يظهر من كلام بعض الفقهاء أنهم اعتمدوا العقل في القول بحرمة الغصب.
وهذه مسألة لا نريد ان نسمح للقلم ان يناسب معها لأننا حينئذ نكون قد خرجنا الى موضوع أصولي (وهو هل ان العقل حجة في إدراك الحكم الشرعي أم لا (^٣)؟) والمسألة محل نزاع طويل عريض بين الفقهاء فمن قال بحجيته واعتباره مصدرا من مصادر التشريع يأتي في المرتبة الرابعة بعد القرآن والسنة والإجماع ومنهم من استبعده عن هذه المرتبة ووضع مكانه للقياس.
_________________
(١) نفس المصدر ص ١٤١.
(٢) وردت بلفظ آخر: «على اليد ما أخذت حتى ترد» وهذه القاعدة حديث ورد عن صحابي واحد هو سمرة بن جندب أخرجه عنه أصحاب السنن. وقال ابن قدامة في المحرر ورواته ثقات. وقال الترمذي حديث حسن صحيح، راجع تحفة الفقهاء/ج ٣ ص ١١٣.
(٣) نظرية الإباحة عند الفقهاء والأصوليين/ص ١٧، وراجع بتوسع «العقل عند الإمامية». الدكتور رشدي عليان.
[ ٩٤ ]
وعلى آية حال فالذي يتحصل لنا ان كلا الطرفين اتفقا على قدر مشترك وهو استقلال العقل بإدراك بعض الأحكام نظرا إلى إدراكه الحسن والقبح واستندوا على الآية الشريفة «ان الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر بتقرير الشرع الحقيقة أيضا.
ومما لا شك فيه ان الذاهبين الى وضع القياس في المرتبة الرابعة في مصادر التشريع يستخدمون عقولهم في استنباط العلة الموجودة في الأصل والتي أثبتت الحكم له ثم يبحثون عنها في الفرع ليسحبوا حكم الأصل على الفرع وهم في كل ذلك إنما يتوسلون بطريق العقل للوصول الى هذا المعنى.
ومن هنا نرى الطرفين قالوا بأن حرمة الغصب أمر يتعقله الإنسان ويدرك قبحه لأنه أبرز مصاديق الظلم فمن الطرف الذي ينفى استقلال العقل بإدراك الحكم الشرعي الحنفية.
ولكننا نجد ان السمناني في روضة (^١) القضاة يقول:
«المعقول من الغصب انه فعل مذموم من فاعله يستحق به المأثم».
ومن الطرف الآخر القائلين باستقلالية العقل في إدراك القبح والحسن في الأشياء وبالتالي حجية العقل في إدراك الحكم الشرعي المذهب الجعفري (^٢).
وهكذا تكتمل عندنا الأسس التي استندنا إليها في القول بتحريم الغصب وفلسفة تحريمه مما لا يترك مجالا لمستريب. وما نستطيع على ضوئه ان نبني الكثير من الأحكام الفقهية المتعلقة بالموضوع.
_________________
(١) روضة القضاة/مخطوط /تحقيق الدكتور الناهي.
(٢) تذكرة الفقهاء/العلامة الحلي/٣٧٢:١٣ طبع حجر.
[ ٩٥ ]