْبَرَنَا بِجَمِيع "المَصَابِيحِ" إِجَازَةً الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ الشِّيرَازِيِّ، عَنْ أَبِي المَحَاسِنِ يُوسُفَ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَينِ العَطَّارَيِّ، عَنْ مُصَنِّفِهِ.
وَأَخْبَرَنَا بِجَمِيعِ "المِشْكَاةِ" وَ"شَرْحِهَا" شِيْخُنَا مَجْدُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الفَيرُوزَبَادِي (^١) إِجَازَةٌ بِجَمِيعِ "المِشْكَاةِ" عَنْ جَمَالِ الدِّينِ حُسَيْنٍ الأَخْلَاطِيِّ، وَشَمْسِ الدِّينِ القُرَشِيِّ، كِلَاهُمَا عَنِ الطِّيبِي، وَالخَطِيبِ.
[مَنْهَجُ العَزْوِ وَالتَّخْرِيجِ]: وَأَلْحَقْتُ فِي كُلِّ فَصْلٍ مِنْهُ مِمَّا أَلْحَقَهُ صَاحِبُ "المِشْكَاةِ" (^٢) مَعْزُوًّا كَمَا عَزَاهُ مَا أَغْفَلَهُ.
[مَنْهَجُ سِيَاقِ المُتُونِ وَإِيرَادِهَا]: وَلَمْ أَسُقِ المُتُونَ بتَمَامِهَا غَالِبًا (^٣)، بَلْ أَوْرَدْتُ طَرَفَ الحَدِيثِ الدَّالَّ عَلَى بَقِيَّتِهِ، فَمَن أَرَادَ مُرَاجَعَةَ بَقِيَّةِ لَفْظِهِ؛ وَجَدَهَا في "المَصَابِيحِ"، أَوْ فِي "المِشْكَاةِ"، أَوْ فِي الكِتَابِ الَّذِي أَعْزُوهَا إِلَيْهِ.
[رُمُوزُ المُصَنِّفِينَ المُخَرَّج مِنْ كُتُبِهِمْ]: وَقَدْ رَمَزْتُ لِلْمُصَنِّفِينَ:
فَلِلْبُخَارِيِّ: (خ)، وَلِمُسْلِمٍ: (م) وَلأَبِي دَاوُدَ: (د)، وَلِلتِّرْمِذِيّ: (ت)، وَلَهُ فِي "الشَّمَائِلِ": (تم)، وَلِلنَّسَائِيِّ: (س)، وَلابْنِ مَاجَه: (ق)، وَلِمَالِكٍ: (كاف)، وَلِلشَّافِعِيِّ: (شف)، وَلأَحْمَدَ: (أ)، وَلِلدَّارِمِيِّ: (مي)، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: (قط)، وَلابْنِ حِبَّانَ: (حب)، وَلابْنِ خُزَيْمَةَ: (خز)، وَلِلْحَاكِم: (كم)، وَلِلْبَيْهَقِيِّ: (هق)، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ": (غس)، وَلِرَزِينٍ فِي "جَامِعِهِ": (ز).
وَالمُرَادُ بِـ (الجَمَاعَةِ): السِّتَّةُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا. وَبِـ (الخَمْسَةِ): السِّتَّةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَه. وَبِـ
_________________
(١) فِي حَاشِيَةِ "الأَصْلِ": "وَقَدْ يُرْوَى بِزِيَادَةِ أَلِفٍ بَعْدَ الزَّاي". وَأَمَّا الفَاءُ: فَتُفْتَحُ، وَتُكْسَرُ؛ كَمَا يُسْتَفَادُ أَيْضًا مِنْ حَاشِيَةِ "الأَصْلِ".
(٢) فِي حَاشِيَةِ "الأَصْلِ": "هذَا هُوَ الفَصْلُ الثَّالِثُ".
(٣) ونحن -هنا- بحمد الله- قد سُقناها- بتمامها- من المصدرين المذكورين -بَعْدُ-.
[ ٥٩ ]
(الأَرْبَعَةِ): مَنْ عَدَا البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. وَبِـ (الثَّلَاثَةِ) (^١): الشَّيْخَانِ وَأَحْمَدُ ﵏ فِي فَصْلِ الصِّحَاح، وَأَصْحَابِ "السُّنَنِ" إِلَّا ابْنَ مَاجَه فِي غَيْرِهِ. وَبِالـ (مُتَّفَقِ عَلَيْهِ): البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَأَكْتَفِي بِرَمْزِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا غَالِبًا.
[تَرْتِيبُ العَزْوِ]: وَقَدْ رَتَّبْتُ الأَصْلَ هَكَذَا:
وَإذَا قُلْتُ: الجَمَاعَةُ؛ فَالمُرَادُ بِهِمُ السِّتَّةُ المُقَدَّمَةُ. وِإذَا قُلْتُ: الأَرْبَعَةُ؛ فَهُمْ إلَّا البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَإِذَا قُلْتُ: الخَمْسَةُ؛ فَهُمْ إلَّا ابْنُ مَاجَه. وِإذَا قُلْتُ: الثَّلَاثَةُ؛ فَهُمْ إِلَّا البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَه.
وَإذَا قُلْتُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ فَالمُرَادُ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَكْتَفِي بِرَمْزِهِمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا غَالِبًا، فَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ السِّتَّةِ؛ اكْتَفَيْتُ بِرَمْزِهِ.
[تَرْتِيبُ أَبَوابِ الكِتَابِ]: وَهَذَا تَرْتِيبُ الكِتَابِ:
الإِيمَانُ، الاعْتِصَامُ، العِلْمُ، الطَّهَارَةُ، الصَّلَاةُ وَفِي آخِرِهِ بَعْدَ صَلَاةِ العِيدَيْنِ الأُضْحِيَةُ، كِتَابُ الجَنَائِزِ، الزَّكَاةُ، الصِّيَامُ، فَضَائِلُ القُرْآنِ، الدَّعَوَاتُ، الاسْتِغْفَارُ، الأَذْكَارُ، وَالمَنَاسِكُ، البُيُوعُ، الفَرَائِضُ، الوَصَايَا، النِّكَاحُ، العِتْقُ، الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ، القِصَاصُ، الدِّيَاتُ، البُغَاةُ، الحُدُودُ، الإِمَارَةُ، القُضَاةُ، الشَّهَادَاتُ، الجهَادُ وَفِيهِ آدَابُ السَّفَرِ، وَقِسْمَهُ الغنِيمَةِ، وَالجِزْيَةُ، وَالصَّيْدُ، وَالذَّبَائِحُ، الأَطْعِمَة وَفِيهِ الضِّيَافَةُ، الأَشْرِبَةُ، اللِّبَاسُ، الطِّبُّ وَالرُّقَى، الرُّؤْيَا، الأَدَبُ، البِرُّ وَالصِّلَةُ، الرِّقَاقُ، الفِتَنُ وَالمَلَاحِمُ، عَلَامَاتُ السَّاعَةِ، أَحْوَالُ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ، بَدْءُ الخَلْقِ، الفَضَائِلُ وَالشَّمَائِلُ، جَامِعُ المَنَاقِبِ.
وَاللهَ ﷾ أَسْأَلُ عَوْنِي، وَأَرْغَبُ إِلَيْهِ أَنْ يُدِيمَ عَنِ الخَطَإِ وَالخَطَلِ صَوْنِي؛ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
_________________
(١) فَلْيُتَنَبَّهُ إِلَى هذَا التَّفْصِيلِ.
[ ٦٠ ]