الخلاف في هذه المسالة مبني على الخلاف في المسألة السابقة وهي علة النهي عن الخروج من البلد، فلو جعلنا النهي عن الفرار تعبديًّا، أو جلعنا علته أحد العلل الشرعية المذكورة سابقًا، فإن الخروج يكون ممنوعًا على كل حال، ولو جعلنا العلة متعلقة بمصالح العباد فإن الحكم يختلف باختلاف تلك المصلحة وعدمها، فمثلًا لو جعلنا العلة خشية انتشار العدوى فإنها تنتفي بتحقق سلامة الشخص من الداء، فيكون خروجه جائزًا لا بأس به؛ لانتفاء علة النهي في حقه، وتحقق المصلحة بخروجه، وبهذا الرأي الأخير أفتى
_________________
(١) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (٣/ ٣٧٠) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٠٧) وعمدة القاري (٢١/ ٢٥٩) منة المنعم (٣/ ٤٦٣) الذخيرة للقرافي (١٣/ ٣٢٥)
[ ٢٨ ]
فضيلة الشيخ سليمان الرحيلي، وبيَّن أنه إذا ثبت طبيًّا بالفحوصات الحديثة عدم إصابة المرء بالوباء المنتشر في منطقته فإنه يجوز له الخروج من بلده حينئذ، وبمثل هذا أفتى فضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان.
بينما أشار الشيخ ابن عثيمين -﵀- تعالى إلى أن تعليل ذلك بالحجر الصحي لمنع العدوى خطأ، قال: «لأن النبي -ﷺ- راعى ما هو أعم وأهم، وهو الفرار من قدر الله قال: «لا تخرجوا منها فرارًا منه» ا. هـ (^١).
وذكر الشيخ عبد المحسن العباد في شرحه لسنن أبي داواد أنه لا يقال أن علة النهي عن الخروج من البلد هي لتفادي العدوى فقط، بل التعليل الشرعي هو الفرار مطلقًا، سواء أصيب بالمرض أو لم يصب، هكذا ذكر حفظه الله تعالى.
وعموم قول النبي -ﷺ-: «فرارًا منه» يقتضي المنع من الخروج بهذه النية سواء للصحيح أو المريض، والله أعلم.