الأولى:
إن الحديث المحتج به ينقسم إلى صحيح وحسن، وذلك بحسب تفاوت رجال إسناده في الحفظ والإتقان، وأداء ما تحمّلوه، كما أن الحديث الذي لا يحتج به ينقسم إلى ضعيف، ومنكر، وموضوع، بحسب تفاوت رواته في الوهم، والغلط، والتساهل، وتعمُّد الكذب.
[ ٣٣ ]
فمن كان في أعلى درجات الإتقان والحفظ، كان ما تفرَّد به صحيحًا، مركونًا إليه، ومن نزل عن هذه الدرجة تكون أفراده حسنة، وما تابعه غيره فيه صحيحًا، ومن نزل عن ذلك يكون ما رواه منكرًا أو شاذًا، ومن نقص عن ذلك يكون حديثه ضعيفًا.
والمرجع في ذلك كله ما حرَّره الأئمة الحفاظ من أحوال الرجال، وبيَّنوا من صفاتهم، أو تعرضوا له من الأحاديث بالتنصيص عليه؛ مع النقد الصحيح، والتَّصرف الجاري على قواعدهم.
الثانية:
إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده البخاري أو مسلم في كتابيهما - "الصحيحين"- فهو صحيح لا ينظر فيه، وأنه لا يصل إلى درجتهما في ذلك كتب السنن والمسانيد، بل هذه الكتب مشتملة على الصحيح، والحسن، والضعيف، وفي يسير منها أحاديث واهية جدًا وذلك قليل -أو نادر- في "سنن النسائي"، وما كان فيه ضعف في "جامع الترمذي" فبينّه وتخرج من عهدته، وأما "سنن أبي داود" و"ابن ماجة"؛ فلا يبينان شيئًا من ذلك، إلا في بعض منها؛ بينها أبو داود، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح للاحتجاج به، ومقتضى ذلك أنه يكون حسنًا عنده، ولكن لا يلزم منه أن يكون حسنًا في نفس الأمر، لا سيما إذا قوي حال رواته في الضعف.
ومن هذا الوجه تطرّق الاعتراض على الإِمام أبي محمَّد البغوي -﵀- في كتابه "المصابيح"؛ حيث وصف الأحاديث التي انفرد بها أصحاب السنن بالحسان، وليس جميعها كذلك، بل فيها ما هو صحيحٌ وإن لم يكن مخرَّجًا في "الصحيحين"، إذ ليس الحديث الصحيح مقصورًا على ما في الكتابين، بل وراء ذلك أحاديث كثيرة صحيحة.
وفيها -أعني: كتب السنن- ما ليس بصحيح، ولا حسن، بل يكون ضعيفًا، أو منكرًا واهيًا، كما صرّح الترمذي على قطعة من حديثه، وبينه الأئمة النقاد في كثير من أحاديث أبي داود وابن ماجه.
[ ٣٤ ]
وقد بسطت الكلام على هذا الموضع بسطًا شافيًا في مقدمة كتابه "نهاية الأحكام".
الثالثة:
لا يلزم من كون سند الحديث ضعيفًا؛ أن يكون كذلك في نفس الأمر، بل قد يكون له سند آخر رجاله ممن يحتج بهم، وقد ينجبر بسند آخر ضعيف، فينتهي بمجموعها إلى درجة الحسن.
وذلك أن ضعف الرواة يكون لاتهامهم بالكذب، وتارة يكون لنقص إتقانهم وحفظهم.
فالقسم الأول لا ينجبر بسند آخر فيه مثل رجال الأول؛ لأنه انضم كذاب إلى مثله، فلا يفيد شيئًا، بل ربما يكون بعضهم سرق ذلك الحديث من بعض وادعى سماعه.
أما إذا كان النقص دخل من جهة اتهامهم بالغلط والوهم؛ فإنه إذا جاء ذلك الحديث من وجه آخر عن رجال مقاربين له ولا علم أن الوهم بعيد منه؛ فانجبر أحد السندين بالآخر، وارتقى الحديث إلى درجة الحسن، وسيأتي في بعض الأحاديث ما هو مثال لهذا.
وكذلك الحديث الحسن لقصور رجال إسناده عن درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان؛ إذا روي ذلك المتن بسند آخر مثله في الحسن ارتقى بمجموعها إلى درجة الصحة لاعتضاد كلٌّ منهما بالآخر.
الرابعة:
الحكم على الحديث بكونه موضوعًا من المتأخرين عَسِرٌ جدًا؛ لأن ذلك لا يتأتي إلا بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش، وإنه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق الواحد، ثم يكون في رواتها من هو متهم بالكذب، إلى ما ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة؛ يقتضي للحافظ المتبحر؛ الجزم بأن هذا الحديث كذب.
ولهذا انتقد العلماء على الإمام أبي الفرج بن الجوزي في كتابه "الموضوعات" توسعه بالحكم بذلك على كثير من الأحاديث ليست بهذه المثابة، بل فيها ما فيه ضعف محتمل،
[ ٣٥ ]
ويمكن التمسك به في الترغيب والترهيب، وفيها ما هو حديث حسن أو قد صححه بعض الأئمة -كما سيأتي في حديث صلاة التسبيح-، وفيها ما له طريق، أخرى يقوى بها الحديث لم يطلع عليها -كما سيأتي- إن شاء الله -تعالى- في بعض الأحاديث-، فدخلت الآفة عليه من هذه الوجوه وغيرها، ويجيء بعده من لا يدَ له في علم الحديث ليقلده فيما حكم به من الوضع.
بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في عالم الحديث والتوسع في حفظه: كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم، ثم أصحابهم مثل: أحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وطائفتهم، ثم أصحابهم مثل: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وكذلك إلى زمن الدارقطني والبيهقي؛ ممن لم يجيء بعدهم مساوٍ لهم، بل ولا مقارب -رحمة الله عليهم-، فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث بشيء كان معتمدًا لما أعطاهم الله من الحفظ العظيم، والاطلاع الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح.
وهذا التعذر إنما يجيء في الأحاديث المحتملة، وإلا فكثير من الأحاديث -جدًا- يشهد القلب بوضعها، ويسهل الحكم عليها بذلك؛ ممن كثرت ممارسته لهذا الفن، وهو غالب كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي -والله أعلم (^١) -.
_________________
(١) وقد أوردنا كلامَه -﵀- على الأحاديث المذكورة؛ كلًا في موضعِه.
[ ٣٦ ]