الأدلة من الكتاب والسنة على سكرات الموت
أولا: الأدلة من كتاب الله تعالى:
ذكر الله ﷾ في كتابه الكريم، القرآن العظيم، سكرات الموت وشدائده في أكثر من آية، منها:
١- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ ١.
قال الطبري في تفسير هذه الآية: “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ولو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين ، فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت، ونزل بهم أمر الله، وحان فناء آجالهم ، والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه”٢، ثم روى عن ابن عباس في قوله
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ٩٣ ٢ جامع البيان في تفسير القرآن ٧/١٨٢.
[ ٧٦ ]
تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ . أنه قال: سكرات الموت١.
يقول السعدي ت ١٣٧٦؟:
“ولما ذم الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة حال الاحتضار، ويوم القيامة فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكربه الشنيعة، لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها، ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب ”٢.
٢- قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ٣.
٣- وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ٤.
فقوله تعالى في الآية الأولى ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْت﴾ يعني ينظرون إليك يا محمد ﷺ تدور أعينهم خوفًا من القتل وفرارًا منه كالذي يغشى عليه من الموت، أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت النازل به وما يعانيه من سكرات وكرب٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٨٣. ٢ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص٢٢٧. ٣ سورة الأحزاب، الآيتان ١٨، ١٩. ٤ سورة محمد، الآيتان ٢٠، ٢١. ٥ انظر جامع البيان في تفسير القرآن ٢١/٨٩.
[ ٧٧ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ت٧٢٨هـ: “من شدة الرعب الذي في قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره، ولا يطرف، فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل”١.
٤- قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ٢.
والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته وغلبته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، ومعنى (بالحق) أي من أمر الآخرة، فتبينه الإنسان حتى تثبته وعرفه، بمعنى أنه عند الموت يتضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث، والوعد والوعيد، وقيل الحق هو الموت، فيكون المعنى: وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت، كما قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ ”٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “.. ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ أي جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب، وهو الحق الذي أخبرت به الرسل، ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت؛ فإن هذا مشهور لم ينازع فيه، ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال جاءت بالحق”٤.
٥- قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ. فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥. هذا دليل على سكرات الموت٦؛ فإن الله ﷾ يقول: مهلًا إذا بلغت النفوس عند خروجها من أجسادكم، أيها الناس، حلاقيكم، ومن حضرهم
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٨/٤٥٦. ٢ سورة ق، الآية ١٩. ٣ انظر جامع البيان في تفسير القرآن ٢٦/١٠٠، ١٠١، وفتح القدير ٥/٧٥. ٤ مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٤/٢٦٥. ٥ سورة الواقعة، الآية ٨٣- ٨٧. ٦ انظر التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ١/٤١.
[ ٧٨ ]
منكم من أهليهم حينئذ إليهم ينظر، ونحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والرؤية منكم، ورسلنا الذي يقبضون روحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، فلولا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين وغير مجزيين ترجعون تلك النفوس التي بلغت الحلقوم عند سكرات الموت إلى مقرها الذي كانت فيه، إن كنتم صادقين بأنكم غير مربوبين ولا مجزيين، ولن ترجعونها فبطل زعمكم١.
قال ابن كثير ت٧٧٤هـ في تفسير هذه الآيات:
يقول تعالى ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أي الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي الحلق، وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾؛ ولهذا قال ههنا ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي إلى المحتضر، وما يكابده من سكرات الموت ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي بملائكتنا ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أي ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول، ومقرها من الجسد، إن كنتم غير مدينين”٣.
٦- وقد روى ابن كثير ت٧٧٤هـ عن جماعة من السلف أن المراد بقوله تعالى ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ ٤: الملائكة حين تنْزع أرواح بني آدم، فمنهم من تؤخذ روحه بعسر، فتغرق في نزعها، ومنهم من
_________________
(١) ١ انظر جامع البيان في تفسير القرآن ٢٧/١٢٠، ١٢١، ومعالم التزيل ٤/٢٩٠، ٢٩١. ٢ سورة الأنعام، الآيتان ٦١، ٦٢. ٣ تفسير القرآن العظيم ٤/٣٠١. ٤ سورة النازعات، الآيتان ١ وَ٢.
[ ٧٩ ]
تؤخذ روحه بسهولة، وكأنما حلته من نشاط١.
وقال ابن تيمية ت٧٢٨هـ: “وأما ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ فهي الملائكة القابضة للأرواح، وهذا يتضمن الجزاء، وهو من أعظم المقسم عليه”٢.
وقال البغوي ت٥١٦هـ: “ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: يعني الملائكة تنْزع أرواح الكفار من أجسادهم، كما يغرق النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المدّ، وقال ابن مسعود: ينْزعها ملك الموت من تحت كل شعرة ومن الأظافر وأصول القدمين، ويرددها في جسده بعدما ينْزعها حتى إذا كادت تخرج ردها في جسده بعدما ينْزعها، فهذا عمله بالكفار ، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ هي الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي تحل حلًا رفيقًا فتقبضها، كما ينشط العقال من يد البعير، أي يحل برفق”٣، وروي في تفسيرها غير ذلك٤.
٧- قوله تعالى ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ٥.
