المبيت بمزدلفة لمن وافاها قبل طلوع الفجر واجب من واجبات الحج، من تركه فعليه دم، في قول أكثر أهل العلم (٣).
_________________
(١) المغني (٥/ ٤٢٤ - ٤٢٥).
(٢) ولهم في ذلك استدلالات لا تخلو من ضعف ومقال، والتفصيل في ذلك يطيل البحث ويخرجه عن مقصوده. انظر: بدائع الصنائع (٢/ ٢٢٠) المسالك في المناسك (٢/ ٩٣٣) وما بعدها القوانين الفقهية (٩٥) بداية المجتهد (٢/ ٢٧١) التاج والإكليل (٣/ ٢٠٠) البيان (٤/ ٣٨٠ وما بعدها) المجموع (٨/ ٢٧٣) وما بعدها المغني (٥/ ٤٢٦، ٤٢٧) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٤٤٢) وما بعدها.
(٣) وهذا أوسط الأقوال في المسألة وأعدلها، خلافًا لمن قال إن المبيت بها سنة، ومن قال إنه ركن. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٤١٥) بدائع الصنائع (٢/ ١٥٦) المسالك في المناسك (١/ ٥٢٨ وما بعدها) بداية المجتهد (١/ ٢٧٧) مواهب الجليل (٣/ ١١٩) البيان (٤/ ٣٢٣) المجموع (٨/ ١٥١ - ١٥٣) المغني (٥/ ٢٨٤) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣٦) وما بعدها.
[ ٨٨ ]
ولا خلاف بين أهل العلم، ﵏، في أن السنة للحاج الذي وصل المزدلفة ليلة النحر أن يبيت بها حتى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صلاه في أول وقته، ثم وقف بها، عند المشعر الحرام، أو حيث تيسر له ذلك، حتى يسفر الصبح جدًا، ثم يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس (١).
والدليل على هذا: فعله - ﷺ - في حجه؛ فقد روى جابر ﵁: أن النبي - ﷺ - "أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع - ﷺ - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره، وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (٢).
_________________
(١) انظر: المسالك في المناسك (١/ ٥٤٨) وما بعدها بداية المجتهد (٢/ ٢٧٧، ٢٧٨) مواهب الجليل (٣/ ١١٩) البيان (٤/ ٣٢٣) المجموع (٨/ ١٥١ - ١٥٣) المغني (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٦) شرح العمدة في الفقه (٣/ ٥١٦) منسك شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٦، ٧٧) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣٦) وما بعدها.
(٢) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
[ ٨٩ ]
مع قوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم» (١).
وعن عمرو بن ميمون الأودي ﵀ قال: «شهدت عمر ﵁ صلى بجمع (٢) الصبح ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير (٣) وأن النبي - ﷺ - خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس» (٤).
وعلى هذا فالسنة للحاج ألا يدفع من مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر اقتداء بالمصطفى - ﷺ -.
ولا خلاف بين أهل العلم: في جواز تقديم الضعفة وكبار
_________________
(١) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث.
(٢) جمع: هي المزدلفة؛ ولها ثلاثة أسماء: المزدلفة والمشعر الحرام وجمع، سميت جمعًا لأن آدم ﵇ وحواء لما أهبطا اجتمعا بها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٦) (جمع) المسالك في المناسك (١/ ٥٣١) المغني (٥/ ٢٨٣) خالص الجمال (٢١٩).
(٣) ثبير: اسم جبل معروف بمكة، من أعظم جبالها، بالمزدلفة على يسار الذاهب منها إلى منى، وعلى يمين الداخل من مني إلى مكة، سمي ثبيرًا برجل من هذيل اسمه ثبير مات في ذلك الجبل فعرف الجبل به، كانت الشمس تشرق من ناحيته، فخاطبوه بهذا القول؛ كأنهم يقولون أدخل أيها الجبل في شروق الشمس؛ أي: طلوعها لنسرع إلى النحر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٠٢) معجم البلدان (٢/ ٨٥، ٨٦) (ثبر) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١/ ٤٦) المسالك في المناسك (١/ ٥٤٩، ٥٥٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٧) كتاب الحج، باب متى يدفع من جمع (١٦٨٤).
[ ٩٠ ]
السن والنساء، ودفعهم من مزدلفة إلى منى قبل طلوع الفجر؛ قال ابن قدامة ﵀: "وبه قال عطاء، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا، ولأن فيه رفقًا بهم، ودفعًا لمشقة الزحام عنهم، واقتداء بفعل نبيهم " (١).
واختلف أهل العلم، ﵏، في جواز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر لغير الضعفة والنساء ومرافقيهم (٢) على قولين:
القول الأول: يجوز للحاج مطلقًا، قويًا كان أو ضعيفًا رجلًا كان أو امرأة، الدفع من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل. وإليه ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في قول (٣).
