الْحَمد لله وَحده
جوابكم يَا سَيِّدي رَضِي الله عَنْكُم ومتع الْمُسلمين بحياتكم فِي نازلة وَهِي أَن قوما من هَؤُلَاءِ الأندلسيين الَّذين هَاجرُوا من الأندلس وَتركُوا هُنَاكَ الدّور وَالْأَرضين والجنات والكرمات وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الْأُصُول وبذلوا زِيَادَة على ذَلِك كثيرا من ناض المَال وَخَرجُوا من تَحت حكم الْمسلمَة الْكَافِرَة وَزَعَمُوا أَنهم فروا إِلَى الله سُبْحَانَهُ بايدينهم وأنفسهم وأهليهم وذرياتهم وَمَا بقى بِأَيْدِيهِم أَو أَيدي بَعضهم من الْأَمْوَال واستقروا بِحَمْد الله سُبْحَانَهُ بدار الْإِسْلَام تَحت طَاعَة الله وَرَسُوله وَحكم الذِّمَّة الْمسلمَة
[ ٢٢ ]
ندموا على الْهِجْرَة بعد حصولهم بدار الاسلام تسخطوا وَزَعَمُوا أَنهم وجدوا الْحَال عَلَيْهِم ضيقَة وَأَنَّهُمْ لم يَجدوا بدار الاسلام الَّتِي هِيَ دَار الْمغرب هَذِه صانها الله وحرس أوطانها وَنصر سُلْطَانه بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّسَبُّب فِي طلب انواع المعاش على الْجُمْلَة رفقا وَلَا يسرا وَلَا مرتفقا وَلَا إِلَى التَّصَرُّف فِي الأقطار أمنا لايقا وصرحوا فِي هَذَا الْمَعْنى بأنواع من قَبِيح الْكَلَام الدَّال على ضعف دينهم وَعدم صِحَة يقينهم فِي معتقدهم وان هجرتهم لم تكن لله وَرَسُوله كَمَا زَعَمُوا وَإِنَّمَا كَانَت لدينا يصيبونها عَاجلا عِنْد وصولهم جَارِيَة على وفْق أهوائهم فَلَمَّا لم يجدوها وفْق أغراضهم صَرَّحُوا بذم دَار الْإِسْلَام وشأنه وَشتم الذى كَانَ السَّبَب لَهُم فِي هَذِه الْهِجْرَة وسبه وبمدح دَار الْكفْر وَأَهله (٨٣ ب) والندم على مُفَارقَته وَرُبمَا حفظ عَن بَعضهم أَنه قَالَ على جِهَة الْإِنْكَار لِلْهِجْرَةِ إِلَى دَار الْإِسْلَام الَّتِي هِيَ هَذَا الوطن صانه الله إِلَى هَا هُنَا يُهَاجر من هنايك بل من هَا هُنَا تجب الْهِجْرَة إِلَى هُنَاكَ وَعَن آخر مِنْهُم أَيْضا أَنه قَالَ إِن جَازَ صَاحب قشتالة إِلَى هَذِه النواحى نسير إِلَيْهِ فنطلب مِنْهُ أَن يردنا إِلَى هُنَاكَ يعْنى إِلَى دَار الْكفْر ومعاودة الدُّخُول تَحت الذِّمَّة الْكَافِرَة كَيفَ أمكنهم
فَمَا الَّذِي يلحقهم فِي ذَلِك من الْإِثْم وَنقص رُتْبَة الدّين والجرحة
وَهل هم بِهِ مرتكبون الْمعْصِيَة الَّتِي كَانُوا فروا مِنْهَا إِن تَمَادَوْا على ذَلِك وَلم يتوبوا وَلم يرجِعوا إِلَى الله سُبْحَانَهُ مِنْهُ
وَكَيف بِمن رَجَعَ مِنْهُم بعد الْحُصُول فِي دَار الْإِسْلَام إِلَى دَار الْكفْر وَالْعِيَاذ الله
[ ٢٣ ]