دلت هذه الآية على سكرة الموت؛ فقوله ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أي النفس
﴿التَّرَاقِيَ﴾ فحشرج بها عند سكرات الموت، والتراقي جمع الترقوة، وهي العظام بين ثغرة النحر والعاتق، فدل ذلك على الإشراف على الموت، ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ أي: قال من حضره هل من طبيب يرقيه ويداويه، فيشفيه برقيته أو دوائه، ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ أي أيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه مفارق الدنيا، حيث تتابعت عليه الشدائد، فلا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه، واجتمع فيه
_________________
(١) ١ انظر تفسير القرآن العظيم ٤/٤٦٨. ٢ مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ١٣/٣٢٠. ٣ معالم التنزيل ٤/٤٤١. ٤ انظر جامع البيان في تفسير القرآن ٣٠/١٨- ٢٠، ومعالم التنزيل ٤/٤٤١، ٤٤٢. ٥ سورة القيامة، الآية ٢٦- ٣٠.
[ ٨٠ ]
الحياة والموت، والتفت ساقاه١.
يقول السعدي في تفسير هذه الآيات:
“يعظ تعالى عباده بذكر المحتضر حال السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب يظن أن يحصل به الشفاء والراحة؛ ولهذا قال ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ أي: من يرقيه، من الرقية؛ لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فتعلقوا بالأسباب الإلهية، ولكن القضاء والقدر إذا حتم وجاء فلا مرد له، ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ للدنيا، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، أي: اجتمعت الشدائد، والتفت، وعظم الأمر، وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح من البدن، الذي ألفته، ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى؛ ليجازيها بأعمالها ويقررها بفعلها، فهذا الزجر الذي ذكره الله يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها، ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات لا يزال مستمرًا على غيه وكفره وعناده”٢
ثانيا: الأدلة على سكرات الموت من السنة والأثر:
ثبتت أحاديث عن الرسول ﷺ تدل على أن للموت سكرات، ومن ذلك:
١- ما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كانت بين يديه رَكْوَة٣، أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: “لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نصب
_________________
(١) ١ انظر معالم التنزيل ٤/٤٢٤، ٤٢٥ وجامع البيان في تفسير القرآن ٢٩/١٢١. ٢ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص٨٣٣. ٣ الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، والجمع رِكاء، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ص٣٧٥.
[ ٨١ ]
يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده”١.
٢- وعن أنس ﵁ قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال لها: “ليس على أبيك كرب بعد اليوم”، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵍: يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب٢
٣- ما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: ”مات النبي ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي٣، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي ﷺ “ ٤.
٤- ما رواه الترمذي بسنده عن عائشة ﵂ قالت”ما أغبط أحدًا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ “٥.
قال أبو حامد الغزالي ت٥٠٥هـ: “اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديرًا بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقًا بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، لا سيما وهو في كل نفس بصدده ، واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب سكرات الموت ح٦٥١٠، وفي كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته ح٤٤٤٩. ٢ رواه البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته ح٤٤٤٦. ٣ الذاقنة: الذقن، وقيل طرف الحلقوم، وقيل ما يناله الذقن من الصدر، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ص٣٢٨. ٤ رواه البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته ح ٤٤٦٢. ٥ رواه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في التشديد عند الموت ح٩٧٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ١/٥٠٢ ح٩٧٩.
[ ٨٢ ]
يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النَزع على شدة ما هم فيه.
فأما القياس: الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو، جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم؛ فإن كان من الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده، والنَزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه، حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم ، فألم النَزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه؛ فإنه المنْزوع المجذوب من كل عرق من العروق، وعصب من الأعصاب، وجزء من الأجزاء، ومفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من العرق إلى القدم، فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب عرقًا واحدًا لكان ألمه عظيمًا، فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم، لا من عرق واحد، بل من جميع العروق، ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجيًا، فتبرد أولًا قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى يبلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها”١.
أخرج ابن أبي الدنيا عن شداد ابن أوس ﵁ قال: “الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمنين، والموت أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت نُشر٢ فأخبر أهل الدنيا بألم
_________________
(١) ١ كتاب الموت: ص٦٥- ٦٧ ونقله ابن الجوزي في: الثبات عند الممات ص٦١- ٦٣.
(٢) النشر: البعث والإحياء، انظر لسان العرب ٣/٦٣٥.
[ ٨٣ ]
الموت، ما انتفعوا بعيش، ولا لذوا بنوم”١.
وأخرج ابن سعد ت ٢٣٠هـ عن عوانة بن الحكم قال: كان عمرو بن العاص يقول: عجبًا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فلما نزل به قال له ابنه عبد الله: يا أبتِ إنك كنت تقول: عجبًا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه؟ فصف لنا الموت قال”يا بنيّ الموت أجل من أن يوصف، ولكن سأصف لك منه شيئًا، أجدني كأن على عنقي جبال رضوى، وأجدني كأن في جوفي الشوك، وأجدني كأن نفسي تخرج من ثقب إبرة”٢.
_________________
(١) انظر كتاب الموت ص٦٩.
(٢) طبقات ابن سعد ٤/٢٦٠، وانظر سير أعلام النبلاء ٣/٧٥، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٨/٣٤٦.
[ ٨٤ ]