_________________
(١) المغني (٥/ ٢٨٦) وانظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٤) المسالك في المناسك (١/ ٥٤٢، ٥٤٣) البيان (٤/ ٣٢٤) المجموع (٨/ ١٥٦) وما بعدها، مناسك ابن جماعة (٧٤) منسك شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٦).
(٢) وهذا الخلاف إنما هو على مذهب الجمهور الذين يرون أن المبيت بمزدلفة واجب؛ وهم كما سبق: المالكية والشافعية والحنابلة؛ وكذا عند من يرى أن المبيت بها ركن؛ وهو منسوب لبعض فقهاء السلف كالشعبي والنخعي والأوزاعي. وأما الحنفية وأحد القولين عند الشافعية والحنابلة، فالمبيت عندهم سنة لا واجب. انظر: ما سبق تقريره في بداية المسألة الثالثة.
(٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة (١/ ٤٠٩) بداية المجتهد (٢/ ٢٧٧) البيان (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٦) كتاب الحج من الحاوي الكبير (٢/ ٦٨٨) المغني (٥/ ٢٨٤) الإنصاف (٤/ ٣٢) الشرح الممتع (٧/ ٣٣٩) وما بعدها.
[ ٩١ ]
والقول الثاني: لا يجوز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر، إلا لمن كان معذورًا كالضعفة وكبار السن والنساء الذين وردت الرخصة لهم بذلك. وإليه ذهب الحنفية، والحنابلة في قول، وطائفة من كبار أهل العلم المحققين؛ كابن المنذر وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الشنقيطي، والألباني وغيرهم رحمة الله على الجميع (١).
استدل أصحاب القول الأول بأدلة منها:
١ - ما رواه ابن عباس ﵄ قال: «كنت فيمن قدم رسول الله - ﷺ - في ضعفة أهله» وفي لفظ قال: «بعثني رسول الله - ﷺ - في الثقل أو قال: في الضعفة، من جمع بليل» (٢).
_________________
(١) والحنفية، ﵏، يرون أن المبيت بالمزدلفة سنة، والوقوف بها واجب، والوقوف لا يكون إلا بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر إلى طلوع الشمس منه، فمن وقف بها قبل طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس فوقوفه لا يعتد به. انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٤) فتح الباري (٣/ ٦١٦) المبسوط (٤/ ٦٣) رد المحتار على الدر المحتار (٢/ ٥١١) المسالك في المناسك (١/ ٥٤٢، ٥٤٤) المغني (٥/ ٢٨٤) شرح العمدة في الفقه (٣/ ٥١٦، ٥٢٢، ٥٢٣) منسك شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٦) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٣٥) الإنصاف (٤/ ٣٢) مناسك الحج والعمرة للألباني (٣٢) الحج أحكامه وصفه (٩٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٦) كتاب الحج، باب من قدم ضعفه أهله بليل (١٦٧٧، ١٦٧٨) ومسلم في صحيحه (٥١٠، ٥١١) كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن (١٢٩٣).
[ ٩٢ ]
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: «أرسل النبي - ﷺ - بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله - ﷺ - تعني عندها» (١).
٣ - وعنها ﵂ قالت: كانت سودة (بنت زمعة) امرأة ضخمة ثبطة (٢) فاستأذنت رسول الله - ﷺ - أن تفيض من جمع بليل، فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله - ﷺ - كما استأذنته سودة، وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام (٣).
قالوا: هذه الأدلة تدل على جواز انصراف الحاج ودفعه من مزدلفة قبل الفجر بعد انتصاف الليل ومضي أكثره
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢٨٤) كتاب المناسك، باب التعجيل من جمع (١٩٤٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٢١٧) كتاب الحج وصححه النووي في المجموع (٨/ ١٧٧) وابن كثير في إرشاد الفقيه (١/ ٣٣٩) والزيلعي في نصب الراية (٣/ ٨٣) وابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٢/ ٢٨٤) والشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٨٢) والشنقيطي في أضواء البيان (٥/ ٢٧٦).
(٢) ثبطة: أي ثقيلة بطيئة من التثبيط؛ وهو التعويق والشغل عن المراد. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٠٢) (ثبط).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٦) كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل (١٦٨٠، ١٦٨١) ومسلم في صحيحه (٥١٠) كتاب الحج، باب استحباب دفع الضعفة من النساء وغيرهن، (١٢٩٠).
[ ٩٣ ]
في مزدلفة، فإذا مضى أكثر الليل أجزأه الدفع إلى منى (١).
ولكن هذا الاستدلال مردود: بأن الترخيص إنما هو في حق الضعفة ومن في حكمهم، وأما من عداهم فالأصل عدم الترخيص لهم بالدفع من مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر؛ كما فعل النبي - ﷺ - وقياسهم على الضعفة، قياس مع الفارق (٢).
