وعبر عنه ابن العربي: بالوجع الغالب الذي يطفئ الروح (^١).
وقال أبو الوليد الباجي: مرض يعم كثيرًا من الناس في جهة من الجهات … ويكون مرضهم واحدًا (^٢).
وقال ابن حزم: هو الموت الذي كثر في بعض الأوقات كثرة خارجة عن المعهود (^٣).
وهذا المسلك هو الذي ارتضاه صاحب عون المعبود (^٤)، ومال إليه الشيخ ابن عثيمين -﵀- تعالى (^٥).
المسلك الثاني: تعريف الطاعون بنوع خاص من الأوبئة المعدية القاتلة، وهو ما ينتج عنه القروح والبثور الجلدية، وانتفاخ الغدد وتوهجها، وغالبًا ما تكون هذه الأورام خلف الأذن والآباط واللحوم الرخوة.
وممن سلك هذا المسلك في تعريف الطاعون ابن عبد البر (^٦)، والنووي (^٧)،
_________________
(١) المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ٥٧٣).
(٢) المنتقى شرح الموطأ (٧/ ١٩٨).
(٣) المحلى بالآثار (٣/ ٤٠٣).
(٤) عون المعبود وحاشية ابن القيم (٨/ ٢٥٥).
(٥) شرح رياض الصالحين (٦/ ٥٦٩).
(٦) الاستذكار (٣/ ٦٨).
(٧) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ١٨٧).
[ ١٠ ]
والقاضي عياض (^١)، وابن القيم (^٢)، وابن حجر العسقلاني (^٣)، وابن نجيم المصري (^٤)، والخرشي المالكي (^٥)، والزرقاني (^٦)، والغزالي (^٧)، والبندنيجي (^٨)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (^٩).
وقد ذكر القاضي عياض (^١٠)، ومثله ابن حجر العسقلاني (^١١)، وابن حجر الهيتمي (^١٢)، أن الطاعون مع كون حقيقته مختصة بالمرض المذكور إلا أنه قد يطلق على غيره من الأوبئة بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت (^١٣).
وقد جاء في حديث عائشة -﵂-: «فناء أمتي بالطعن والطاعون» قالت: فقلت يا رسول الله! هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال:
_________________
(١) إكمال المعلم (٧/ ١٣٢).
(٢) الطب النبوي لابن القيم (ص: ٣١).
(٣) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٨٠).
(٤) ضبط أهل النقل (ص: ٤).
(٥) شرح مختصر خليل (٤/ ١٥٥).
(٦) شرح الموطأ (١/ ٤٦٣).
(٧) انظر: بذل الماعون (ص ٩٨).
(٨) المصدر السابق (ص: ٩٨).
(٩) المصدر السابق (ص: ٩٥).
(١٠) إكمال المعلم (٧/ ١٣٢).
(١١) فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٨٠).
(١٢) الفتاوى الكبرى (٤/ ٢٧).
(١٣) فتح الباري (١٠/ ١٨٠) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٧).
[ ١١ ]
«غدة كغدة الإبل …» (^١).
ووصف النبي -ﷺ- للطاعون بغدة كغدة البعير، يؤيد ما ذهب له الفريق الثاني من اختصاص الطاعون بالطاعون المشهور الذي يكون فيه تورم الغدد انتفاخها، ومما يؤيده كذلك: حديث العرباض بن سارية -﵁-: «يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا -﷿- في الذين يتوفون من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا على فرشنا، فيقول ربنا -﷿-: انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراحهم جراح المقتولين، فإنهم منهم ومعهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم» (^٢)؛ فوصف إصابتهم بالطاعون بالجروح يؤكد كذلك ما ذهب له الفريق الثاني، والله أعلم.
وإذا نظرنا لتعريف أهل الطب والاختصاص للطاعون، نجد أن الأطباء القدامى يعرفون الطاعون بما عرفه به أصحاب القول الثاني، وهو: الأورام والقروح التي تظهر على وجه مخصوص، كما نقل ذلك الذهبي وابن القيم في كتابيهما في الطب النبوي عن أهل الطب (^٣)، وهذا ما ذكره ابن سينا في كتابه قانون الطب حيث قال: «إذا
_________________
(١) أحمد (٢٦١٨٢)، صححه الألباني في الإرواء (١٦٣٨).
(٢) أحمد (١٧١٥٩) والنسائي (٣١٦٤) حسنه الألباني في صحيح الجامع (٨٠٤٦).
(٣) انظر: الطب النبوي للذهبي (ص: ٢٦٥) والطب النبوي لابن القيم (ص: ٣٠).
[ ١٢ ]
وقع الخراج في اللحوم الرخوة والمغابن وخلف الأذنين والأرنبة وكان من جنس فاسد سمي طاعونًا» (^١). وذكر ابن سينا أن الطاعون كان يطلق على كل ورم يكون في الأعضاء الغددية اللحم والخالية، ثم أصبح يطلق على كل ورم قتال … يعرض في أكثر الأمر في الأعضاء الضعيفة مثل الآباط والأربية وخلف الأذن (^٢).
وأما في الطب المعاصر، فإن منظمة الصحة العالمية، وهي أعلى منظمات الصحة الدولية، تعرف الطاعون بأنه: مرض تسببه بكتيريا حيوانية المنشأ تدعى اليرسنية الطاعونية، وينتقل الطاعون عن طريق لدغ البراغيث المصابة أو بالملامسة أو بالرذاذ الخارج من الجهاز التنفسي للمصاب بالطاعون الرئوي.
وفي موقع وزارة الصحة للمملكة العربية السعودية: الطاعون هو مرض معدٍ شديد الخطورة تسببه بكتيريا، وينتقل عن طريق البراغيث؛ حيث كان يعد من الأمراض الوبائية شديدة الانتشار، والذي أودى بحياة الملايين في السابق.
وتجعل منظمة الصحة العالمية للطاعون ثلاثة أشكال رئيسة:
١ - الطاعون العقدي (الدملي أو الدبلي)، وهو ينجم عن لدغة
_________________
(١) القانون في الطب (١/ ١٠٨).
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٦٤).
[ ١٣ ]
برغوث مصاب بعدوى المرض وتظهر أعراضه في الجلد بظهور انتفاخات وأورام وقروح، وغالبًا ما تكون تحت الإبطين وأعلى الفخذ وخلف الأذنين والرقبة، وهذا النوع هو الأشهر، وهو المتعارف عليه قديمًا.
٢ - الطاعون الدموي تلوث الدم: وهو ينتج عن عدم علاج الطاعون الدبلي، حيث تنتشر العدوى في الدم وينخر الأنسجة ويحول لونها إلى الأسود، وتظهر القروح والأورام.
٣ - الطاعون الرئوي: وهو الذي يصيب الرئتين (^١).