وَهل يجب على من قَامَت عَلَيْهِ مِنْهُم بالتصريح بذلك أَو بِمَعْنَاهُ شَهَادَة أدب أَو لَا حَتَّى يتَقَدَّم إِلَيْهِم فِيهِ بالوعظ والإنذار فَمن تَابَ إِلَى الله سُبْحَانَهُ نزك ورجى لَهُ قبُول التَّوْبَة وَمن تَمَادى عَلَيْهِ ادب أَو يعرض عَنْهُم وَيتْرك كل وَاحِد مِنْهُم وَمَا اخْتَارَهُ فَمن ثبته الله فِي دَار الاسلام رَاضِيا فَلهُ نِيَّته وأجره على الله سُبْحَانَهُ وَمن اخْتَار الرُّجُوع إِلَى دَار الْكفْر ومعاودة الذِّمَّة الْكَافِرَة ترك يذهب إِلَى سخط الله وَمن ذمّ دَار الاسلام مِنْهُم تَصْرِيحًا اَوْ معنى ترك وَمَا عول عَلَيْهِ
بينوا لنا حكم الله تَعَالَى فِي ذَلِك كُله وَهل من شَرط الْهِجْرَة أَلا يُهَاجر أحد إِلَّا إِلَى دنيا مَضْمُونَة يُصِيبهَا عَاجلا عِنْد وُصُوله جَارِيَة على وفْق غَرَضه حَيْثُ حل أبدا من نواحى الْإِسْلَام أَو لَيْسَ ذَلِك بِشَرْط بل تجب عَلَيْهِم الْهِجْرَة من دَار الْكفْر إِلَى دَار الْإِسْلَام إِلَى حُلْو أَو مر أَو وسع أَو ضيق أَو عسر أَو يسر بِالنِّسْبَةِ (٨٤ أ) إِلَى احوال الدُّنْيَا وَإِنَّمَا الْقَصْد بهَا سَلامَة الدّين والأهل وَالْولد مثلا وَالْخُرُوج من حكم الْملَّة الْكَافِرَة إِلَى حكم الْملَّة الْمسلمَة إِلَى مَا شَاءَ الله من حُلْو أَو مر اَوْ ضيق عَيْش اَوْ سعته وَنَحْو ذَلِك من الْأَحْوَال الدنياوية بَيَانا شافيا مجودا مشروحا كَافِيا يَأْجُركُمْ الله سُبْحَانَهُ وَالسَّلَام الْكَرِيم يعْتَمر مقامكم الْعلي وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته
فأجبته بِمَا هَذَا نَصه
الْحَمد لله تَعَالَى وَحده وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد بعده
[ ٢٤ ]
٢ -
الْجَواب الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْإِسْلَام فَرِيضَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
الْجَواب عَمَّا سَأَلْتُم عَنهُ وَالله سُبْحَانَهُ ولي التَّوْفِيق بفضله إِن الْهِجْرَة من أَرض الْكفْر إِلَى أَرض الْإِسْلَام فَرِيضَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَكَذَلِكَ الْهِجْرَة من أَرض الْحَرَام وَالْبَاطِل بظُلْم أَو فتْنَة
قَالَ رَسُول الله ﷺ (يُوشك أَن يكون خير مَال الْمُسلم غنم يتبع بهَا شعب الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) أخرجه البُخَارِيّ والموطأ وَأَبُو دَاوُود وَالنَّسَائِيّ وَقد روى أَشهب عَن مَالك (لَا يُقيم أحد فِي مَوضِع يعْمل فِيهِ بِغَيْر الْحق) قَالَ فِي (الْعَارِضَة) فَإِن قيل فَإِذا لم يُوجد بلد إِلَّا كَذَلِك قلت يخْتَار الْمَرْء أقلهَا إِثْمًا مثل أَن يكون الْبَلَد فِيهِ كفر فبلد فِيهِ جور خير مِنْهُ أَو بلد فِيهِ عدل وَحرَام فبلد فِيهِ جور وحلال خير مِنْهُ للمقام أَو بلد فِيهِ معاص فِي حُقُوق الله فَهُوَ أولى من بلد فِيهِ معاص فِي مظالم الْعباد وَهَذَا الأنموذج دَلِيل على مَا رَوَاهُ وَقد قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ فلَان بِالْمَدِينَةِ وَفُلَان بِمَكَّة وَفُلَان بِالْيمن وَفُلَان بالعراق وَفُلَان بِالشَّام امْتَلَأت الأَرْض وَالله جورا وظلما انْتهى
[ ٢٥ ]