ولأجل هذا كانت عائشة تتمنى لو أنها استأذنت رسول الله - ﷺ - كما استأذنته سودة، ولو كان الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر جائزًا للجميع لما كان لاستئذان سودة، ولا لتمني عائشة معنى.
واستدل أصحاب القول الثاني بأدلة منها:
١ - أدلة القول الأول؛ حيث قالوا: هي نص في الإذن للضعفة والنساء ومن في حكمهن، والإذن يقتضي أن يكون الأصحاء والأقوياء ملزمين بالبقاء في مزدلفة إلى طلوع الفجر، وإلا لم يكن للإذن للضعفة والنساء معنى (٣).
٢ - أن النبي - ﷺ - بات بالمزدلفة، ولم يتعجل، ولم يدفع منها
_________________
(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٣/ ٤١٥) كتاب الحج من الحاوي (٢/ ٦٩٠) البيان (٤/ ٣٢٦) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣٩).
(٢) انظر: خالص الجمان (٢١٨، ٢١٩) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٧/ ٣٣٩، ٣٤٠).
(٣) انظر: أضواء البيان (٥/ ٢٧٤) المغني (٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥).
[ ٩٤ ]
إلا بعد طلوع الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم» (١).
٣ - وعن أسماء ﵂: «أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ قلت: لا! فصلت ساعة ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ قلت: نعم! قالت: فارتحلوا فارتحلنا ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها: يا هنتاه (٢) ما أرانا إلا قد غلسنا (٣)! قالت: يا بني! إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن (٤)» (٥).
_________________
(١) انظر: تخريجه فيما سبق من هذا البحث. وانظر في الاستدلال به: المغني (٥/ ٢٨٤) مناسك الحج والعمرة، ابن عثيمين (٨٢).
(٢) يا هنتاه: أي: يا هذه، وتفتح النون وتسكن، وتضم الهاء الآخرة وتسكن، وفي التثنية: هنتان، وفي الجمع: هنوات وهنات، وفي المذكر: هن وهنان وهنون. وهي لفظة تختص بالنداء. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٤١) هنا.
(٣) التغليس: ضد الإسفار، وهو ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح: أي: لقد سرنا إلى منى في ذلك الوقت. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٣٩) (غلس).
(٤) الظُّعُن، والظُّعْن والظعائن، والأظعان، واحدة الظعينة، وهي المرأة وأصل الظعينة: الراحلة التي يرحل ويظعن عليها: أي: يسار، وقيل للمرأة: ظعينة؛ لأنها تظعن مع الزوج حيث ظعن، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل: الظعينة؛ المرأة في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، وللمرأة بلا هودج: ظعينة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٤٣) (ظعن).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٦) كتاب الحج باب من قدم ضعفة أهله بليل، فيقفون بالمزدلفة يدعون، ويقدم إذا غاب القمر، (١٦٧٩) ومسلم في صحيحه (٥١٠) كتاب الحج باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس (١٢٩١).
[ ٩٥ ]
ووجه الدلالة منه من وجهين:
أحدهما: أن غلامها أنكر عليها تبكيرها بغلس، مما يدل على أن المستقر عندهم أن المبيت بالمزدلفة إلى الفجر واجب، وأنه لا يجوز الدفع منها لمنى إلا بعد طلوع الفجر.
وثانيهما: أنها لم تنكر عليه ذلك، وإنما أخبرته أن المصطفى - ﷺ - قد أذن للظعن والضعفة بذلك، وهذا يدل على أن غيرهم لا يجوز له الدفع منها إلى منى إلا بعد طلوع الفجر.
والذي يظهر: والله تعالى أعلم، القول الثاني: أنه لا يجوز الدفع من مزدلفة قبل الفجر إلا للظعن والضعفة من الرجال والنساء، ومن كان مرافقًا لهم، فيدفعون من مزدلفة إلى منى آخر الليل، بعد مغيب القمر، كما فعلت أسماء ﵁.
وأما من ليس ضعيفًا، ولا تابعًا لضعيف؛ فإنه يبقى بمزدلفة حتى يصلي الفجر في أول وقتها، ثم يدفع بعده؛ كما فعل النبي - ﷺ -.
وذلك لقوة أدلة هذا القول؛ وصراحتها في الدلالة على المراد، ولأن هذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة؛ فإن
[ ٩٦ ]
النبي - ﷺ - بات بالمزدلفة هو وأصحابه الأقوياء الأصحاء إلى الفجر وقال لهم: «لتأخذوا عني مناسككم» (١)
وأذن - ﷺ - للظعن والضعفة ومرافقيهم في الانصراف من المزدلفة بآخر الليل؛ ولو كان الحكم واحدًا للجميع، لما كان في الإذن للظعن والضعفة معنى، ولما قالت عائشة ﵂: "فليتني كنت استأذنت رسول الله - ﷺ - كما استأذنته سودة (٢) (٣).